بقي صحيح البخاري شامخا متربعا على كتب الحديث ثلاثة عشر قرنا، حتى وُضعت خطة خبيثة لمحاربة الإسلام من الداخل فتوجهت إليه سهام "التنويريين" و "القرآنيين" ومروجي الإلحاد والانحراف الفكري، فملؤوا الدنيا شبهات وأراجيف مغلفة بالعلمية حينا، ومعادية سافرة حينا آخر، أغلبها مجرد ترديد لسموم المستشرقين، والمؤسف في المسألة أن كثيرا من الشباب وغير الشباب تلقفوا الشبهات عبر مواقع التواصل وصدقوها وروّجوها كأنها حقائق ثابتة، هذا في غياب العلم الشرعي وانحسار النشاط المسجدي والدعوي تحت وطأة التضييق العلماني، فوجب بيان الحقائق في المسألة عبر هذه المحطات السريعة:
- "البخاري أصح كتاب (أي في الدين) بعد كتاب الله تعالى": هذه ليست عبارة عاطفية بل هي مقولة علمية ذكرها ابن الصلاح في "علوم الحديث"، ثم النووي ثم ابن تيمية ثم شاعت وذاعت وتلقتها الأمة بالقبول لأنها تعبر حقا عن واقع صحيح البخاري، ويمكن أن نقول بكل طمأنينة إن البخاري بين المحدثين كأبي بكر بين الصحابة، وكتابه كالشمس بين الكواكب.
- صحيح البخاري ليس في الحقيقة كتابا ألفه الإمام من رأسه بل هو عبارة عن أحاديث نبوية جمعها من الحُفاظ – حفظا في الصدور وكتابة في الصحائف – وضبطها ورتبها وفق منهج علمي صارم ودقيق فاق به أقرانه جميعا.
- كيف جمعه؟ يظن من لا علم لهم أن المحدثين - ومنهم البخاري – تلقوا الأحاديث مشافهة من بعضهم، وهذا خطأ فادح، فالأحاديث كانت مكتوبة منذ زمن الصحابة، وتمّ نقلها جميعا من الصدور إلى السطور في زمن التابعين، ثم جاء المحدّثون فقاموا بجمعها وتمحيصها وتبويبها وتنقيحها، فالبخاري إذًا لم يخترع شيئا وإنما عمل صحيحه من شيء كان موجودا موثقا حفظا وكتابة، وقد كان لجميع شيوخ الحديث مدونات يملون منها الحديث على طلبتهم، ويأتي من يأتي فيطلب الاطلاع على الحديث مكتوبا لتوثيقه فيعطيه الشيخ الصحيفة فينقل منها أو يقارن بينها وبين ما يحفظ، وهكذا...
- خضع صحيح البخاري عبر القرون للتمحيص والنظر الدقيق ونقد الأسانيد والمتون على يد الحفاظ والمتخصصين في علم مصطلح الحديث، حتى ارتضته الأمة.
- أكب عليه علماء الدين كما لم يكبوا على أي كتاب آخر بعد القرآن الكريم.
- لم يقصد البخاري استيعاب جميع الأحاديث الصحيحة بل انتقى في كل باب من أبواب العلم (العقائد، العبادات، الإرشادات) حديثا أو أكثر يُغنيه عن غيره مما ورد في الباب.
- وهنا مسألة علمية دقيقة تبين عبقرية البخاري (ومسلم كذلك) هي ما توصل إليه العلماء الدارسون لصحيحه أنه إذا لم يورد في باب معين حديثا هو أصل من الأصول في المسألة فهذا يعني أنه لم يصح عنده، وأوضح مثال على ذلك أحاديث المهدي وحديث افتراق الأمة، فرغم أنها في مسائل عقدية خطيرة فهو لم يخرجها (ولا مسلم) لأنها عنده معلولة لا يصحّ، حتى وإن أخرجها غيرهما، ذلك أن الشيخيْن عليمان بالعلل الخفية التي قد تعتري السند والمتن وتخفى على كثير من المحدثين لدقتها، ولعل هذا ما جعل الإمام أبا داود يقول "كل حديث لم يروه البخاري فأدرْ رأس دابتك عنه"، وهو يقصد – كما ذكرنا – الأحاديث الأصول وليس جميع الأحاديث.
- صحيح البخاري ليس كتابا في السنة النبوية فحسب بل هو مستوعب للإسلام كله، نظمه الإمام الكبير تنظيما دقيقا يتناول محاور الدين كلها وهي العقائد والعبادات والإرشادات (أي الأخلاق والرقائق ونحوها مما ليس داخلا في العقائد والعبادات)، ومما جعله متفردا بين كتب الحديث تراجمُه أي العناوين التي وضعها المؤلف للأبواب والأحاديث التي أخرجها، فهذه التراجم في حد ذاتها تدل على علم غزير وتبيّن اختيارات البخاري ومذهبه واتجاهاته العقدية والفقهية.
هنا ندرك أبعاد الحملة العدائية الضخمة ضد صحيح البخاري، فأصحابها ليسوا أعداء للسنة بل للإسلام ذاته، اتخذوا السنة مدخلا للتحريف وبدؤوا بركنها الركين وهو صحيح البخاري ليدلفوا إلى القرآن فيجعلوا منه عجينة ليّنة يصنعون منها دينا آخر مثل الإيراهيمية، ولا يكمن الحل – خاصة بالنسبة للشباب – في تتبع الشبهات والاشتغال بالردود فهي مهمة العلماء الراسخين والدعاة العارفين، بل في تحصيل العلم الشرعي وتحصين الناس بالمعرفة الصحيحة من مظانها، فأصحاب الحملة على البخاري وعلى السنة قد جمعوا في الغالب الأعم بين سوء الفهم وسوء القصد، لذلك تعاظم ضررهم واستفحل شرهم، ولا يرد كيدهم إلا الحصانة العلمية والفكرية، ولنا أن نلاحظ قول الرسول صلى الله عليه وسلم " من يعش منكم فسيرى اخلافا كثيرا فعليكم بسنتي ..." فكأنه علم صلى الله عليه وسلم أن الحرب ستعلن على السنة قبل القرآن لأنها الدليل العملي للإسلام.
عبد العزيز كحيل
الإمام البخاري وصحيحه
2026-05-12
33 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال