بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أركيولوجيا الحوز والسيادة في أم العرايس: وثيقة "سيدي ناصر بن وافي" كفعل مقاومة قانونية بين تآكل السلطنة الحفصية وتوحش الاستعمار المنجمي (1536م)

2026-05-02 144 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أركيولوجيا الحوز والسيادة في أم العرايس: وثيقة "سيدي ناصر بن وافي" كفعل مقاومة قانونية بين تآكل السلطنة الحفصية وتوحش الاستعمار المنجمي (1536م)
في ذلك الهجير الذي لا يرحم وبينما كانت ريح التاريخ تعصف بأركان الدولة الحفصية المتداعية كان الزمان يكتب في عام ست وثلاثين وخمسمائة وألف حكاية مغايرة تماماً لما كان يدور في صالونات القصور أو على جبهات القتال.

فبينما كانت تونس العاصمة تئن تحت وطأة الفجيعة الكبرى جراء نهبها المستباح على يد جنود شارلكان الذين لم يكتفوا بسلب الذهب بل انتزعوا حتى ذاكرة الأرض من رفوف المكتبات الحفصية العريقة كان هناك في أقاصي الجنوب حيث تلتقي السماء بالصحراء في قفصة رجل يجلس بهدوء غريب ليكتب بالمداد والورق وثيقة بيع أرض في وجهة أم العرايس.
كانت تلك اللحظة هي لحظة الانكسار الكبير حيث كان السلطان مولاي الحسن يبحث عن شرعية زائفة تحت عباءة الإمبراطورية الإسبانية وكان العثمانيون بقيادة بربروس يتربصون بالموانئ كأنهم قدر لا مفر منه.
لكن في تلك القفار البعيدة ظل الحبر أقوى من السيف وظل العقد العدلي الذي يوثق ملكية سيدي ناصر بن وافي هو الحقيقة الوحيدة التي لم تستطع العواصف السياسية محوها.
إنها قصة البقاء الإداري الذي لم ينهزم بسقوط المركز بل ظل ينبض في عروق العدول والفقهاء الذين رأوا في تثبيت ملكية الأرض تثبيتاً للوجود الإنساني نفسه أمام عسف الغزاة وتقلبات الأيام.
كانت قفصة دائماً وأبداً هي صرة الأرض ومستودع الأسرار فمنذ تلك العصور السحيقة التي نحتت فيها الحضارة القبصية ملامح الإنسان الأول قبل أربعين ألف عام كانت هذه الأرض تعرف أن البقاء لمن يحرس منابع الماء ويقدس التراب.
وفي ذلك العصر الحفصي المتأخر لم تكن أم العرايس مجرد نقطة في الجغرافيا بل كانت فضاءً يسكنه التاريخ وتسوسه القوانين المستمدة من روح المذهب المالكي الذي شكل الدستور غير المكتوب لأهل المغرب .
عندما نتأمل في تلك الوثيقة التي حللها الباحث عثمان برهومي نجد أن كل كلمة فيها كانت رصاصة في وجه الفوضى فذكر الحدود الأربعة بدقة متناهية وتفصيل حقوق المياه ونوبات الري لم يكن مجرد إجراء قانوني جاف بل كان طقساً من طقوس السيادة المحلية فالأرض في تلك الربوع لا قيمة لها بلا ماء والماء لا قداسة له بلا قانون يحميه.
ومن هنا نفهم لماذا كان العدل في قفصة يحرص على ذكر الثمن بالعملات المتداولة، تلك الدنانير والريالات التي كانت تحكي قصة اقتصاد يتمزق بين نفوذ الهابسبورغ وطموح العثمانيين ومع ذلك تظل الوثيقة صامدة تنقلنا من مفهوم الملكية المشاعة إلى مفهوم الملكية الموثقة التي لا تقبل الجدل وكأن المزارع البسيط في أم العرايس كان يدرك بحدسه الفطري أن الورقة التي بين يديه هي درعه الوحيد ضد تقلبات السلاطين ومطامع الطامعين.

إن الغوص في تاريخ هذه المنطقة يكشف لنا عن تلاحم فريد بين الروحي والمادي فشخصية سيدي ناصر بن وافي لم تكن مجرد اسم لولي صالح يطلب الناس بركته بل كان قطباً تدور حوله ملكية الأرض وتستند إليه شرعية الحوز.
فالزوايا في قفصة والجنوب لم تكن مجرد أماكن للعبادة والذكر بل كانت مؤسسات اجتماعية وقانونية توفر الحماية للأرض والإنسان وكانت أراضي الزاوية أو الأراضي المرتبطة بأسماء الأولياء تتمتع بحصانة خاصة تجعل العقود المبرمة فيها أكثر استقراراً.
وفي تلك الفترة التي كانت فيها تونس تفقد أرشيفها المركزي الذي انتهى به المطاف في مكتبات سويسرا وإسبانيا كانت هذه العقود المحلية هي الأرشيف الحي الذي لم يستطع جندي ألماني أو إسباني الوصول إليه،.
فبينما كانت المخطوطات المذهبة ترحل كغنائم حرب لتزين رفوف مكتبة فاديانا أو سيمانكاس كانت هذه الأوراق البسيطة المكتوبة بلغة عربية وسيطة تمزج بين الفقه والدارجة تظل مخبأة في طيات ملابس الفلاحين وفي زوايا البيوت الطينية لتحفظ للأجيال القادمة حقيقة أن هذه الأرض كانت مسكونة بالنظام والعدل قبل أن تطأها أقدام المستعمرين بقرون طويلة.

وعندما حل القرن التاسع عشر وحمل معه رياح الاستعمار الفرنسي المسمومة تغير كل شيء فاكتشاف الفسفاط على يد فيليب توماس لم يكن مجرد حدث جيولوجي بل كان بداية لعملية اغتصاب كبرى للأرض والتاريخ فقد جاءت الشركات المنجمية الفرنسية بعقلية ميكانيكية باردة تريد تحويل
أم العرايس من وجهة روحية وزراعية إلى مجرد حوض منجمي يستنزف ثرواته ويرحل وحاولت سلطات الحماية بكل دهاء أن تلغي مفعول تلك العقود القديمة مدعية أن هذه الأراضي هي أراضٍ موات أو أراضٍ اشتراكية لا صاحب لها لكي يسهل عليها منح الامتيازات للشركات الاستعمارية
لكنها اصطدمت بصخرة الذاكرة وبقوة تلك الأوراق الصفراء التي كانت العائلات تتوارثها كأغلى ما تملك.
كانت وثيقة سيدي ناصر بن وافي وأمثالها هي الحجة الدامغة التي تثبت أن الأرض لم تكن يوماً بلا صاحب وأن قبائل الهمامة التي استوطنت هذه الوهاد لم تكن مجرد تجمعات بدوية عابرة بل كانت حامية للأرض وحارسة للتاريخ.
ولعل المرارة التي يشعر بها المرء اليوم وهو يرى أم العرايس تعاني التهميش تنبع من هذا التناقض الصارخ بين عراقة التوثيق في العصر الحفصي وبين الضياع الذي فرضه العصر المنجمي الذي استبدل قداسة الولي ببرودة الآلة.

هذه الدراسة المقارنة بين العقود المحلية والأرشيفات العالمية تفتح أمامنا آفاقاً جديدة لفهم الشخصية التونسية فهي تكشف عن إنسان يقدس الوثيقة ويحترم القانون حتى في أحلك لحظات الانهيار السياسي فالانتماء
لأم العرايس لم يكن يوماً مجرد انتماء لمكان بل هو انتماء لتاريخ طويل من الكدح والصمود والوثيقة التي كُتبت في عام ست وثلاثين وخمسمائة وألف هي في جوهرها فعل مقاومة .
إننا مدعوون اليوم للنظر في خزائننا الخاصة، في تلك الأوراق التي يعلوها الغبار في بيوتنا القديمة ففيها تكمن الحقيقة التي عجزت الأرشيفات الاستعمارية عن تزويرها وفيها نجد ملامح أجدادنا الذين باعوا واشتروا وغرسوا الأرض وهم يدركون أن السيادة لا تمنحها المعاهدات الدولية بل يمنحها الحوز الفعلي والوثيقة العدلية التي لا تموت.
إن قصة أم العرايس هي قصة تونس في لحظة تحولها الكبرى وهي صرخة تذكرنا بأن تحت طبقات الفسفاط التي تغطي الأرض اليوم هناك طبقات من التاريخ والفقيه والولي والعدل تنتظر من ينبش عنها ليعيد لها الاعتبار والكرامة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال