بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المدارس القرآنية...إحياء وتجديد

2026-05-25 15 قراءة مقالات فكر عبد العزيز كحيل
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
العطلة المدرسية ستدوم أكثر من أربعة أشهر، ومن حق الأطفال والمراهقين والشباب أن يكون لهم حظ في الترفيه والسياحة لكن المعتاد أن الصيف كله بالنسبة لهم لعب ولهو وانفلات يؤدي إلى توسيع نطاق الآفات الاجتماعية، أقلها البقاء في الشوارع والأحياء ليلا ونهارا بلا رقيب، وأقصاها الانخراط في الجريمة والمهلوسات والمخدرات، ومن أحسن البدائل لهذا الوضع الإقبال على المدارس القرآنية، وهي متوفرة ، منها التابعة للمساجد والجمعيات والكتاتيب المنتشرة في المدن، فهي محاضن آمنة تحمي النشء، وتخدم كتاب الله، وتساهم في إعداد الجيل المتشبع بالقيم والدين والأخلاق، فالقرآن هو حصننا المتين في وجه الدعوات الهدامة، هو الذي يحفظ أبناءنا وبناتنا من الانحراف، فلْنجعل من ذريتنا جيلا قرآنيا يهزم المخدرات والمهلوسات والتفسخ الأخلاقي والعلمانية، ولن يكون هذا إلا إذا جعلنا التعليم القرآني يرتكز على مبادئ صارمة فيها إحياء لحقيقة الكتاتيب وتجديد للدراسة بها.
أشير أولا إلى ضرورة أن ينظر الأولياء إلى المدارس على أنها محاضن إيمانية تعليمية تحتاج إلى الجد والانضباط والصرامة، وليست روضات أطفال يودع فيها الأبناء للتخفيف من ضجيج البيت، لذلك على الأولياء أن يتابعوا دراسة أبنائهم بها بكل جد، وأن ينخرطوا في تجديد النظرة إلى هذه المدارس، فيساهموا في تأثيثها بالحاجيات المطلوبة كالمكيفات ونحوها، وينفقوا على معلمي القرآن والطلبة المحتاجين، وأن يعطوا لهذا الغرض من أموال الصدقات والزكاة، فهي تدخل تحت مصرف "وفي سبيل الله"، وأن يساهموا بسخاء في تكريم الفائزين في مسابقات حفظ القرآن، ويغدقوا على الحفاظ النجباء.
أما المسألة الثانية فهي أن نعلم أن المهم ليس أن يحفظ الطالب كثيرا بل يجب أن يحفظ جيدا ولو قليلا من السور، فالحفظ الجيد المتقن للحزب الأخير – مثلا – أجدى وأفيد من حفظ البقرة بسرعة لينساها بعد أيام أو أسابيع، وقد يكون التباري بين الطلاب من يحفظ أكثر شكلا من أشكال تضييع القرآن.
ثم أود التنبيه على نقطة هي في نظري بالغة الأهمية لأنها أصبحت حجابا بين الناس والقرآن، وهي المبالغة العناية بأحكام التلاوة والغنّة والإدغام، فهذا يأخذ الوقت والجهد ويغرّنا بأننا أمة تعتني بالقرآن، متميزة في التدين، مع أن الخلل يحيط بنا من كل جانب، فالاعتدال هو الحل، والمقصد الأكبر من التعليم هو التركيز على الفهم إذ لا قيمة للحفظ بغير فهم، ويمكن الاعتماد على كتاب وجيز في التفسير لشرح الكلمات والمعنى العام للطلبة حتى لا يكونوا مجرد آلات حافظة، ذلك أن أهم ما في الأمر هو تربية الطلبة على أن القرآن للعمل والتطبيق وليس فقط للحفظ والتلاوة، أي يجب تعليمهم أن القرآن هو دستورهم الأكبر، وهو سرّ الفوز في الدنيا والآخرة، و لا بد من التحذير من فخ التكريمات العشوائية والرسمية، فهي في كثير من الأحيان وسيلة لشغل الناس عن مضمون القرآن إلى درجة أن وجدنا هنا وهناك "حفظة" لا علاقة لهم بالدين والأخلاق، فتيان لا يصلون، وفتيات سافرات، وهذا ما تقرّ به عين العلمانية وخصوم الإسلام الذين يسعون إلى هدمه من الداخل، وأوضح مثال على ذلك ما تقوم به أنظمة سياسية مشهورة بعدائها للإسلام من تنظيم مسابقات وطنية ودولية للحفاظ وتغدق على الفائزين جوائز ضخمة وهي – في نفس الوقت – تعتقل وتنفي وقد تقتل من يعمل بالقرآن أو يطالب بتطبيق أحكامه، أي أنها جعلت من الكتاب الكريم ملهاة وحجابا دنيويا لا علاقة له بالتقوى ولا الآخرة ولا تسيير شؤون الدنيا، تفعل هذا بعد أن تأكدت ان الطعن في القرآن لا جدوى منه فاختارت التلاعب به وإفراغه من محتواه وإحالته إلى مادة للتفاخر بالأصوات وحشد أكبر ما يمكن من الظواهر الصوتية لصدّ المسلمين عن التدبر والفهم والعمل بكتاب الله تعالى، أفيعقل أن نسقط في هذا الفخ ونكثّر سواد ما سماه الشهيد سيد قطب "مواكب الفارغات"؟
يجب أن تخرّج هذه المدارس جيلا يؤمن أن القرآن بنيةٌ مرجعيةٌ كليّة، تؤسّس لنظامٍ معرف وأخلاقيٍّ وحضاريٍّ متكامل، أما اختزاله في بعده التعبّدي الصوتي وحده فهو نوعٌ من "الاختزال الوظيفي" الذي يُفرغه من طاقته التغييرية، ويُحوّله من محرّكٍ للتاريخ إلى زينةٍ للطقوس...القرآن طاقةٌ حضاريةٌ كامنة، أشبهُ بنورٍ مطلقٍ لا يحدّه الزمان ولا يقيّده المكان، ولا تتحوّل إلى فعلٍ مؤثّر إلا إذا صادفت «محوِّلًا» إنسانيا قادرا على استقبالها بوعي، وتمثّلها بصدق، ثم إعادة بثّها في الواقع سلوكا، وموقفا، وعمرانا، ولا يقدر على هذا إلا إنسان قرآني تخرّج من محاضن القرآن والسنة بإيمان عقلاني وعقلانية إيمانية، ولْتكن المدارس القرآنية هذا المحضن.

عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال