بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

سوسيولوجيا «الطحين»: كيف تحوّل الدقيق من رغيف المقدسين إلى وقود الدياثة السياسية في مختبر الخيانة التونسية؟

2026-05-02 157 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
سوسيولوجيا «الطحين»: كيف تحوّل الدقيق من رغيف المقدسين إلى وقود الدياثة السياسية في مختبر الخيانة التونسية؟
لا نتحدث هنا عن مفردة عابرة في قاموس بائس أو مجرد لفظة نابية يتراشق بها الرعاع في أزقة النسيان بل نحن بصدد تشريح جثة لغوية متورمة تسكن أعماق الوجدان التونسي وتكشف عن ندوب سحيقة في جسد التاريخ والجغرافيا والسياسة التونسية.
تبرز كلمة «طحّان» كقنبلة موقوتة من الدلالات المتفجرة التي تختزل قرونا من الانكسارات والمقاومة والخيانة والتحولات السيكولوجية العنيفة التي طرأت على الشخصية القاعدية في هذا المختبر البشري المسمى تونس إذ أن اللغة في هذا الفضاء ليست أداة للتواصل بل هي مرآة مشروخة تعكس كل العفن الذي تراكم تحت جلودنا وكل الطهر الذي حاولنا الدفاع عنه في مواجهة الغزاة والوشاة والمستبدين والمنبطحين على أعتاب القوة والمال.
ومن هنا نجد أن كلمة «طحان» في التمثل التونسي المعاصر قد تجاوزت أصلها المهني الشريف لتستقر في قاع الرذيلة الرمزية كلقب لا يمحى يجمع بين الدياثة الأخلاقية والعمالة السياسية والسيولة الروحية التي تجعل الإنسان مجرد مادة قابلة للعجن والتشكيل في يد السيد المستعمر أو الحاكم الجلاد.
لو عدنا بالذاكرة إلى الوراء لنبحث في أضابير التاريخ الوسيط ومخطوطاته التي تآكلت أطرافها سنجد أن هذا التحول لم يكن صدفة تونسية محضة بل كان إرهاصا قديما بدأ يتشكل في الفضاء المتوسطي.
في الأندلس الغارقة في دماء صراعاتها كانت كلمة طحان تقابل في اللاتينية لفظة «لينو» التي تعني القواد أو الوسيط في الرذيلة وهذا الربط العجيب بين مهنة توفير الخبز المقدس وبين الاتجار في العرض يكشف عن وعي مبكر بخطورة العزلة التي كانت تعيشها المطاحن القديمة
حيث كانت تلك الأمكنة البعيدة عن أعين الرقابة الاجتماعية تتحول إلى بؤر لكل ما هو محرم ومشبوه وكأن عملية سحق الحبوب كانت ترمز سيكولوجيا إلى سحق الكرامة والرجولة والغيرة وتحويل الصلابة الإنسانية إلى مسحوق ناعم لا شكل له ولا موقف.
ومن الأندلس إلى المشرق العربي في القرن التاسع عشر نجد المعجميين يرصدون نفس القذارة الدلالية حيث ارتبط الطحان ب«المعرص» والمتاجر بالبغاء مما يؤكد أن الوصمة كانت تلاحق هذه المهنة في المخيال الجمعي قبل أن تستقر في تونس وتأخذ أبعادا ملحمية في سوداويتها وشرسيتها وتتحول إلى سلاح فتاك في المعارك السياسية والاجتماعية.

في الفضاء المغاربي وتحديدا في الجزائر وتونس خلال القرن التاسع عشر وقبل أن تطأ أقدام الجنود الفرنسيين ترابنا كانت الكلمة قد حسمت خيارها الأخلاقي ففي قواميس بلقاسم بن سديرة وأدريان بولمير نجد أن «الطحان» هو الديوث بامتياز أي ذلك الرجل الذي فقد خاصية الغيرة التي تميز الكائن البشري عن غيره من الكائنات المستباحة .
هذا الانتقال من المهنة إلى الوصف الأخلاقي يعبر عن فلسفة شعبية ترى في الدقيق مادة سائلة لا تقاوم العجن والخبز تماما مثل الرجل الذي يسمح بانتهاك حرمة بيته وعرضه مقابل الفتات أو اتقاء لشر مفترض.
ولكن المنعطف التاريخي الأكبر والجوهري الذي جعل من الطحان كابوسا وطنيا تونسيا لم يأت من فراغ بل ولد من رحم المعاناة زمن الاستعمار الفرنسي حين تحولت المطحنة من مكان لإنتاج الغذاء إلى رمز لإنتاج الموت والوشاية والغدر، فخلال حقبة المقاومة الوطنية وتحديدا في مواجهة الفلاة الذين كانوا يمثلون عنفوان الأرض وكرامتها كانت سلطات الاحتلال تحتاج إلى عيون تخترق النسيج الشعبي ولكن الخوف من انتقام الأهالي جعل الوشاة والمخبرين يبتكرون وسيلة خسيسة للتخفي فكانوا يدخلون مراكز الشرطة وقاعات المحاكم وهم يغطون رؤوسهم بأكياس الخيش المستخدمة في تعبئة الطحين أو الفرينة ومن هنا ولدت الصورة المرعبة لمخبر مجهول الوجه ملطخ بغبار الطحين الأبيض يمد إصبعه ليشير إلى بطل من أبطال المقاومة ليقوده إلى المقصلة أو المنفى.

هذا المشهد السريالي البشع هو الذي منح كلمة «طحان» شحنتها السياسية القاتلة فالتونسي بوعيه الحاد لم يفرق بين من يبيع عرضه وبين من يبيع وطنه بل رأى فيهما كائنا واحدا يفتقر إلى الرجولة والصلابة فأصبح الطحان هو الديوث السياسي الذي يسهل للمستعمر استباحة الأرض تماما كما يسهل للغريب استباحة العرض وتكرست هذه الدلالة في الذاكرة الشعبية كوصمة عار أبدية تلاحق السلالة كلها .

لم يتوقف الأمر عند حدود الاستقلال بل استمر الطحين في التدفق في عروق الدولة الناشئة خلال الصراع البورقيبي اليوسفي المرير حيث تحول الطحان إلى مؤسسة أمنية واجتماعية غير رسمية تخدم السلطة الجديدة وتتعقب المعارضين في ممرات صباط الظلام الموحشة التي شهدت أبشع أنواع الغدر بناء على وشايات هؤلاء الكائنات الذين ارتضوا أن يكونوا كلابا مخلصة لكل من يمسك بزمام القوة والحكم ليتحول الطحان إلى رمز لكل من يتزلف ويتملق ويبيع رفاقه مقابل ترقية تافهة أو حظوة عابرة عند السلطان.

السوسيولوجيا النفسية لهذا المصطلح في تونس تكشف عن رغبة جمعية في الحفاظ على حد أدنى من الكرامة عبر نبذ هؤلاء الذين سقطوا في اختبارات الشرف والوطنية
فالطحان في العرف التونسي هو الكائن المسحوق الذي فقد قدرته على الحماية والغيرة وأصبح ناعما مثل الدقيق يمكن تشكيله وفق هوى السيد .
هذا النبذ الاجتماعي يصل إلى حدود العنف اللفظي والجسدي لأن الكلمة تطعن في صميم الوجود الإنساني وتنزع عن الشخص صفة المواطنة والرجولة والسيادة على الذات .
ومن المثير للسخرية أن هذا المصطلح ظل حبيس الجغرافيا التونسية والجزائرية في دلالاته القبيحة بينما ظل في المشرق العربي لقبا لعائلات عريقة ومهنة محترمة مما يجعل التونسي حين يسافر يشعر بصدمة دلالية حين يرى لافتات تجارية تمجد الطحان الوطني بينما يرى هو في تلك الكلمة خلاصة القذارة البشرية والعمالة التاريخية التي لا تغتفر.

حتى في اللغة المعاصرة واستخدامات الشباب نجد أن فعل يفرن أو الطحين السياسي قد استمر كإرث استعماري يصف حالة النفاق التي يعيشها المتملقون على أبواب الأحزاب والسلطات المتعاقبة حيث يظل الطحين هو المادة التي تلطخ الضمائر قبل الوجوه ويظل صباط الظلام شاهدا مكانيا على غدر هؤلاء الذين باعوا رفاقهم في عتمة الليل .
ومن هنا ندرك أن الطحان ليس مجرد كلمة بل هو وثيقة تاريخية دامية تختصر كل الخيبات وكل المآسي التي عاشها هذا الشعب في مواجهة خونة الداخل الذين كانوا دائما أكثر خطورة من غزاة الخارج لأنهم يلبسون لباسنا ويأكلون خبزنا ثم يغطون وجوههم بأكياس الطحين ليقودونا إلى المذبح.

إن استعادة المعنى الشريف للكلمة في تونس هي ضرب من المستحيل لأن رحى التاريخ قد طحنت كل إمكانية للتصالح مع هذا اللفظ الذي سيظل للأبد مرادفا للخيانة والدياثة والعمالة في سجل شعب لا ينسى ندوبه ولا يغفر لمن تلطخت أيديهم بغبار الفرينة الرمادي فوق جثث الشهداء والمقاومين.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال