ليست النهضة قرارًا يُعلن، ولا بيانًا يُصاغ، بل هي لحظةُ تَخلُّقٍ عميقة في ضمير أمة، لحظةٌ يلتقي فيها المعنى بالإنسان، وتتحول فيها الفكرة من مجرد تصور إلى قدرٍ تاريخي. ومن هنا، فإن السؤال عن المشروع النهضوي السني الإسلامي—أهو في حاجة إلى أفكار أم إلى رجال—ليس سؤالًا ثانويًا، بل هو في صميم الإشكال: كيف تُبنى النهضة؟ وبماذا تبدأ؟ وبمن تستمر؟
لقد عاشت هذه الأمة طويلًا على فائضٍ من النصوص، وقحطٍ في التنزيل. امتلأت خزائنها بالأفكار، لكنها افتقرت إلى القدرة على تحويل هذه الأفكار إلى واقعٍ حي. وحين ظهر رجال، ظهروا في كثير من الأحيان بلا مشروعٍ جامع، أو بحماسةٍ تفوق وعيهم، فاستُنزفوا في معارك جزئية، أو تحوّلوا—دون قصد—إلى أدوات في صراعاتٍ لا تصنع نهضة.
هنا يتكشف المأزق: ليس العجز في الفكرة وحدها، ولا في الرجل وحده، بل في القطيعة بينهما. فالفكرة حين تنفصل عن حاملها، تتحول إلى خطابٍ مُعلّق في الفراغ؛ والرجل حين ينفصل عن فكرةٍ تُؤطّره، يتحول إلى طاقةٍ بلا بوصلة. وبين الخطاب المُعلّق والطاقة العمياء، تضيع النهضة.
إن الفكرة النهضوية ليست ترفًا ذهنيًا، بل هي وعيٌ مركّب: وعيٌ بالنص في أصالته، وبالواقع في تعقيده، وبالتاريخ في مساره. هي ليست استعادةً حرفية للماضي، ولا قطيعةً جذرية معه، بل هي قدرةٌ على استنطاقه، على استخراج روحه لا شكله، ثم إعادة صياغته في سياقٍ جديد. الفكرة، بهذا المعنى، ليست ما نعرفه، بل ما نُعيد اكتشافه في ضوء حاجاتنا.
لكن الفكرة، مهما بلغت من العمق، تبقى عاجزةً إن لم تجد من يُجسّدها. فالتاريخ لا يتحرك بالأفكار المجردة، بل بالإنسان الذي يُؤمن بها إلى حد أن يجعلها جزءًا من كيانه. هنا يولد "الرجل النهضوي": ليس بوصفه فردًا استثنائيًا، بل بوصفه تجسيدًا لوعيٍ متراكم، ونتاجًا لتربيةٍ طويلة.
الرجل النهضوي ليس خطيبًا يُجيد إثارة الحماسة، ولا ناشطًا يُكثر الحركة؛ بل هو كائنٌ مُركّب: عقلٌ يفهم، وقلبٌ يلتزم، وإرادةٌ تصبر. هو الذي يرى الواقع كما هو، لا كما يتمنى، لكنه لا يستسلم له. يُدرك حدود الممكن، لكنه لا يُسَلّم بها. يعيش التوتر بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، ويجعل من هذا التوتر طاقةً للفعل.
وهنا، تتجلى العلاقة الجدلية بين الفكرة والرجل: الفكرة تُنتج الرجل، والرجل يُعيد إنتاج الفكرة في الواقع. ليست علاقةَ تبعية، بل علاقةَ تفاعل. فالفكرة تُنقّي الرجل من العشوائية، والرجل يُنقّي الفكرة من التجريد. وكلما تعمّق هذا التفاعل، اقترب المشروع من النضج.
غير أن هذا التفاعل لا يحدث في فراغ، بل في سياقٍ مليء بالتحديات، أبرزها ما يمكن تسميته بـ"قوى الارتداد": تلك القوى التي لا تعيش فقط على إعاقة التقدم، بل على إعادة إنتاج التخلف في صيغٍ جديدة. هذه القوى ليست دائمًا واضحة المعالم؛ قد تكون في بنى سياسية، أو في ثقافةٍ جامدة، أو في مصالحٍ تخشى التغيير.
مواجهة هذه القوى تتطلب صلابةً لا تَليّن فيها. صلابةً في الرؤية، لا في الانفعال؛ في المبدأ، لا في الأسلوب. لأن التنازل هنا ليس مرونة، بل فقدان للاتجاه. ومن لا يملك شجاعة المواجهة، لن يملك حق التغيير.
لكن النهضة ليست حربًا دائمة، ولا صراعًا بلا نهاية. إنها أيضًا عملية بناء، والبناء يحتاج إلى مجتمع. والمجتمع—بكل تعقيداته—لا يُقاد بالقهر، بل يُستوعب بالفهم. وهنا تظهر الحاجة إلى بُعدٍ آخر في الرجل النهضوي: القدرة على الترفق بالعوام.
العوام ليسوا عائقًا أمام النهضة، بل مادتها. لكنهم ليسوا صفحةً بيضاء، بل تاريخٌ من التجارب، ومخزونٌ من المخاوف، وأنماطٌ من التفكير. ومن يتعامل معهم بلغة الفرض، يخسرهم؛ ومن يترفق بهم، يكسب ثقتهم.
الترفق هنا ليس تنازلًا عن الفكرة، بل وعيٌ بمراحل تنزيلها. هو إدراك أن التحول الاجتماعي لا يحدث دفعةً واحدة، بل عبر تراكمٍ بطيء. هو صبرٌ على الفهم، لا تراجعٌ عن المبدأ. وهكذا، يصبح الرجل النهضوي قادرًا على الجمع بين ما يبدو متناقضًا: صلابةٌ أمام قوى الارتداد، ومرونةٌ في التعامل مع المجتمع.
غير أن هذا التوازن دقيق، وأي اختلال فيه قد يكون قاتلًا. فالإفراط في الصلابة قد يحوّل المشروع إلى سلطةٍ قاهرة، تُعيد إنتاج ما ثارت عليه. والإفراط في المرونة قد يُفرغه من مضمونه، فيتحول إلى خطابٍ توفيقي لا يُغيّر شيئًا. والنهضة الحقيقية هي التي تمشي على هذا الخيط الرفيع دون أن تسقط.
من هنا، فإن السؤال عن الحاجة إلى أفكار أو رجال، يُستبدل بسؤالٍ أعمق: كيف نُنتج إنسانًا يحمل الفكرة، ويُحسن تنزيلها؟ كيف نُربي جيلًا لا يرى في الدين مجرد تراث، ولا في الواقع قدرًا، بل يرى فيهما معًا مجالًا للفعل؟
إن المشروع النهضوي السني، إن أراد أن يتجاوز أزمته، فهو في حاجة إلى ما هو أبعد من المبادرات الفردية أو الحماسات العابرة. هو في حاجة إلى "بنية": إلى مدرسةٍ تُفكّر، وتُربّي، وتُجرّب. مدرسة تُعيد وصل العلم بالعمل، والفهم بالفعل، وتُنتج رجالًا لا يكتفون بحمل الشعارات، بل يصنعون الواقع.
هذه المدرسة لا تُخرّج نسخًا مكررة، بل تُنتج وعيًا قادرًا على التكيّف دون أن يفقد هويته. تُعلّم كيف نقرأ النص دون أن نجمد عليه، وكيف نفهم الواقع دون أن نذوب فيه. تُدرّب على الصبر، لأن النهضة ليست لحظة انتصار، بل مسار ابتلاء.
والتاريخ يُخبرنا أن المشاريع لا تسقط حين تُحارب فقط، بل حين تفرغ من داخلها. حين تفقد الفكرة روحها، أو يفقد الرجل صدقه. وحينها، لا تنفع كثرة الأتباع، ولا صخب الخطاب. لأن ما يُحرّك التاريخ ليس العدد، بل النوع؛ ليس الضجيج، بل المعنى.
في النهاية، يمكن القول إن المشروع النهضوي السني الإسلامي لا يقوم بالفكرة وحدها، ولا بالرجل وحده، بل بهذا التوتر الخلّاق بينهما. فحين تلتقي الفكرة العميقة بالرجل الصادق، يتحول الحلم إلى طريق، والطريق إلى تاريخ.
وبين صلابةٍ تُواجه قوى الارتداد، ومرونةٍ تحتضن المجتمع، يتحدد مصير هذا المشروع: إما أن يكون فعلًا نهضويًا يعيد للأمة وعيها بذاتها، أو يتحول—كما تحولت مشاريع كثيرة قبله—إلى خطابٍ آخر يُضاف إلى أرشيف الخيبات.
إنها ليست معركة اختيار بين الفكرة والرجل، بل معركة جمع بينهما. ومن لم يُحسن هذا الجمع، سيبقى يدور في حلقة السؤال، دون أن يدخل أفق الجواب
المشروع النهضوي السني: بين الفكرة والرجل… جدل التكوين والتنزيل
2026-04-28
92 قراءة
مقالات فكر
حسام سعايدية
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال