بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

هرمز ...حين انكسرت السلاسل و سقطت الإمبراطوريات

2026-05-19 40 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
هرمز ...حين انكسرت السلاسل و سقطت الإمبراطوريات
ليست الجغرافيا مجرد تضاريس ،إنها الذاكرة وقد تحجرت والتاريخ وقد استحال ممرات ومضائق تخنق أو تهب الحياة. وحين تلتقي تلك اللحظة الحرجة من القرن السابع الميلادي حيث كانت الإمبراطورية الساسانية المتآكلة تلفظ أنفاسها الأخيرة وبزوغ فجر الفتح الإسلامي القادم من قسوة الصحراء فإننا لا نقف أمام مجرد معارك عسكرية بل أمام زلزال حضاري يعيد ترتيب مصائر البشر والأرض.
في تلك البرهة يتداخل هرمز الإنسان بهرمز المكان ويتحول التاريخ في الوعي الجمعي إلى ملحمة يختلط فيها دم الملك بدم القائد وتصبح الجغرافيا ساحة لتصفية الحسابات المؤجلة.
ولم يكن هرمز الرابع الذي اعتلى العرش عام 579 م خلفاً لأبيه كسرى أنوشيروان ملكاً عادياً.
كان رجلاً مسكوناً بهواجس الحفاظ على عرش يتآكل من أطرافه ومن قلبه. ولأنه ابن أميرة خزرية فقد حمل وزر الهوية الملتبسة في بلاط فارسي متعصب فلقبوه تهكماً بابن التركية. غير أن مأساة هرمز الحقيقية لم تكن في عروقه بل في انحيازاته السياسية والاجتماعية.
كان يرى أن العرش لا يستقيم على رجلين اثنين بل على أربع وأن الفقراء والمسيحيين والدهقانيين هم القوائم التي تحمي الملك من غطرسة الكهنة والنبلاء.
هذا الموقف الذي يسكت عنه المؤرخون الرسميون كلفه حياته.
محاولة هرمز حماية الفلاحين والفقراء ورفضه اضطهاد مسيحيي الإمبراطورية قوبلت بثورة مضادة شرسة من النبلاء والكهنة الزرادشتيين. ولم يكن إذلاله لجنراله المنتصر بهرام تشوبين بإرسال المغازل والسلاسل إليه إلا طعنة يائسة من ملك يرى سلطته تتسرب من بين أصابعه.
انتهى هرمز مأساوياً في عام 590م لم يمت في ساحة معركة مع العرب بل سُملت عيناه بإبر محمية في زنزانة مظلمة بالمدائن بيد صهريه وبمباركة ابنه كسرى أبرويز.
مات الملك وبقيت اللعنة ملاحقة لسلالته كأن دم الفلاحين والمضطهدين كان يطلب ثمنه.

بعد ثلاثة وأربعين عاماً من غياب الملك هرمز تحت تراب المدائن وتحديداً في نيسان (أبريل) 633 م كانت الأرض على موعد مع تجسد آخر للاسم.
في كاظمة التقى جيش الفتح بقيادة خالد بن الوليد بجيش ساساني متخم بالحديد والغرور يقوده المرزبان هرمز والي الأبلة وصاحب التاج المرصع بمائة ألف درهم.
هنا تتجلى عبقرية الصحراء في مواجهة جمود الإمبراطورية من خلال إنهاك الطين بالرمل، أدرك خالد أن الجندي الفارسي مثقل بدروعه وثقافته المؤسساتية فجرجره في سباق ماراثوني منهك بين الحفير وكاظمة مستغلاً خفة حركة رجاله. وفي المقابل ظهرت سيكولوجية القيد حيث ربط الساسانيون أنفسهم بالسلاسل في تكتيك يائس لمنع الفرار ولصنع جدار بشري صلب لكن السلاسل في منطق التاريخ لا تصنع نصراً إنها تعبير عن رعب باطني.
وحين انكسر الخط الدفاعي تحولت تلك السلاسل إلى مقبرة جماعية قيدت حركة الجنود المذعورين تحت ضربات جيش يتحرك بدافع العقيدة لا السوط.

ويحدث في الذاكرة الشعبية نوع من الأسطرة التراكمية فالمخيلة العربية لكي تمنح النصر وهجاً تراجيدياً أكبر دمجت المرزبان بالملك. قتل ملك في مبارزة فردية يبدو أكثر فتنة في السير الشعبية من قتل والي إقليم لكن الحقيقة التاريخية لا تقل دراماتيكية: المرزبان هرمز المغرور الذي كان ينظر إلى العرب باحتقار حضاري لجأ إلى الغدر الإمبراطوري المعتاد، زرع خمسة من كمائنه لاغتيال خالد أثناء المبارزة. غير أن حركة التاريخ كانت أسرع من المكيدة.
اندفع القعقاع بن عمرو كالصاعقة ليبدد الكمين وبضربة سيف حاسمة قطع خالد رأس المرزبان وتهاوى التاج المرصع بالجواهر في التراب ومعه تهاوت هيبة الإمبراطورية الساسانية في أرض العراق إلى الأبد.

ومن هنا يبرز السؤال حول ما إذا كان هذا الممر المائي الحارق يحمل اسم القائد المهزوم.
الحقيقة العلمية تأخذنا بعيداً عن صخب المعارك إلى عمق الجغرافيا واللغة. الاسم كائن حي يتطور ويمر بمراحل تشبه تقلبات السياسة من الجذور الدينية المرتبطة بأهورامزدا أو التسمية المحلية هور مغ وصولاً إلى مملكة وجزيرة هرمز الاستراتيجية.
المضيق لم يُسمَّ باسم إنسان بل باسم مملكة وجزيرة هرمز التي تحولت في القرن الرابع عشر إلى جوهرة الخاتم في تجارة الشرق وهي المملكة التي أسستها هجرات عربية من عمان وصاغتها توازنات التجارة والبحار.
لكن المصادر العربية القديمة في محاولتها لتأصيل المكان سكتت أحياناً عن اسم هرمز أو منحته ظلالاً أخرى مثل رأس الجمجمة وباب السلام، هكذا أسماه اليعقوبي والمسعودي حيث ينتهي بحر فارس وتبدأ أهوال المحيط ومغاصات اللؤلؤ أو فك الأسد وهي التسمية التي أطلقها البرتغاليون لاحقاً في القرن السادس عشر تعبيراً عن خطورة هذا الممر الاستراتيجي وضيق مجراه.
النزاع المعاصر حول تسمية المضيق ومطالبة البعض بإعادة تسميته مضيق خالد بن الوليد في مواجهة المحاولات الإيرانية لفرض الهوية الفارسية الحصرية هو الامتداد الطبيعي لمعركة ذات السلاسل.
تحول هرمز من إنسان سواء كان ملكاً أو مرزباناً إلى جغرافيا وتحول المكان إلى ساحة صراع رمزي وثقافي.
في الوعي القومي الفارسي هرمز هو رمز السيطرة البحرية القديمة والإرث الإمبراطوري الذي سبَق الفتح.
وفي الوعي العربي الإسلامي هرمز هو القائد الذي سقط بغدره وتاجه أمام بساطة وعدالة الفاتحين.
في النهاية يبقى المضيق متدفقاً لا يكترث كثيراً بأسماء الملوك أو القادة الذين سقطوا على ضفافه بل يواصل حراسة بوابة الخليج شاهداً على أن التيجان تذهب والسلاسل تنكسر وتظل الأرض وحدها تروي حكاية العابرين.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال