بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

رحلة في عقل السلطة ...حيث يولد الوهم و تموت الدولة

2026-05-11 114 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
1
رحلة في عقل السلطة ...حيث يولد الوهم و تموت الدولة
في هذا الشرق الملعون لا يصنع التاريخ العباقرة فقط بل يصنع أيضاً الأوهام.
وأخطر الأوهام تلك التي تجعل شعباً كاملاً يسلّم رقبته لرجل واحد ثم يكتشف متأخراً أن الوطن لم يكن سوى ظلٍّ طويل لذلك الرجل.
منذ آلاف السنين والبشر يهربون من فوضى القبيلة نحو الدولة ثم يعودون في كل مرة ليسقطوا في قبيلة أكبر اسمها الزعيم.
يتغير اللباس، تتغير الدساتير، تتغير الشعارات لكن الخدعة تبقى نفسها: رجل يعد بالخلاص وشعب متعب يصدّق.
لم تكن السلطة يوماً امتحاناً جامعياً.
كم من أميٍّ حكم العالم بالنار والحديد وكم من دكتورٍ أنيق قاد بلاده إلى المقبرة وهو يحمل أفخم الشهادات.
السياسة ليست جامعة بل غابة والحاكم الحقيقي ليس أكثر الناس علماً بل أكثرهم قدرة على فهم الخوف البشري وإدارة الجوع وصناعة الوهم الجماعي.
هكذا يولد الحكّام الكبار،ليس من صناديق الاقتراع فقط بل من الأزمات.
كل زعيم يبدأ قديساً صغيراً يعد الناس بالعدالة ثم يتحول تدريجياً إلى إلهٍ سياسي لا يرى في الدولة إلا مرآة لصورته الشخصية.
وهنا تبدأ الكارثة ، حين تختلط الدولة بالرجل يموت الوطن ببطء.
تصبح المؤسسات مجرد ديكور والبرلمان مسرحاً والقضاء موظفاً والإعلام بوقاً والشعب جمهوراً يصفق خوفاً أو جوعاً أو تعباً.
التاريخ لا يرحم هذه اللحظة بل يسخر منها.
نابليون بونابرت خرج من الثورة حاملاً شعارات الحرية ثم انتهى إمبراطوراً يبتلع أوروبا باسم المجد.
ومعمر القذافي حوّل بلاده إلى خيمة ضخمة معلقة بين الجنون والأسطورة حتى انتهت الدولة نفسها إلى شظايا متناثرة في الصحراء.
أما الحبيب بورقيبة فقد بنى دولة كاملة بيديه ثم جلس في آخر العمر وحيداً كشيخٍ هزمه الزمن الذي ظنّ أنه روّضه.
هذه هي لعنة السلطة ،كل حاكم يعتقد أنه استثناء ثم يكتشف متأخراً أنه مجرد فصل صغير في كتاب الزمن.

أكثر اللحظات صدقاً في السياسة ليست لحظات الانتصار بل لحظات السقوط.
هناك فقط تسقط الأقنعة ، هناك يتحول القائد الضرورة إلى رجل مرعوب يبحث عن مخرج خلفي أو عن طائرة أو عن مخبأ أو حتى عن ذاكرة تنقذه من الإهانة الأخيرة.

المشكلة ليست في الحاكم وحده بل في الشعوب التي تحب الأساطير أكثر من المؤسسات.
الشعوب المتعبة تبحث دائماً عن أبٍ قوي لا عن قانون قوي.
ولهذا تعيد إنتاج الطغيان وهي تصرخ ضدّه.
الدول الحقيقية لا تُبنى بالخطب ولا بالشعارات ولا بصورة الزعيم المعلقة في كل شارع.
الدول تُبنى حين يصبح القانون أقوى من الحاكم وحين تستطيع الأمة أن تعيش بعد موت رئيسها دون أن ترتجف.

أما الأوطان التي تختصر نفسها في رجل واحد فهي أوطان معلقة دائماً فوق هاوية.
يكفي أن يتعثر الرجل حتى يسقط الجميع معه.
وفي النهاية لا ينتصر الحكّام على الزمن،الزمن هو الذي ينتصر دائماً.
يأكل الجنرالات والثوار والخطباء والملوك والرؤساء ثم يتركهم جميعاً كأسماء باهتة في أرشيف قديم بينما تواصل الشعوب البحث الأبدي عن الوهم الجديد.

التعليقات والردود

1
مريم
2026-05-11
القانون أقوى
"الدول تُبنى حين يصبح القانون أقوى" تمام هذا هو المنطق ولكن المشكلة في تشريع وتطبيق القانون أستاذ، كيف ذلك؟
تطبيق القانون
في تونس مثلا لدينا ترسانة كبيرة من القوانين والنصوص التشريعية وغيرها المنظمة للعلاقات بين المواطنين مثلا لكنها غير نافذة ولا يتم تطبيقها، كيف تبني دولة قانون ولا تطبق ما جاءت به القوانين كيف؟ لكل فرد حق يتمتع به في كلمة بالدراجة " الدنيا حقوق رجع وأعطي لكل شخص حقه أنصف وأعدل بين الأفراد تزدهر البلاد" كيف نتغافل عن مغتصبي حقوق الناس مثلا استاذ تطبيق عقوبة الإعدام لمغتصب الطفولة أو القتل العمد من يشفي غليل أم مقهورة من يمسح ولو قليلا مصيبة موت؟ من؟ من يجبر حيتان السوق بدفع الضرائب؟ من يخلص أبناءنا من مافيا المخدرات؟ وفي الآخر من يدفع الثمن هو المواطن البسيط الطرف الأضعف بالحلقة القانون لم يجعل لحماية الضعفاء أو للمحافظة على خقوقهم بالعكس وضع لاسكات الضعيف عن المطالبة بحقة وحماية نفسه لان من وضع القوانين ليس إلا ممثلين للرأس مالية لحماية الأقوياء وهنا اربط مباشرة مع الجزء الثاني من التعليق أستاذ تشريع القوانين وهنا دور المشرع والدولة ومن يديرها ممثلي الشعب من يحركهم الوازع المادي أو القيم والمبادئ؟ الموضوع متشعب جدا ولا يقف عند سن او تطبيق القوانين، نحن نعيش أزمة أخلاقية، أزمة مبادئ، أزمة قيم، إصلاحها لا يكون إلا بالرجوع إلى ديننا الإسلامي الحنيف الذي لم يترك تفصيلا صغيرا إلاّ وأعطانا الحلول. لا افراط ولا تفريط لا تشدد ولا تسيب الوسطية والإعتدال بما يضمن للجميع الحق في حياة كريمة. وبدون تشاؤم أصبح هذا الطموح صعب المنال. تحياتي استاذ

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال