بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

في غياهب الاختفاء القسري

2026-05-14 16 قراءة مقالات رأي علي الكاش
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
قال تعالى في سورة البقرة 11ـ 12 (( وَإِذا قيل لَهُم لَا تفسدوا فِي الأَرْض قَالُوا إِنَّمَا نَحن مصلحون إِلَّا إِنَّهُم هم المفسدون وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ))

المقدمة
قصر كلمة القيت في الأمم المتحدة كانت لجيفارا، حيث قال" الحرية او الموت"، وطوى ورقته وغادر المنصة وسط ذهول الحضور. وهو نفس قول باتريك هنري " أعطني الحرية أو أعطني الموت". وأقول: لا يمكن لأي حكومة ان تلوي رقبة الحرية طوال الزمن، لأن الاختناق سيولد الانفجار حتما.

بلا ادنى شك يعتبر الاعلام السلطة الرابعة ونقصد بذلك الاعلام الحر، المستقل، والنزيه غير قابل للتملق وتزوير الحقائق او تشويهها، أو تحقيق المنافع الذاتية او الحزبية، الاعلام الصحيح هو البعيد عن النزعة الطائفية والعنصرية والانتهازية، ينقل الحقائق للرأي العام الداخلي والخارجي بغض النظر عن ردود الأفعال الموجبة او السالبة طالما يتوخى نقل الحقائق، ومثل هذا الاعلام يشخص مواطن الخلل في السلطات الثلاث للشعب، ويساهم في معالجة ما يمكن معالجته من خلل بالتعاون مع بقية السلطات، يعمل وفق الدستور والقوانين النافذة والضمير الحي والنزاهة والأمانة والمصلحة العامة. ولكونه يمثل السلطة الرابعة فهو ركن مهم من اركان الدولة الحديثة، أي دولة المؤسسات لا دولة الهوسات.
لا يكتفِ الاعلام بنقل الأخبار للناس والوقائع اليومية من خلال مواكبتها، بل يقيم الأحداث وفق نظرة تحليلية منطقية بعيدا عن الأهواء والميول، ويساعد في تكوين رأي عام يحقق مصالح الشعب، والا لجانب الحقيقة ودخل مزبلة التأريخ من أوسع أبوابها. ولابد ان يساهم أيضا في المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفق القانون النافذ، ولا يصبح مطية تركبها السلطات الثلاث، التي غالبا ما تحاول كتم الأصوات الحرة، ومواجهة الاعلام بكاتم الصوت والقمع والاعتقال وفق ذريعة التشهير، جميع الدساتير في العالم تضمنت حرية التعبير، وغالبية الحكومات تناقض الدستور في هذا الشأن، وتمارس ابشع الانتهاكات اتجاه الاعلام، وهذه مفارقة شاذة.
الحكومات الاستبدادية او ذات الطابع المركزي، غالبا ما تسخر القضاء كوسيلة لكتم الأصوات الحرة، ومن المؤسف ان ميزان العدالة غالبا ما تكون كفته في صالح الحكومة، وهذه معضلة لا تقتصر على الدول المتخلفة فقط. قال نصر حامد أبو زيد "ليست وظيفة القضاء محاكمة الفكر، لأن التفكير بذاته ليس جريمة، وإن إدخال القضاء طرفا حاكما في شئون الفكر هو الجريمة بينها". (دوائر الخوف/9).
لا أحد ينكر من العراقيين بأن حرية الاعلام في العراق تحت مقصلة الحكومة وهذا الأمر لا يقتصر على حكومة معينة، بل حالة شاملة شملت كل الحكومات، لكن بعد عام 2003 تفاقمت الأزمة، وصارت من مهام رئيس الوزراء تجنيد الذباب الإلكتروني لصالح، وتوجيهه نحو الإشادة بإداء الحكومة من جهة، وتسقيط الإعلاميين الأحرار، وشراء ذمم غالبية الإعلاميين ممن يمثلون (بوق الحكومة)، وملاحقة واعتقال الإعلاميين الأحرار.
الاعلام في العراق بعد عام 2003
مشكلة الاختفاء القسري ان العوائل لا تعرف مصير أبنائهم ان كانوا فوق الأرض او تحتها في ظل حكومات لا تعرف الله ولا الدستور ولا القانون ولا الإنسانية.
"ورد عن مرصد الحريات الصحفية، قُتل ما يقارب 277 إعلامياً، في حين وثقت لجنة حماية الصحفيين ما يقارب 280 صحفياً، وتشير نقابة الصحفيين العراقيين إلى ما يقارب 495 ضحية. إذ تتحدث تقارير دولية إلى مقتل حوالي 1668 صحفياً حول العالم بين 2003 و2022، أي ان العراق يمثل نسبة تتراوح بين 15% إلى 20% من إجمالي الضحايا عالمياً خلال تلك الفترة".
بعد عام 2003 تم انشاء ما يسمى بـ (هيئة الاعلام والاتصالات) من قبل المندوب الأمريكي بول بريمر، وجاء في ديباجة القرار بأنها مستقلة، لكن منذ تأسيسها ولحد الآن تمثل هروأه الحكومات المتلاحقة لملاحقة واعتقال الإعلاميين الأحرار، يمدون للحكومة يد التعاون وكشف الزلل، فتقوم الحكومة بضرب تلك اليد بهراوة قوات مكافحة الشغب (الأصح مكافحة الشعب)، وبدلا من تكريمهم يتم تسقطيهم. اما التكريم فهو حصري بزبابيك الحكومة وذيولها ممن يُلمعوا صورة الحكومة المشوهة والمقززة.
انطر الى من عاقبتهم هيئة الاعلام المستقلة التابعة لتيار الحكيم، تصور مستقلة وتابعة لحزب شيعي متطرف وفاسد!!! احمد الأبيض، يحي الكبيسي، بشير الحجيمي، نزار حيدر، هارون محمد، عبد القادر النايل، هاشم العقابي والناصر دريد، فلاح الفضلي، علي الذبحاوي المعتقل حاليا في سجون النظام بلا وجه حق، علاوة على من هم في الطريق للمحاسبة لاحقا مثل احمد الشريفي، أياد العناز، نديم الجابري، رمضان البدران، سامر الساعدي وبقية الإعلاميين الوطنيين ممن يصدح بالحق والحقيقة. وحتى هؤلاء الوطنيين لا تستضيفهم القنوات الحزبية الشيعية، رغم ان غالبيتهم من الشيعة، لكن الشيعي الوطني غير مرغوب به، ولنا في ثورة تشرين شاهد، فقد اطلق عليهم لقب (وطنجيه) للتهكم والسخرية، ولك ان تستشف عقلية الزمر الحاكمة العفنة وذيولهم من المأجورين الولائيين السفهاء تجاه الإعلاميين الأحرار. على حد تعبير جورج اورويل " حرية الصحافة ، إذا كانت تعني أي شيء على الإطلاق تعني حرية الانتقاد والمعارضة".

الصديقان مازن لطيف وتوفيق التميمي
الحقيقة ان المئات من الإعلاميين الاحرار اما اودعوا السجون او هربوا الى إقليم كردستان او الخارج، لأنهم من ضحايا الحرية، ولعل ثوار تشرين ومن فيهم من اعلاميين من شواهد الحاضر المشين، ومن الصعب تناول الجميع فالمأساة بلا حدود ومن الصعب حصرها بسبب شحة المعلومات، لكني سأحصر الحديث عن اثنين من الأصدقاء الاعلاميين، وهما من ثوار تشرين واعلاميين وطنيين مستقلين، كانوا في زمن البعث من المعارضين بالباطن خشية من بطش النظام حينها، ولأني كنت قريب منهما، اعرف خفايا الأمور المتعلقة بهما، لذا قررت شحن الذاكرة العراقية بالمغيبين قسرا عموما، وبالصديقين مازن لطيف وتوفيق التميمي. في التسعينات من القرن الماضي، كانا الاثنان لهما بسطية في شارع المتبني مقابل مكتبة نعيم الشطري رحمه الله، يستنسخان الكتب الممنوعة ويبيعانهما الى المقربين منهم فقط، وكان مازن هو الأكثر معرفة بالكتب سيما الروايات الحديثة والكتب الثقافية التي تناقش العقائد والحداثة والتأريخ، وكثير القراءة لكنه لا يناقش الا المقربين منهم.
فيما بتعلق بتوفيق التميمي فهو من اسرة فقيرة ومتواضعة، يهتم بالسياسة بشكل ملفت، ومتابع للأحداث. كان له بسيطة صغيرة لبيع الكتب، ولا يتواجد الا يوم الجمعة في شارع المتنبي. وبعد عام 2003 عمل كصحفي في جريدة الصباح الرسمية، وكان يستلم مني المقالات وينشرها أسبوعيا في الجريدة. كتب بعض المقالات بشكل محدود، لكنها مهمة، مع تركيزه على مظالم نطام العهد السابق. اما مازن فقد فتح دار نشر في شارع المتنبي وساهم بنشر عدد من الكتب المهمة. كلاهما على مستوى رفيع من الاخلاق، بحيث لا يملٌ من لقائهما الأصدقاء. كما قال أبو جعفر بن سنانك" جمال الرجل في حسن مقاله؛ وكماله في صدق فعاله". (طبقات الصوفية/96).
ودعتهما في نهاية عام 2004 بسبب خروجي من العراق، وكنت قبلها وفرت للأخ مازن بعض ما يحتاجه من مصادر ووثائق وكتب باللغة الإنجليزية عن يهود العراق. اعلمني مازن انه بصدد تأليف كتاب عن يهود العراق، وسألني المساعدة في البحث عن المصادر، وكان بعهدتي بعض الوثائق الرسمية عن يهود العراق، علاوة على جميع الإحصائيات حول سكان العراق من اول الى آخر إحصائية في عهد البعث موزعة على جميع محافظات العراق، بالإضافة الى (موسوعة التحقيقات الجنائية بأجزائها الستة) وكانت ممنوعة من التداول وفيها تحقيقات مع اليهود الشيوعيين، وهي التي اعتمد عليها حنا بطاطو في كتابه عن العراق بأجزائه الثلاثة. واستغرب مازن من وجود إحصائية عن سكان العراق، لم يعلن عنها في وسائل الاعلام، واستغرب اكثر بن النسخة تحمل (هامش عزة الدوري الى الرئيس الأسبق صدام حسين)، الأغرب منه انها تحمل درجة (سري للغاية وشخصي)، وهذا ما لا افهمه لأنها إحصائية ويفترض ان تتوفر للجميع، ولم يتيسر لي الوقت لمراجعتها، مع انها محفوظة عندي في العراق. هذه النسخة اصلية وهامش عزة الدوري اصلي، ولا اعرف ان كان هناك نسخة أخرى منها، فقد حصلت عليها كهدية من قبل أحد الأصدقاء، فقد فاجئني بثلاث هداية كانت الإحصائية منها، علاوة على مخطوطة مذكرات الراحل خير الله طلفاح بخط يده، وكان خطه جميل جدا، والأخيرة وثيقة من السيد محمد باقر الصدر مختومة بختمه، سئل فيها عن جواز عمل رجل الدين في السياسة، فأجاب لا يجوز بل مهمته النصح والإرشاد.
ام اتواصل مع الصديقين مازن وتوفيق بعد عام 2004 ولكني كنت اتابع اخبارهما عبر الأصدقاء، وطلب مني الأخ توفيق مساعدته للحصول على ايفاد او سمة لأوربا، لكن كان الأمر في غاية الصعوبة سينا ان الغزو لم يمضِ عليه سوى عام.
شارك توفيق التميمي ومازن لطيف في ثورة تشرين بعد ان تبين لهما ان العراق في ظل الحكم الشيعي كان اسوء من سابقه، غرق العراق في مستنقع الفساد، وبدأت الغول الإيراني يتغول في كل المجالات السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية، وبدأت سطوة رجال الدين بإخضاع القرار السياسي لإرادة مرجعية النجف، لذا رفع الثوار شعار ( باسم الدين باكونا الحرامية). وكان طلب الثوار بالإصلاح، وقف الفساد ومعاقبة الفاسدين، وعدم تدخل رجال الدين في إدارة الدولة، وانهاء النفوذ الإيراني في العراق، وتعديل قانون الانتخابات الجائر، وأخيرا اهم هدف سامي (نريد وطن)، بعد ان باعته الحكومات الفاسدة الى ايران بلا ثمن، تحت شعار نصرة المذهب. مع ان غالبية الثوار كانوا من الشيعة، وكان النتيجة (1000) شهيد، و(25000) ما بين جريح ومعوق، علاوة على اعتقال الآلاف من الناشطين، وتغييب المئات من الناشطين، لحد الآن لا يعرف مصيرهم، لكن أجهزة الدولة الأمنية المطعمة بالمليشيات الولائية هم من تقف وراء تلك المجازر. وكان للنظام الإيراني دورا بارزا في وـد ثورة تشرين، بعد ان أفتى المقبور علي الخامنئي بأنهم (أي الثوار) مشاغبين ويجب مواجهتهم بالقوة.

مبادرة رائعة ولكن!
في مبادرة رائعة من قبل (اتحاد الناشرين الدوليين) تم منح جائزة (فولتير) لحرية الرأي لعام 2023، للناشر والصحافي والكاتب العراقي المغيب؛ مازن لطيف، بعد ترشيحه من قبل (جمعية الناشرين والكتبيين في العراق). وتُمنح الجائزة للشخصيات التي سّاهمت في الدفاع عن حرية النشر وتعّزيزها.
" من هنا تأتي أهمية تكريم حرية النشر. بدوره؛ ذكّر (مركز النخيل للحقوق والحريات الصحافية)؛ في بيان: بجريمة اختطاف وتغييّب الكاتب مازن لطيف، منذ أكثر من ثلاث سنوات، دون الكشف عن مصيره لغاية الآن رغم كثرة المناشدات والوعود التي أطلقت بهذا الخصوص".
كما ورد" ينتهز مركز (النخيل) للحقوق والحريات الصحافية هذه الفرصة بإطلاق نداء للكشف عن مصير: مازن لطيف، والصحافي: توفيق التميمي، والعديد من زملائهما الذين اخُتطفوا وقُتلوا وغيُبوا ومحاسّبة مرتكبي تلك الجرائم وتقديمهم للعدالة، سيما أن رئيس مجلس الوزراء؛ محمد شيّاع لو مد يوم وما جزر السوداني، تعهد في برنامجه الحكومي بالكشف عن قتلة المتظاهرين والناشطين وإعلان ذلك أمام الرأي العام، وعلى الرغم من مرور سبعة أشهر على تشكيل حكومته لم يحدث أي تقدم يُذكر في هذا الملف".
لقد مضى ست سنوات على اختفاء الصديقين، ولم تكشف الحكومة العراقية عن مصيرهما، ونذكر الحكومة العراقية بهذه الواقعة، لعلها تعرف حجم مسؤوليتها اتجاه الله أولا، والشعب العراقي ثانيا.

خذي العبرة من السلف يا حكومة الاطار التنسيقي
قال الإتليدي" لما رجع عمر (رض) من الشام إلى المدينة، انفرد عن الناس ليتعرف أخبار رعيته، فمر بعجوز في خباء لها فقصدها. فقالت: ما فعل عمر (رض)؟ قال: قد أقبل من الشام سالماً.
فقالت: يا هذا! لا جزاه الله خيراً عني! قال: ولمَ؟ قالت: لأنه ما أنالني من عطائه منذ ولي أمر المسلمين ديناراً ولا درهماً. فقال: وما يدري عمر بحالك وأنت في هذا الموضع؟ فقالت: سبحان الله! والله ما ظننت أن أحداً يلي على الناس، ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها. فبكى عمر (رض)، وقال: وا عمراه، كل أحد أفقه منك حتى العجائز يا عمر! ثم قال لها: يا أمة الله! بكم تبيعيني ظلامتك من عمر، فإني أرحمه من النار؟ فقالت: لا تهزأ بنا، يرحمك الله. فقال عمر: لست أهزأ بك. ولم يزل حتى اشترى ظلامتها بخمسة وعشرين ديناراً. فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب (رض)، وعبد الله بن مسعود (رض)، فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فوضعت العجوز يدها على رأسها وقالت: وا سوأتاه! شتمت أمير المؤمنين في وجهه؟ فقال لها عمر (رض): لا بأس عليك، يرحمك الله، ثم طلب قطعة جلد يكتب فيها فلم يجد، فقطع قطعة من مرقعته وكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي الخلافة إلى يوم كذا، بخمسة وعشرين ديناراً. فما تدعي عليه عند وقوفه في المحشر بين يدي الله تعالى فعمر بريء منه، شهد على ذلك علي وابن مسعود. ثم دفعها إلى ولده وقال له: إذا أنا مت فاجعلها في كفني ألقى بها ربي". ( إعلام الناس/10). فما بالك بمن مارس القتل والنهب والإرهاب والاعتقال التعسفي، والاخفاء القسري، والقتل على الهوية.. من يشتري ظلامة هؤلاء الأبرياء؟
قال الشاعر:
أَما وَاللَهِ إِنَّ الظُلمَ لومُ ... وَما زالَ المُسيءُ هُوَ الظَلومُ
إِلى دَيّانِ يَومِ الدينِ نَمضي ... وَعِندَ اللَهِ تَجتَمِعُ الخُصوم
(صيدالافكار1/635).

علي الكاش

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال