بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

هندسة التخلف الاستراتيجي: كيف أنقذت الخيانة الوطنية والتبعية الاقتصادية كيان الدولة التونسية من الابتلاع العثماني والاندثار الفرنسي (1824-1835)

2026-05-23 77 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
هندسة التخلف الاستراتيجي: كيف أنقذت الخيانة الوطنية والتبعية الاقتصادية كيان الدولة التونسية من الابتلاع العثماني والاندثار الفرنسي (1824-1835)
تتشابك خيوط التاريخ التونسي في الثلث الأول من القرن التاسع عشر لتنسج عباءة سياسية شديدة التعقيد
يتداخل فيها بريق السيادة الذاتية بظلال التبعية وهشاشة الاقتصاد بجموح التحديث العسكري.
وفي قلب هذا المخاض التاريخي العسير يقف حسين باي الثاني بن محمود، الباي الثامن للدولة الحسينية كشخصية محورية جسدت بامتياز معضلة الحكم في إيالة ممزقة بين إرث عثماني يتآكل وطموح محلي يتحسس طريقه نحو التشكل وعاصفة استعمارية أوروبية عاتية بدأت تضرب الشواطئ المغاربية بعنف غير مسبوق.
قراءة هذا العهد الممتد بين عامي 1824 و1835 تفرض علينا تفكيك بنية السلطة والتحولات الجيوسياسية التي عاصرتها الإيالة ليس بوصفها مجرد سنوات مرت في سجلات قصر باردو بل باعتبارها المنعطف التأسيسي الذي تشكلت فيه ملامح تونس الحديثة بهويتها البصرية وأزماتها الهيكلية المزمنة.
ولد حسين باي في الخامس من مارس لعام 1784 وارتقى سدة العرش في الثامن والعشرين من مارس لعام 1824 بعد وفاة سلفه محمد باي بن حمودة.
لم يكن الرجل غريباً عن دهاليز السياسة ومؤامرات البلاط بل جاء إلى الحكم مشبعاً بثقافة العصر ومدركاً لثقل الأمانة في ظرفية دولية بالغة الحساسية.
ينقل لنا المدون الكبير أحمد بن أبي الضياف في سفره الخالد إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان تفاصيل دقيقة عن الملامح الجسدية والنفسية لهذا الباي حيث يرسمه كرجل أسمر البشرة شابتها حمرة الوقار ،كثيف الحاجبين في غلظ ظاهر وضيق في ما بينهما، أشم الأنف، واسع العينين شديد سوادهما، ذي لحية عارضة غلب عليها الشيب في أخريات أيامه.
كان ربعة القامة يمشى في انحناء خفيف لم ينقص من هيبته بل أضفى عليها مسحة من الرصانة، دائم البشر، حسن المحاضرة، حلو الدعابة، عزيز النفس، تزدحم الكلمات في فمه لفرط ما كان يعتمل في ذهنه من فكر متوقد وحضور بديهة.
استهل هذا الحاكم عهده بخطوة ذكية اتسمت بالبراغماتية والتصالحية إذ أصدر عفواً ملكياً شاملاً عن المساجين والمنفيين السياسيين وكان من أبرزهم ابن الوزير السابق محمد العربي زروق خزندار في محاولة واضحة لتأمين الجبهة الداخلية ورص الصفوف بعد هزات العهود السابقة تمهيداً لسياسة الاستقرار المأمول.

ولأن إدارة الإيالة كانت تقتضي نوعاً من الاستمرارية والمحافظة على التوازنات لم يشأ حسين باي الثاني إحداث ثورة في الجهاز الإداري والوزاري بل أبقى على الطاقم الذي خدم والده من قبل. غير أن هذا الاستقرار الظاهري كان يخفي في أحشائه صعوداً مدوياً لنظام المماليك والوجهاء ذوي الأصول الأجنبية الذين أحكموا قبضتهم على مفاصل الدولة.
كان حسين خوجة يتولى الأمانة كقائم بأحوال المملكة والمسؤول المالي الأول بمثابة رئيس الوزراء الحقيقي يعاضده في الكتابة والإنشاء باش كاتب محمد الأصرم وفي الشؤون العسكرية والتحركات الميدانية سليمان كاهية بينما كان أبو عبد الله محمد خوجة يدير أمور الترسخانة ودار صناعة السفن وعبد الوهاب باش حامبة يقود الحرس الملكي الخاص. لكن الشخصية الأكثر إثارة للجدل والنفوذ في هذا العهد كانت بلا منازع شخصية شاكير صاحب الطابع ،ذلك المملوك الشركسي أو الجورجي الذي اشتُري في الأستانة صغيرا وأُهدي لحمودة باشا فتربى في عرينه ليتدرج في المناصب حتى غدا المحرك الفعلي للسياسة التونسية.
صعد نجم شاكير بسرعة الصاروخ وبات يمسك بالخيوط الدبلوماسية والعسكرية وهو النفوذ الذي جلب عليه لاحقاً وبالاً شديداً وكراهية دفينة من ولي العهد آنذاك أحمد باي انتهت بفصل دموي مأساوي حين أُعدم شاكير في قصر باردو في الحادي عشر من سبتمبر لعام 1837 بعد تولي أحمد باي العرش.
وفي ذات المناخ المملوكي، ظهر محمد خزندار اليوناني الأصل الذي تدرج من خدمة شاكير صاحب الطابع ليصبح مسؤولاً عن ماليته ومن ثم يعمر في دهاليز السلطة الحسينية لنصف قرن كامل يخدم خلاله خمسة بايات متعاقبين ويصل لكرسي الوزارة الكبرى في إشارة واضحة لكيفية إعادة إنتاج الدولة لنخبها من خلال هذا النظام الاغترابي المستأمن.

الهاجس الأكبر الذي أرّق مضجع حسين باي الثاني ووزيره المقرب شاكير صاحب الطابع كان هاجس التحديث العسكري فقد باتت الفرق الإنكشارية التقليدية والجيوش القبلية المحلية عبئاً على الدولة وعاجزة عن مجابهة الأخطار الخارجية وتطور فنون الحرب في أوروبا.
وبإيعاز مباشر من شاكير اتخذ الباي في يناير من عام 1831 قراراً تاريخياً بإنشاء أول طابور من المشاة النظاميين في تونس العاصمة وهو القرار الذي مثل النواة الأولى لما عُرف بالنظام الجديد. لم يتوقف هذا الطموح عند حدود الحاضرة ل امتد في عام 1832 ليشمل إنشاء طابور نظامي ثانٍ استقر في مدينة سوسة وشُكلت جل عناصره من شبان منطقة الساحل التونسي.
هذه التشكيلات الفتية لم تكن مجرد قوة عسكرية جديدة بل كانت إرهاصا مبكرا للمشروع الإصلاحي الكبير الذي سيتوسع فيه أحمد باي الأول لاحقا بما في ذلك تأسيس المدرسة ا
لحربية بباردو عام 1840.
وامتداداً لهذه السياسة التنظيمية بادر مصطفى باي الذي
عين ولياً للعهد عام 1824 وخلف شقيقه حسين لاحقاً بإجراء إحصاء شامل في فيفري لعام 1837 لكل الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين عشر سنوات وخمس وعشرين سنة بهدف دمجهم في العسكرية النظامية مما يؤكد أن البنية التنظيمية والتشريعية للجيش الحديث قد وُضعت لبناتها الأولى في مناخ عهد حسين باي الثاني.
بيد أن هذا الجهد التحديثي الداخلي صُدم بعاصفة جيوسياسية هوجاء غيرت وجه شمال إفريقيا بالكامل و
نقصد هنا الغزو الفرنسي لإيالة الجزائر عام 1830.
وجد حسين باي الثاني نفسه في موقف لا يحسد عليه يوازن فيه على حبل مشدود بين روابط الدين والأخوة والتاريخ المشترك مع جيرانه الجزائريين وبين المطرقة العسكرية الفرنسية التي كانت تدق بعنف على الأبواب.
مارست باريس ضغوطاً ديبلوماسية رهيبة على قصر باردو ووجهت القنصلية الفرنسية تحذيراً شديد اللهجة للباي يخيره بين الحياد التام للحفاظ على سلامة ملكه وبين اعتبار أي مساعدة برية يقدمها للجزائريين بمثابة إعلان حرب مباشر على فرنسا يستوجب الرد العسكري الماحق.
وفي ظل هذا الضغط حاول الباب العالي العثماني التحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه فأرسل في أفريل 1830 المبعوث السلطاني طاهر باشا على متن البارجة نسيم الظفر حاملاً مقترحاً بعزل داي الجزائر حسين لإنهاء الذريعة الفرنسية.

وعندما حط طاهر باشا برحاله في تونس في الثامن من ماي
1830 وحاول العبور براً نحو الجزائر بسبب الحصار البحري
الفرنسي جابهه حسين باي الثاني برفض قاطع وحازم مانعاً إياه من النزول إلى البر التونسي خوفاً من إثارة حفيظة الفرنسيين وتفسير الخطوة كدعم مبطن للاحتلال العثماني أو المقاومة الجزائرية مما أدى لاحتجاز المبعوث مؤقتاً قبل مغادرته نحو تولون دون نتيجة تذكر.

التحليل التاريخي العميق لموقف حسين باي الثاني من قضية الجزائر يكشف عن براغماتية مشوبة بمرارة التاريخ فالنخبة الحسينية لم تكن تتحرك بدافع الخوف المحض من الآلة العسكرية الفرنسية فحسب بل كانت تستحضر أيضاً قروناً من العداء التقليدي والاصطدام المسلح مع دايات الجزائر الذين مثلوا دوماً مصدراً للتهديد والتدخل السافر في الشؤون التونسية وفرض الإتاوات.
وبناءً على هذه الخلفية المريرة رأت السلطة في تونس أن الحفاظ على علاقات مستقرة ومصالح مشتركة مع ملوك فرنسا قد يشكل درعاً واقياً ضد الأطماع الجزائرية وهو ما تفسره التسهيلات اللوجستية والتجارية التي قدمتها الإدارة التونسية لحملة الجنرال لويس دي بورمون من خلال السماح بشراء المؤن والمواشي وفرض رقابة صارمة لمنع تهريب البارود والذخائر عبر الحدود التونسية نحو المقاومة في قسنطينة بل إن الباي بادر بتهنئة دي بورمون عقب سقوط مدينة الجزائر في الخامس من جويلية 1830.
وفي محاولة لاستثمار الفراغ الإقليمي وقع الباي مع الجنرال الفرنسي برتراند كلوزال اتفاقيات عامي 1830 و1831 والتي قضت بتسليم إدارة مقاطعتي قسنطينة ووهران لفرعين من العائلة الحسينية تحت حماية فرنسية فضفاضة حيث رُشح شقيق الباي سيدي مصطفى لقسنطينة، ونجله سيدي أحمد لوهران التي زارها بالفعل في أوائل 1831. لكن هذا الحلم التوسعي التونسي تبخر سريعاً بعد أن رفضت الحكومة المركزية في باريس تصرفات كلوزال واعتبرتها تجاوزاً للصلاحيات مما أدى لإلغاء الاتفاقيات واستقالة الجنرال في فيفري 1831.

على الرغم من هذه المساومات والضغوط الخارجية والانحناءات الدبلوماسية أمام القوى العظمى شهد عهد حسين باي الثاني ولادة أحد أبزر رموز السيادة والخصوصية الوطنية التونسية التي ميزت الإيالة عن محيطها الإمبراطوري العثماني ونعني بذلك ولادة العلم الوطني التونسي الحالي الذي يعتبر اليوم أعرق علم مستخدم في العالم العربي.
تعود الدوافع الجيوسياسية المباشرة لإنشاء هذا الرمز إلى الكارثة البحرية التي حلت بالأسطول العثماني والتونسي في معركة نافارين في العشرين من أكتوبر لعام 1827 عندما دمرت السفن الأوروبية المشتركة الشعبة البحرية التونسية التي كانت تشارك مساندة للخلافة ضد الثوار اليونانيين.

وفي أعقاب هذه الصدمة اتخذ حسين باي الثاني قراراً سيادياً بإنشاء راية خاصة ومميزة للسفن التونسية لتفادي الخلط الأوروبي بينها وبين الرايات العثمانية الأخرى وحماية ما تبقى من الملاحة البحرية والتجارة التونسية.
صُمم العلم بخلفية حمراء شاملة ترمز لدماء المدافعين عن الوطن تتوسطها دائرة بيضاء مركزية تمثل الشمس الناشرة للسلام والوضوح ويستقر في قلبها الهلال والنجمة الخماسية كرموز إسلامية وثقافية متجذرة في الوجدان التونسي وعمارته التقليدية بطلاء أحمر للشعار الداخلي تعبيراً عن الوحدة والسيادة.
تميز هذا العلم بوضوح عن العلم التركي من خلال وضع الشعار داخل القرص الأبيض وتم تفعيله رسمياً عام 1831 ليتحول عبر الحقب وبموجب الدساتير اللاحقة في 1959 و1999إلى رمز أبدي للهوية والكيان التونسي المستقل. وفي ذات السياق الاسترضائي الدبلوماسي وافق الباي في عام 1830 على منح القنصل الفرنسي العام ترخيصاً لبناء كاتدرائية كاثوليكية وهي كاتدرائية القديس لويس فوق الهضبة الأثرية لقرطاج تكريماً لذكرى الملك الفرنسي لويس التاسع الذي توفي هناك بالوباء عام 1270 خلال الحملة الصليبية الثامنة في خطوة عقارية ذات أبعاد دينية استهدفت نزع فتيل الأطماع الفرنسية المباشرة تجاه الأراضي التونسية.

لكن هذه القشرة البراغماتية والإصلاحات العسكرية والرموز السيادية البراقة لم تكن لتخفي الحقيقة المرة المتمثلة في الاختلالات الهيكلية والأزمة الاقتصادية والمالية العنيفة التي بدأت تنخر جسد الإيالة.
بدأت بوادر الانهيار المالي المنظم تلوح في الأفق واضعة البلاد على مسار التبعية والديون الخارجية التي ستستفحل في العقود التالية.
تعود جذور هذه المعضلة إلى تراجع القطاع الفلاحي واضطراب الإنتاج بعد عهد حمودة باشا مما دفع الدولة لاستيراد القمح لتغطية النقص الغذائي لأول مرة في تاريخها الحديث. وتفاقم الأمر سوءاً مع ما عُرف بأزمة الزيت
إذ لتغطية نفقات البلاط المتزايدة ورواتب الجيش والتحديث لجأ الباي إلى بيع محصول زيت الزيتون مسبقاً للتجار الأجانب وتلقي الأثمان مقدماً قبل نضوج المحصول والتأكد من حجم الصابة.
وعندما شحت السماء وحبست الأمطار قطراتها تراجع المحصول بشكل حاد ووجدت الدولة نفسها عاجزة تماماً عن تسليم كميات الزيت الموعودة أو رد الأموال المقبوضة للتجار الأوروبيين.
هذا العجز المالي القاتل اضطر السلطة لسلوك سياسات اقتصادية قسرية وتدميرية شملت التداين المباشر من الممولين الأجانب بفوائد مجحفة وافتكاك ومصادرة أموال وعقارات الرعايا التونسيين الأثرياء لسداد الديون الطارئة مما أحدث شرخاً عميقاً في الثقة بين الدولة ومجتمعها التجاري المحلي.
واصل هذا النزيف وتضاعف في العهود اللاحقة لا سيما في عهد أحمد باي الذي أنفق ببذخ مفرط على بناء القصور والجيش دون مراعاة حقيقية للموارد الفعلية مما ترتب عليه زيادة مطردة وجائرة في الضرائب المباشرة أثقلت كاهل السكان وزادت من مستويات الفقر والعوز وضاعفت من عسف وجور القياد والملتزمين بجمع الأموال لصالح الخزينة بباردو.
ورغم محاولات بعض الوزراء المصلحين للمطالبة بتخفيض النفقات وتسريح أجزاء من الجيش النظامي المكلف لتخفيف الميزانية جوبهت تلك المقترحات بالرفض مفرغة مخازن الدولة ومقودة الإيالة تدريجياً نحو الإفلاس المالي الكامل والسقوط في فخ الكومسيون المالي والوصاية الأجنبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
إن القراءة الفاحصة والتقييم التاريخي لعهد حسين باي الثاني بن محمود يضعنا أمام نموذج فريد ومعقد لسياسة البقاء والتوازن الحرج في بيئة إقليمية ودولية بالغة الاضطراب والخطورة.
نجح الباي بفضل واقعيته السياسية ودبلوماسيته البراغماتية في حماية إيالته من مصير السقوط والاحتلال المباشر الذي داهم جارتها الجزائر مجنباً تونس الصدام العسكري المباشر مع فرنسا الصاعدة وإن كان ثمن ذلك تقديم تنازلات لوجستية وسيادية قاسية فرضها اختلال موازين القوى.
وفي الوقت عينه تركت هذه الحقبة بصمات هيكلية غائرة في مسار الدولة التونسية ،فمن جانب ترسخت رموز السيادة الوطنية والخصوصية الذاتية عبر ولادة العلم التونسي المميز والخطوات التأسيسية لإرساء العسكرية النظامية مما ساهم في بلورة مفهوم الدولة الترابية المستقلة والمنفصلة وجدانياً وسياسياً عن الفضاء العثماني الشامل.
ومن جانب آخر مهدت الاختلالات المالية المرتبطة بالاستدانة المسبقة وعجز الفلاحة والضرائب الجائرة لضعف اقتصادي مزمن قوض أسس الدولة الحسينية من الداخل وجعل من مشاريع التحديث اللاحقة عبئاً مالياً ثقيلاً قاد في نهاية المطاف إلى فقدان البلاد لقرارها السيادي المستقل ودخولها ليل الاستعمار الطويل.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال