بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الجهاد الفكري فريضة وضرورة

2026-05-20 43 قراءة مقالات فكر عبد العزيز كحيل
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الجهاد في الاصطلاح الشرعي هو قتال الكفار المعتدين، وهو ذروة سنام الإسلام، لكن الجهاد بهذا المعنى ظرفي، لكن يكون متواصلا مستمرا بأنواع أخرى لا تقل عنه أهمية، وفي كتابه "زاد المعاد" ذكر الإمام ابن القيم ثلاثة عشر نوعا من الجهاد، كلها معان مستقاة من القرآن والسنة، وإنما أشير في هذا المقال إلى نوع مناسب لزماننا الذي تحكمه عولمة طاغية وعلمانية متبجحة تستهدفان الدين والقيم والأخلاق، المسلمون هم في الخط الأول في المواجهة معهما من حيث يريدون أو لا يريدون، ذلك أن العالم يتضايق من المسلمين لأنهم "قوم يتطهرون"، قال تعالى " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"، وأبان الواقع أن المنصرين – مثلا – لا يريدون منا أن نصبح نصارى بل يحرصون فقط على إخراجنا من الإسلام لأنه هو وحده الذي يمثل تهديدا للمنظومة الفكرية والسياسية الحضارية التي تحكم العالم، فهل يجدي السلاح نفعا في هذه المواجهة غير المتكافئة بين منظومة دولية متماسكة وأمة مفككة ضعيفة؟ هنا لا نقول لا مجال للجهاد بل نقول هذا زمان الجهاد الفكري الذي يشير إليه قوله تعالى "وجاهدهم به (أي بالقرآن) جهادا كبيرا"...هذا الجهاد الفكري في أوانه كالقتال في أوانه، هنا بالسلاح وهناك بالحجة، كل هذا للدفاع عن الإسلام والأمة ولنشر دين الله الحق، وأداة هذا الجهاد المتعين حاليا هي الدعوة إلى الله بالانخراط في معركة الصراع الفكري والتدافع الاجتماعي العالمي، عن طريق التحريك القوي لوسائل الاتصال الحديثة، والحضور اللافت في ميدان النشر بكل أنواعه وبكل لغات العالم الكبرى...ومن صور الجهاد الفكري مقاومة التنصير في بلادنا حتى لا يتمكن من تكوين أقلية دينية تستدعي التدخل الخارجي كما هو مخطط له من قديم، وكما حدث في أكثر من قطر، ونحن قوم أدبنا الإسلام فأحسن تأديبنا، فلا نحرق نسخة من الإنجيل، ولا نحرق كنيسة لكننا نبرز حقائق الإسلام بعقلانية تدحض حجج المبطلين، ونهدم مزاعم المنصرين بالحجة القائمة والدليل القاطع، ونستحضر في ذلك نية الجهاد...هذا إلى جانب تحبيب الإسلام للشعوب التي شوّه الإعلام المغرض صورة الإسلام لديها، وإنما واجبنا أن نجعل دين الله القيم يحتل قلوبهم قبل أرضهم، وهذا الجهاد هو في حقيقة الأمر الأصل لأنه سعي مستمر بينما القتال ظرفي كما أشرنا، وهو الذي أدخل الإسلام إلى أقاصي آسيا وصحراء إفريقيا بواسطة أخلاق التجار وجهود العلماء والدعاة الذين ارتحلوا إلى كل مكان ينشرون تعاليم الإسلام، وينافحون عن الحق، يناقشون، يناظرون، يؤلفون الكتب، بل هذا ما قام به الفاتحون في الشرق الإسلامي وشمال إفريقيا وغيرهما، حيث حلّ عدد من المجاهدين لا يساوي شيئا مذكورا مقارنة بعدد السكان فأزالوا الطواغيت المستبدين الذين أذلوا الشعوب واستعبدوهم، وتركوا الناس أحرارا يختارون الإسلام أو البقاء على دينهم، وها هم النصارى واليهود وطوائف أخرى متعددة يعيشون في ظل الإسلام منذ قرون بأديانهم وطقوسهم ومعابدهم لا يصيبهم أحد بأذى، إلى جانب أغلبية اعتنقوا الإسلام عن قناعة، وعلى سبيل المثال قد تم فتح مصر – وهي أكبر دولة في المنطقة كلها آنذاك – بجيش تعداده أربعة آلاف جندي فقط، فلم ينتشر فيها الإسلام بالجهاد القتالي بل بالجهاد الفكري... وما أسهل مهمة الجهاد الفكري اليوم مع توفر التكنولوجيا بمختلف وسائطها مقارنة مع الماضي، دون أن نهوّن من حجم التحديات وهول المعركة التي يديرها أعداء الإسلام سرا وعلانية من خلال حملات التنصير والتشييع وما يسمونه التنوير، وهو ذريعة لنشر الإلحاد من خلال التشكيك في ثوابت الإسلام، والعدوان على قطعياته وما هو معلوم من الدين بالضرورة، والحقيقة أن أصحاب هذه الدعوات أنشط منا بكثير في استعمال الوسائل الحديثة لنشر باطلهم، من صحف وفضائيات ومواقع إلكترونية، وما زلنا نعاني مشكلة الفهم ونعتدي على فقه الأولويات، فتجد بيننا من يكرر الحج عشر مرات ومثلها من العمرات ويأنف أن يعطي مبلغا معتبرا لإنشاء قناة أو صحيفة، أو يموّل بعثة دعوية، لأن العبادة الفردية عنده أفضل من الجهاد الفكري، وهو مصطلح ربما لم يسمع به إطلاقا، وهذا يحتاج إلى نشر الوعي بحقيقة الجهاد الفكري وضرورته وأولويته في هذا الزمان لتحصين أبناء المسلمين، ولنشر دين الله، وهي مهمة لا تقبل التأجيل في ظل الخواء الروحي الذي يسود العالم، يصحبه التشويش الفكري الفظيع، وبدل التخوف من التنصير ينبغي الانتباه إلى أن إدخال النصارى في الإسلام أيسر مما نتصور، فبالنسبة للعرب منهم يكفي أن يقرؤوا القرآن أو يستمعوا إليه ممن يحسن التلاوة والتفسير البسيط لأن الكنيسة تمنعهم من هذا منعا باتا، وقد تربوا على هذا المنع منذ طفولتهم، أما غير العرب فيكفي أن يقرؤوا ترجمة جيدة ليدخلوا دين الله قلوبهم، وهذا مجرب في أكثر من مكان.
فهل من مشمر للجهاد الفكري؟
عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال