بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

بورقيبة 1975: مومياء على العرش وتفخيخ وطن.. هكذا ذبح المجاهد الأكبر الجمهورية في مخدعه الطبي!

2026-05-02 348 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
بورقيبة 1975: مومياء على العرش وتفخيخ وطن.. هكذا ذبح المجاهد الأكبر الجمهورية في مخدعه الطبي!
تونس لم تسقط في فخ الرئاسة مدى الحياة عام 1975 بمحض الصدفة بل سقطت في بالوعة الكهنوت السياسي الذي شيده الحبيب بورقيبة على أنقاض حلم جمهوري وئد في مهده حيث تحولت الدولة من مشروع مؤسسات إلى ضيعة خاصة يحكمها مريض يصارع الخرف وسدنة معبد يقتاتون على فتات هيبته المتآكلة.
ما حدث في ذلك العام المشؤوم لم يكن مجرد تعديل دستوري تقني بل كان إعداماً معلناً لمفهوم المواطنة وإحلالاً لشرعية الغلبة والتحنيط التاريخي محل إرادة الشعب في مسرحية سمجة أخرجها لصوص القصور ووقعها رجل كان يظن نفسه إلهاً لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه.

بدأت الحكاية بخديعة كبرى عام 1957 حين ألبسونا جبة الجمهورية فوق قميص الاستبداد ليتضح لاحقاً أن إلغاء الملكية لم يكن إلا إزاحة لمنافس ليفسح المجال لملك غير متوج يرتدي بدلة عصرية وبحلول عام 1959 كان الدستور قد كُتب بحبر التملق ليمنح الرئيس سلطات فرعونية لكن نهم بورقيبة للسلطة كان يزداد كلما تآكلت خلايا دماغه فبدأ بتصفية رفاق السلاح وتهميش المعارضة وتحويل الحزب إلى قطيع من المصفقين الذين لا يتقنون سوى طقوس الولاء الأعمى لزعيم بدأ يتماهى مع الدولة حتى ظن أن زواله هو زوال للوطن مستلهماً من خرافات التاريخ ومنطق المستبد العادل الذي لا يرى في الرعية سوى قصّر يحتاجون لوصايته الأبدية.

الملف الطبي لبورقيبة هو الفضيحة الكبرى التي طُمرت تحت سجاد القصر حيث كانت تونس تُحكم من صيدلية سياسية تديرها أيادٍ خفية فبينما كان الشعب يهتف للمجاهد الأكبر كان الزعيم يتلقى الصدمات الكهربائية لانتشاله من نوبات الاكتئاب الحاد ويغرق في دهاليز الأرق والخرف المبكر الذي جعل مصير أمة بأكملها رهناً بلحظات صحو عابرة أو جرعة دواء مدروسة.
كانت الرئاسة مدى الحياة هي الغطاء القانوني لعجز بيولوجي حيث أرادت الحاشية تأبيد مصالحها عبر تأبيد جثة سياسية تتحرك بجهاز تحكم عن بعد فكان الدكتور عمر الشاذلي وغيره شهوداً على مأساة حاكم يسأل عن اسم وزير خارجيته وهو في قمة السلطة وحالة من الهذيان الجماعي أصابت النخبة التي كانت تدرك أن الربان قد فقد البوصلة لكنها فضلت البقاء في سفينة غارقة على مواجهة الحقيقة العارية.
وفي كواليس هذا الانهيار كانت حرب الضرائر والمكائد النسائية تطحن ما تبقى من وقار الدولة فبين مخالب وسيلة بن عمار التي كانت تلعب دور صانعة الملوك وطموح سعيدة ساسي التي كانت تحرس أبواب الخرف البورقيبي تم تمزيق الدولة إلى أجنحة وصراعات دموية وانتهى الأمر بتصفية وسيلة ونفيها ليفسح المجال لبروز الوحوش الأمنية التي ربتها الحاشية في أقبية الداخلية وعلى رأسهم زين العابدين بن علي الذي كان يراقب احتضار النظام لينقض عليه في اللحظة المناسبة.
لم يكن الخارج بعيداً عن هذا العفن فالمخابرات المركزية الأمريكية كانت تحصي أنفاس بورقيبة وتراقب ثلاجة أدويته بينما كان معمر القذافي يتربص بالحدود بعد طعنة بيان جربة فجاء قرار التأبيد عام 1975 كدرع من ورق لمواجهة الأطماع الليبية ورسالة طمأنة للقوى الدولية بأن الاستبداد المستقر أفضل من الفوضى الديمقراطية.
اشترى النظام صمت الشعب في السبعينات بفتات الطفرة النفطية والفسفاط موهماً الجميع ببحبوحة اقتصادية وهمية كانت تخفي تحتها ديوناً متراكمة وقمعاً وحشياً طال كل من تجرأ على قول لا فكانت أحداث الخميس الأسود عام
1978 هي المعمودية الدموية لنظام الرئاسة الأبدية حيث سقط مئات التونسيين برصاص جيش وطني استُخدم لحماية كرسي رجل مريض وتلتها انتفاضة الخبز التي كشفت زيف المعجزة الاقتصادية وعرّت وجه النظام القبيح الذي لم يعد يملك سوى السجون والمنافي لمواجهة شعبه.

إن إرث عام 1975 هو الذي حوّل تونس إلى مخفر كبير وجعل من الانقلاب الطبي عام 1987 ضرورة حتمية لإنقاذ النظام من نفسه لكنه لم يكن سوى استبدال مستبد عجوز بمستبد شاب تخرج من مدرسة القمع ذاتها.
لقد دفعنا ثمن تلك الخطيئة عقوداً من التصحر السياسي والخراب المؤسساتي وما زلنا حتى اليوم ننازع آثار ذلك الزلزال الذي حطم فكرة الجمهورية وحولها إلى مسرح للرجل الواحد الذي لا يموت إلا ليترك خلفه بلداً ممزقاً يبحث عن هويته بين ركام الزعامة الزائفة وجراح القمع التي لا تندمل.

إن قراءة تاريخ 1975 تكشف لنا أننا لم نكن محكومين برجل بل بأسطورة مشوهة وتواطؤ جماعي على تزوير الإرادة الوطنية وهو ما جعل الدولة التونسية هيكلاً هشاً ينهار عند أول اختبار حقيقي للحرية لأن البناء الذي قام على تقديس الفرد وتأليه الحاكم لا يمكن أن ينتج إلا الخراب والتبعية والارتهان لآلة أمنية لا تفرق بين الوطن والكرسي.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال