بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

دار الجلد....سرداب البايات

2026-05-26 127 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
دار الجلد....سرداب البايات
من يجرؤ على زعم أنه يعرف تونس إن لم يسكنه هذا الخوف اللذيذ المنساب من جدران حواضرها العتيقة؟
من لم يتساءل وهو يعبر تلك الأزقة التي تضيق حتى لتكاد جدرانها المرتفعة تلتقي في السماء عما إذا كانت هذه المدينة قد بُنيت فوق الأرض أم أنها نبتت من أرحامها؟
هنا في الروح النابضة للمدينة القديمة حيث يتكاثف المعمار ليفوق الأحياء الحديثة بأربعة أضعاف يقف قصر دار الجلد. ليس مجرد حجر مرصوف ولا مجرد قصر منيف يعود للقرن الثامن عشر بل هو وثيقة سياسية مكتوبة بالرخام والتجاعيد. تدخل إليه عبر سقيفة متعرجة مصممة بذكاء أندلسي غايته الحجب والإخفاء فتنفتح أمامك باحة فسيحة يفوح منها عطر الليمون والياسمين وتحيط بها أعمدة تيجانها تركية الملامح. لكن هل هذه الفخامة إلا قناع يغطي الوجه الآخر للحقيقة؟
التاريخ في هذه الربوع لا يحب الوضوح بل يعشق السرية والاتكاء على الظلال. تحت هذا البلاط الرخامي الناعم يمتد لغز السرداب المفقود،ممرات سرية معتمة تمشي في عروق الأرض كالشرايين.
وحين نضع الخريطة العسكرية للمدينة فوق طاولة التشريح التاريخي يسقط الغموض وتتكلم الجغرافيا.
دار الجلد لا تبعد سوى ثلاثين مترا عن مقر الديوان ومئة وستين مترا عن دار الباي وبضع خطوات عن ساحة القصبة المعسكر المركزي للانكشارية وحامية الحكم.
لم يكن السرداب ترفاً هندسيا بل كان ضرورة وجودية للدولة ورجالها.
في أزمنة الفتن والانتفاضات الشعبية وعسف السياسة كانت هذه الأنفاق الجوفية هي الملاذ الأخير لتبادل الرسائل الحارقة أو للهروب الخفي نحو حصن القصبة المنقذ.
والتاريخ التونسي لا يكذب فقد سجل بأحرف من ذهب قصة باب الفلة ذلك السرداب الحقيقي الذي فرت عبره آلاف الأرواح حين داهمت جيوش الإمبراطور الإسباني شارل الخامس أسوار الحاضرة عام 1535 مثلما احتفظ بذكرى باب الغدر الممر السري المخصص لحالات الطوارئ السلطانية.
ولأن المخيلة الشعبية لا تقنع بالخرائط الجافة فقد ألبست هذا السرداب ثوب الأسطورة.
يتناقل أهالي الحومة بالهمس حكايات عن صناديق مقفلة تحت القصر تحتوي على وثائق مالية وأسرار سيادية تخص البايات ارتبطت بفضيحة الفساد المالي المدوية في القرن التاسع عشر حين اختلس القائد محمود بن عياد أموال الإيالة وهربها إلى فرنسا لتباع الدار بعدها بمبلغ خيالي قدره سبعمائة ألف ريال تونسي.
ويضيف الخيال الشعبي مسحة من الرهبة الجنائزيّة حكايات عن عواء ريح يمر في قنوات التهوية السفلية يحاكي أنين معارضين سياسيين وسجناء منسيين قضوا في غياهب تلك الدهاليز.
هذا الوعي بالمعمار ككائن حي يحرس أسرار الماضي هو ما التقطه الكاتب المنوبي زيود في روايته عفريت القائد عياد حيث يتحول النفق إلى بطل يرفض النسيان.
توالت السنون وتقلب القصر بين الأيدي من أعيان القرن الثامن عشر إلى عائلة الخالسي وصولا إلى عام 1933 حين اشترته عائلة عبد الكافي.
وبحلول عام 1946 فتح الحاج عبد الرحمن عبد الكافي أبوابه كفندق يستقبل النخب وفي عام 1987 تحول إلى مطعم فاخر يذود عن التراث المطبخي في زمن الإهمال ليصبح اليوم مرخما بخمس نجوم يضم ستة عشر جناحا تحرس سكينة المكان.
العجيب في هذه الملحمة المعمارية هو كيف تصالح الحاضر مع هذا الماضي الموحش.
تلك السراديب والأقبية الأرضية التي كانت مرتعا للخوف والسرية أعيدت قراءتها اليوم بذكاء معاصر لتتحول إلى ناد صحي وسبا فاخر. ينزل إليه الزائر وسط إضاءة خافتة ووميض شموع ليتنفس عطر البرتقال في فضاء يستحضر غموض الماضي وعزلته الزمنية الكاملة عن صخب العصر ولكن بعد تجريده من وحشته ليغدو ملاذاً للسلام الروحي.
دار الجلد تظل شهادة حية على عبقرية الحاضرة التونسية كتاباً مفتوحاً تلتقي في أحشائه وثائق المؤرخين بظلال المرويات الشفوية لتبقى تلك المدينة العتيقة وفيّة لأسرارها صامدة في وجه العصر ونابضة بالحياة في أعمق دهاليزها المنسية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال