بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

رحلة في عقل السلطة ...حيث يولد الوهم و تموت الدولة

2026-05-11 8 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
رحلة في عقل السلطة ...حيث يولد الوهم و تموت الدولة
في هذا الشرق الملعون لا يصنع التاريخ العباقرة فقط بل يصنع أيضاً الأوهام.
وأخطر الأوهام تلك التي تجعل شعباً كاملاً يسلّم رقبته لرجل واحد ثم يكتشف متأخراً أن الوطن لم يكن سوى ظلٍّ طويل لذلك الرجل.
منذ آلاف السنين والبشر يهربون من فوضى القبيلة نحو الدولة ثم يعودون في كل مرة ليسقطوا في قبيلة أكبر اسمها الزعيم.
يتغير اللباس، تتغير الدساتير، تتغير الشعارات لكن الخدعة تبقى نفسها: رجل يعد بالخلاص وشعب متعب يصدّق.
لم تكن السلطة يوماً امتحاناً جامعياً.
كم من أميٍّ حكم العالم بالنار والحديد وكم من دكتورٍ أنيق قاد بلاده إلى المقبرة وهو يحمل أفخم الشهادات.
السياسة ليست جامعة بل غابة والحاكم الحقيقي ليس أكثر الناس علماً بل أكثرهم قدرة على فهم الخوف البشري وإدارة الجوع وصناعة الوهم الجماعي.
هكذا يولد الحكّام الكبار،ليس من صناديق الاقتراع فقط بل من الأزمات.
كل زعيم يبدأ قديساً صغيراً يعد الناس بالعدالة ثم يتحول تدريجياً إلى إلهٍ سياسي لا يرى في الدولة إلا مرآة لصورته الشخصية.
وهنا تبدأ الكارثة ، حين تختلط الدولة بالرجل يموت الوطن ببطء.
تصبح المؤسسات مجرد ديكور والبرلمان مسرحاً والقضاء موظفاً والإعلام بوقاً والشعب جمهوراً يصفق خوفاً أو جوعاً أو تعباً.
التاريخ لا يرحم هذه اللحظة بل يسخر منها.
نابليون بونابرت خرج من الثورة حاملاً شعارات الحرية ثم انتهى إمبراطوراً يبتلع أوروبا باسم المجد.
ومعمر القذافي حوّل بلاده إلى خيمة ضخمة معلقة بين الجنون والأسطورة حتى انتهت الدولة نفسها إلى شظايا متناثرة في الصحراء.
أما الحبيب بورقيبة فقد بنى دولة كاملة بيديه ثم جلس في آخر العمر وحيداً كشيخٍ هزمه الزمن الذي ظنّ أنه روّضه.
هذه هي لعنة السلطة ،كل حاكم يعتقد أنه استثناء ثم يكتشف متأخراً أنه مجرد فصل صغير في كتاب الزمن.

أكثر اللحظات صدقاً في السياسة ليست لحظات الانتصار بل لحظات السقوط.
هناك فقط تسقط الأقنعة ، هناك يتحول القائد الضرورة إلى رجل مرعوب يبحث عن مخرج خلفي أو عن طائرة أو عن مخبأ أو حتى عن ذاكرة تنقذه من الإهانة الأخيرة.

المشكلة ليست في الحاكم وحده بل في الشعوب التي تحب الأساطير أكثر من المؤسسات.
الشعوب المتعبة تبحث دائماً عن أبٍ قوي لا عن قانون قوي.
ولهذا تعيد إنتاج الطغيان وهي تصرخ ضدّه.
الدول الحقيقية لا تُبنى بالخطب ولا بالشعارات ولا بصورة الزعيم المعلقة في كل شارع.
الدول تُبنى حين يصبح القانون أقوى من الحاكم وحين تستطيع الأمة أن تعيش بعد موت رئيسها دون أن ترتجف.

أما الأوطان التي تختصر نفسها في رجل واحد فهي أوطان معلقة دائماً فوق هاوية.
يكفي أن يتعثر الرجل حتى يسقط الجميع معه.
وفي النهاية لا ينتصر الحكّام على الزمن،الزمن هو الذي ينتصر دائماً.
يأكل الجنرالات والثوار والخطباء والملوك والرؤساء ثم يتركهم جميعاً كأسماء باهتة في أرشيف قديم بينما تواصل الشعوب البحث الأبدي عن الوهم الجديد.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال