بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

بلّاع الصّبايا...أسطورة باب سويقة المحرمة

2026-05-26 111 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
بلّاع الصّبايا...أسطورة باب سويقة المحرمة
في قلب المدينة العتيقة بتونس حيث تتشابك الأزقة وتلتوي كأفعى قديمة أضناها السير في دروب التاريخ وبمنطقة باب سويقة الشعبية التي لا تنام ولا تهدأ حركتها ينفتح نهج الذهب على سر غامض يختبئ في ظلال حومة الولي الصالح سيدي محرز بن خلف.
هناك، يقف حمام الذهب شاهدا صامتا على تعاقب القرون والعهود معمارا أثريا موغلا في القدم والغموض يعود تأسيسه الأول إلى ذروة العهد الحفصي وتحديدا في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي حين كانت تونس منارة للمغتربين والعلماء والتجار.
وثقت دفاتر الديوان القديمة كيف أن هذا المعلم طالته يد التوسعة والترميم الشامل في العهد العثماني بأمر مباشر من الداي أحمد خوجة في حدود سنة 1645 للميلاد ليصبح من أرقى فضاءات الراحة والاستشفاء.
يرتفع سطح هذا الحمام العتيق بجدرانه السميكة المبنية من الحجر الكلسي والآجر التقليدي ليطل مباشرة على قبة زاوية سلطان المدينة وسلطانها الروحي سيدي محرز في مفارقة عجيبة تلتقي فيها طهارة الروح وفضاؤها الصوفي المشبع بالبخور والأذكار مع طهارة الجسد المنغمس في تفاصيل الحياة اليومية وهواجسها وأسرارها الحميمة.
لكن هذا الحمام لم يكن يوما مجرد جدران من حجر قديم أو بخار كثيف يتصاعد ليلامس عنان السماء بل كان فضاء مشحونا بالرهبة ومسرحا لأسطورة حفرت مجراها العميق والدموي في الذاكرة الحضرية للتونسيين حتى غلب اسمه الشعبي المرعب «بلاع الصبايا» على اسمه الأصلي المكتوب في دفاتر الأوقاف والبلدية والملكية.
تبدأ القصة الحقيقية للتوجس والتي دونتها بعض المخطوطات والرسائل المهملة في خريف سنة 1822 للميلاد في عهد الباي محمود باشا حين سجلت دفاتر الحسبة ومقيدو حومة باب سويقة أولى الاختفاءات الغامضة التي هزت أركان الحاضرة.
كانت البداية الصادمة مع ليلى بنت الشيخ القاضي أحمد المنستيري صبية في الثامنة عشرة من عمرها، كانت بارعة الجمال وتستعد لحفل زفافها المنتظر من أحد أعيان المدينة الأثرياء. دخلت ليلى إلى الحمام برفقة وصيفاتها وقريباتها في ليلة عرسها المشهودة وسط زغاريد النساء التي كانت تهز الأقواس الرخامية وبخور الجاوي وسرغين الذي يعبق به المكان ويملأ الصدور بخدر لذيذ.
انسلّت ليلى نحو المقاصير الداخلية البعيدة وتحديدا إلى البيت الساخن حيث تتدفق المياه الحارة من القساطل الفخارية الممتدة في عمق الجدران لتستحم بمفردها بعيدا عن صخب القاعة الكبرى والعيون الفضولية.
مرت ساعة، ثم ساعتان، ولم تخرج العروس من خلوتها. وحين تملّك القلق خالتها القابلة دوجة اقتحمت المقصورة بقدمين ترتجفان لتجد مفاجأة صاعقة جرت مياه القساطل تصب بانتظام وجرار الماء الفخارية ممتلئة حتى حافتها وقبقابها الخشبي المطعم بالصدف ملقى على الأرض بشكل مريب ومصوغها الذهبي وثوب زفافها الحريري منثورا فوق البلاط الساخن لكن ليلى تبخرت تماما كأنها لم تخلق قط.
لم يكن في المقصورة أي منفذ لا نافذة تطل على الخارج ولا شق في السقف فقط جدران صماء من الحجر الكلسي المشبع بالرطوبة والقطرات المتساقطة كدموع صامتة.
لم يكد جرح عائلة المنستيري يندمل ولم تكد المدينة تستوعب الصدمة حتى عادت الكارثة تضرب من جديد.
ففي صيف سنة 1835 للميلاد وتحديداً في عهد المشير مصطفى باي تكررت المأساة مع بيّة ابنة التاجر المعروف في سوق الشواشين محمد الصرارفي.
تكرر السيناريو ذاته بالتفاصيل المريبة والنهاية المفجعة نفسها،اختفاء مفاجئ وسريع في غمرة البخار الكثيف دون سماع أي صراخ أو استغاثة ودون ترك أي أثر يدل على مقاومة أو فرار أو جريمة بشرية منظمة.
ومنذ تلك الحوادث المتلاحقة التي عجز القضاء والشرطة عن حل ألغازها ولدت الأسطورة وتغّذت من الرعب اليومي الساكن في قلوب العائلات التونسية.
أصبحت الأمهات في أزقة الحلفاوين ورحبة الغنم وسوق القماش يحذرن بناتهن من إطالة المكوث في الحمام أو الدخول إليه في الساعات المتأخرة من العصر والأوقات التي تسبق مغيب الشمس فالألسن تروي بكثير من اليقين والرعب كيف أن هذا المكان مسكون بملوك الجن السبعة وأن جنيّا عاشقا يلقب بالغراب يقبع تحت بيت النار ومنافذ تصريف المياه يترصد الفتيات العذارى الحسان وفي غفلة من الجميع يختفين بين جدرانه السميكة وتحت قابه المقببة دون أن يتركن أثرا كأن الأرض انشقت وابتلعتهن أو كأن الجدران نفسها تنفتح لتأخذ نصيبها من لحم البشر صبايا في عمر الورد يدخلن بضحكاتهن وزينتهن ولا يخرجن أبدا ليتحول الفضاء في المخيلة الشعبية من مكان للاستشفاء والبهجة والطقوس الاحتفالية التي تسبق الأعراس إلى مصيدة مرعبة تترصد الجمال والشباب وتقتات على حسرة العائلات.
يروي كبار السن وحكواتية المقاهي في حومة سيدي محرز أن أحمد باي الأول الذي كان مهتما بالترتيب العسكري وحفظ الأمن ضاق ذرعا بالشائعات التي أصبحت تهدد السلم الاجتماعي فأرسل في أربعينيات القرن التاسع عشر فرقة مختارة من الحرس الخاص تسمى الكراغلية بقيادة القائد عثمان وهو ضابط صارم لا يؤمن بالخرافات.
اقتحم الجنود الحمام بعد إخلائه تماما من الزوار وقاموا بحملة تفتيش واسعة النطاق شملت القنوات السفلية الضيقة للحمام ومستوقده الضخم الذي يغذيه الحطب وجفت الزيتون ليل نهار.
كانوا يبحثون عن سراديب سريّة أو عصابة لصوص أو ممرات مخفية وراء الجدران قد تستخدم في الخطف والتهريب لكن عمليات الحفر والهدم الجزئي لم تسفر إلا عن العثور على عظام قديمة مجهولة الهوية ورماد متراكم منذ قرون مما زاد من غموض القضية وعزز الاعتقاد الراسخ لدى العامة بأن الأمر يتجاوز تماما قدرة البشر ويدخل في نطاق ما لا يمكن تفسيره.
هذا التداخل المدهش والفريد بين الواقع الجغرافي والتاريخي الموثق لحمام الذهب وبين الميثولوجيا السوداء التي نسجها الخوف البشري من المجهول يمنح هذا المعلم التونسي بعدا روائيا عميقا وملحميا يكاد يشبه عوالم مدن الملح حيث تصبح الجغرافيا بطلا رئيسيا يحرك مصائر البشر ويتحكم في مشاعرهم ويصوغ تاريخهم الموازي.
وعلى الرغم من القيمة المعمارية الهائلة لهذا الأثر والتفاصيل الهندسية العبقرية التي تكشف عن مهارة البنائين والمعماريين التونسيين القدامى في ترويض عناصر الطبيعة الأربعة من ماء ونار وتراب وبخار فإن الرواية الخرافية وظلال بلاع الصبايا ظلت هي الأقوى والأبقى وهي التي منحت الحمام الخلود والإثارة في الوجدان الشعبي.
إنها قصة مدينة عتيقة تعيش أبدا على حافة عالمين متناقضين، عالم علوي مرئي تحرسه قبة سيدي محرز ببركاتها وأنوارها وهيبتها الصوفية وعالم سفلي غامض مظلم ورطب يقبع تحت بلاط حمام الذهب ينتظر اللحظة المناسبة وغفلة الحراس ليمارس غوايته العتيقة في التقام الجمال وتغييبه إلى الأبد وراء حجب الغيب والنسيان.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال