بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الحديث النبوي بين من يحبّه ومن يرفضه

2026-05-07 51 قراءة مقالات فكر عبد العزيز كحيل
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
كيف لا يحب المسلم الحديث النبوي؟ بل كيف ينتقص من قيمته؟ كيف يسخر منه؟ كيف لا يوقره؟ لا يحدث هذا إلا لمن اجتالته الشبهات وعصفت به مقولات المستشرقين ومنكري السنة النبوية... يا مسلم عندما تقرأ الحديث أو تسمعه فكأنك تسمع الرسول صلى الله عليه وسلم يكلمك أنت، يأمرك، ينهاك، يربيك، يزكيك، يبين لك سبيل الجنة، يبعدك عن النار... فالحديث هو الوحي الثاني، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، أي هو من ثوابت الإسلام وقطعيات الشريعة التي لا يختلف حولها مسلمان ما داما ينتميان لهذا الدين ويعرفان أبجدياته، ولن أشتغل في هذا الموطن بالرد على الشبهات ودحضها بل أذكّر ببعض مواقف العلماء والصالحين في تعاملهم مع السنة النبوية، فهذا أجدى للمسلم لأنه يحرك إيمانه، ويحدو به إلى حياض الدين لأنه يبيّن تعظيم قدواتنا العلمية للحديث النبوي وشأنه، وعظيم اهتمامهم به، وتفانيهم في حبّه وخدمته:
- كان الإمام مالك لا يأتي درس الحديث في المسجد النبوي حتى يتزيّن ويتعطر إجلالا له ولقائله عليه الصلاة والسلام.
- كان الإمام البخاري يتوضأ لكل حديث تأكد من صحته قبل أن يضمّنه صحيحه.
- كان الإمام مسلم يقول للإمام البخاري: "دعني أقبل قدميك يا طبيب الحديث".
- أخبر الناس الإمام أبا داود أن العارف بالله سهل بن عبد الله التستري بالباب يريد الدخول عليه فأسرع إلى استقباله لمقامه الرفيع في زمانه- وقد جاء من بعيد - فقال له جئتك في حاجة، فقال نعم، فقال حتى تقول لي "قضيتها لك" فقالها، فقال له "أخرج لسانك لأقبّل هذا الذي يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
- وألف الخطيب البغدادي كتاب "الرحلة في طلب الحديث" فجمع فيه عيون أخبار المشاق التي تجشمها العلماء وطلبة العلم في الضرب في الأرض لسماع أحاديث أو توثيقها.
- وعندما أسس الشيخ ابن باديس مؤسسة علمية دينية شاملة في تلمسان أطلق عليها "دار الحديث".
- وقد أعجبتني كلمة قالها المحدث العراقي البارز بشار عواد معروف بارك الله في عمره، قال لجمع من الطلبة ودموعه تغلبه: "مرت عليّ في حياتي أزمات خانقة ونجاني الله منها، وأظن أنما نجاني منها بفضل حبي لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم".
هذا وتستطيع الأمة الإسلامية أن تفخر بظاهرة حفظ الحديث التي تفردت بها بين الأمم، فالحُفاظ ظاهرة، وهي شيء لا وجود له عند غير المسلمين، ولقب "الحافظ" درجة علمية تفردت بها الأمة، ونالها عدد كبير ممن تخصصوا في حفظ السنة في الصدور والكتب معًا، من ابن حجر والعراقي والسخاوي في المشرق إلى ابن عبد البر وعبد الحق الإشبيلي وأبي الحسن المرادي في الأندلس.
ومن البشائر أنه بعد تحرير سورية من النظام الطائفي الذي عطّل العلم الشرعي وحاصر علماء الدين، انعقد منذ شهور مجلس ختم صحيح البخاري في الجامع الأموي بدمشق، شارك فيه علماء وطلبة من أقطار شتى، مما يشير إلى تعلق المسلمين بالوحي الثاني وعنايتهم به، والعناية بالحديث النبوي علم وعبادة، فمعارفه تفسر القرآن الكريم، وتبيّنه، وتفصل مجمله، وتستقل بالتشريع أحيانا، أما في الجانب التعبدي فإن الإقبال على الحديث تعلما وعملا من دلائل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، فكلامه إما وحي أو حق، قال تعالى "وما ينطق عن الهوى عن هو إلا وحي يوحي" – سورة النجم 3-4، وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهتني قريش، فأخبرت النبي ، فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق".- حديث صحيح رواه أبو داود وأحمد.
هذا هو الحديث النبوي: فيه تفسير القرآن وبيانه، فيه آداب وتزكية وتشريع مستقل، فهل الإقبال عليه أفضل أم متابعة شبهات المستشرقين والشيعة والملحدين التي تنتقص من السنة وتنشئ الجفاء تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وأصحاب القراءة الحداثية للتراث هم في حقيقتهم يجهلون التراث، عاجزون عن امتلاك أدوات فهمه، فلما لم يفهموه عابوه وعادوه، ولما عجزوا عن استيعابه لقصور عقولهم تطاولوا على أعظم العقول التي أنجبتها البشرية، فهم يريدون تجديد ما لم يفهموه، وينقدون ما لم يُحسنوا قراءته، أي يقفون أمام بحرٍ عميق بعقلٍ ضحل، ثم يتهمون البحر بالوهم والخرافة...هذا بالنسبة لأصحاب سوء الفهم أما أغلبيتهم فمشكلتهم سوء القصد.

عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال