ليست الثورة حدثًا يُقاس بما سقط فيه من رؤوس أو بما تبدّل من حكومات، بل بما انكشف فيه من حقائق. إنها لحظة يُعاد فيها تعريف الصراع: من نحن؟ وما الذي يُراد لنا أن نكون؟ وحين نسأل عن نجاح الثورة التونسية، فإننا لا نفتش في الأرقام، بل في هذا التحول العميق الذي مسّ علاقة الإنسان بإيمانه، وعلاقة الإيمان بحركته في العالم.
قبل الثورة، كان الصراع مُقنّعًا. لم يكن موجّهًا صراحةً ضد الدين، بل ضد روحه. كان النظام يقبل بالإسلام ما دام طقسًا، ويخافه حين يصبح وعيًا. يسمح بالصلاة، ويضيق باليقظة. يفتح المساجد، ويغلق الأسئلة. لم يكن يريد أن يمنع الناس من الإيمان، بل أن يحدد لهم كيف يؤمنون، وأين يتوقف إيمانهم. وهكذا تحولت العلاقة بين الإنسان وربه إلى علاقة مُدارة، مُراقبة، منزوع منها بعدها التحرري.
كان المطلوب هو إنتاج إنسانٍ يؤمن دون أن يتحرك، يعبد دون أن يُغيّر، ينجو بنفسه ويترك العالم كما هو. دينٌ يُهدّئ، لا دينٌ يُقلق. دينٌ يُسكّن الألم، لا دينٌ يكشف أسبابه. وهنا كانت المعركة الحقيقية: كيف يُفصل الإيمان عن الفعل، وكيف يُختزل الإسلام في تجربة فردية صامتة.
ثم جاءت الثورة. لا لتُنهي هذه المعركة، بل لتُسقط أقنعتها. سقط الخوف، وانفتح المجال، فعاد الدين إلى طبيعته الأولى: فكرةٌ تبحث عن جسد، وقيمةٌ تطلب واقعًا. لم يعد الإيمان حبيس الصدور، بل خرج إلى الشارع، إلى النقاش، إلى الفعل. وهنا حدث التحول الحاسم: لم يعد السؤال هل يحق للإنسان أن يؤمن، بل هل يحق لإيمانه أن يتحرك؟
في هذه اللحظة، وُلدت ثنائية مُربكة: "الإسلام" في مقابل "الإسلام الحركي". وكأن هناك إسلامًا أصيلًا ساكنًا، وآخر طارئًا متحركًا. لكن هذه الثنائية، في جوهرها، تُخفي التباسًا عميقًا. فالإسلام—في بنيته—ليس حالة سكون، بل طاقة حركة. ليس تأملًا مجردًا، بل دعوة إلى الفعل. إن المؤمن، حين يُترك لإيمانه، لا يظل محايدًا؛ بل ينحاز. لا يبقى صامتًا؛ بل يشهد. لا يكتفي بالإحساس؛ بل يسعى إلى التغيير.
الحركة، إذن، ليست خروجًا عن الدين، بل امتداد له. ليست انحرافًا، بل تجلٍ. فكيف صار التعبير عن الإيمان في المجال العام مصدر قلق؟ وكيف تحولت الرغبة في ترجمة القيم إلى تهمة؟
لقد نجحت الثورة التونسية—في أحد أعمق معانيها—في نقل الصراع من مستوى إلى آخر. لم يعد ممكنًا فصل الإنسان عن دينه، فصار الجهد منصبًا على فصل الدين عن أثره. لم يعد الإيمان هو المشكلة، بل نتائجه. لم يعد السؤال: هل تؤمن؟ بل: ماذا تفعل بإيمانك؟
وهنا تظهر المفارقة: الخوف لم يكن من العقيدة، بل من الفاعلية التي تُنتجها. من لحظة يتحول فيها الإيمان إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى فعل. فالدين، حين يبقى في القلب، مقبول؛ وحين يخرج إلى العالم، يصبح موضوعًا للضبط.
لكن العودة إلى لحظة التأسيس الأولى تُبدد هذا الالتباس. فالدعوة المحمدية لم تُبنَ على الإكراه، بل على الحرية. "لا إكراه في الدين" ليست شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل قاعدة وجودية: الإيمان لا يُفرض، لأنه يفقد معناه إذا فُرض. إن الله لا يريد من الإنسان خضوعًا بلا اختيار، بل اختيارًا يُعطي للخضوع قيمته.
كان النبي يفتح الأبواب، لا ليُدخل الناس قسرًا، بل ليُزيل ما يمنعهم من الرؤية. كانت الدعوة كشفًا، لا قهرًا. ولهذا، فإن الحرية ليست هامشًا في الإسلام، بل شرطه. لا يمكن أن يكون هناك إيمان بلا حرية، كما لا يمكن أن تكون هناك حرية بلا مسؤولية.
وإذا امتد النظر إلى التاريخ، فإن ما يُسمى بالفتوحات الإسلامية يمكن قراءته—في أحد وجوهه—كفعل إزالة للحواجز التي كانت تحول دون وصول الدعوة. لم يكن الهدف فرض معتقد، بل فتح المجال أمام الاختيار. ولهذا عاشت داخل الحضارة الإسلامية جماعات متعددة الأديان، تمارس معتقداتها، وتشارك في نسيجها، دون أن تُجبر على التحول.
لكن الحرية، حين تعود بعد غياب طويل، لا تعود هادئة. تعود مثقلة بالتاريخ، مشحونة بالرغبة في التعويض. وهنا يظهر التوتر: بين مجتمع يريد أن يُعبّر، ونُخب تخشى من هذا التعبير حين يتخذ شكلًا دينيًا. بين إيمانٍ يسعى إلى الحضور، وخوفٍ من هذا الحضور.
لقد كشفت الثورة أن المشكلة لم تكن فقط في غياب الحرية، بل في القلق منها حين تحضر. فالحرية ليست مجرد رفع القيود، بل اختبارٌ لقدرتنا على العيش مع الاختلاف. وحين يدخل الدين إلى المجال العام، يصبح السؤال جماعيًا: كيف ننظم هذا الحضور؟ كيف نمنع تحوله إلى إكراه جديد؟ وكيف نحفظ له في الوقت نفسه حقه في التعبير؟
إن الخطر ليس في أن يتحرك الدين، بل في أن يحتكره أحد. كما أن المشكلة ليست في الإيمان حين يظهر، بل حين يدّعي أنه الحقيقة الوحيدة. فكما أن الدولة حين تحتكر الدين تُفرغه من روحه، كذلك أي تيار حين يحتكر تفسيره يُهدد الحرية التي يقوم عليها.
وهنا يتجلى وجه آخر لنجاح الثورة: لقد كسرت احتكار المعنى. لم يعد تعريف الدين حكرًا على سلطة، ولم يعد حضوره محصورًا في زاوية. أصبح المجال مفتوحًا: للنقاش، للاختلاف، للصراع أحيانًا. وهذا ليس خللًا، بل علامة حياة. فالمجتمع الذي يناقش هو مجتمع يتحرك، والمجتمع الذي يتحرك هو مجتمع يبحث عن نفسه.
الثورة، في هذا المعنى، لم تُقدّم إجابات نهائية، بل أعادت الأسئلة إلى أصحابها. لم تقل للإنسان كيف يؤمن، بل أعطته الحق أن يسأل. ولم تفرض شكلًا للحضور الديني، بل فتحت المجال لتعدد أشكاله. وهذا—رغم ما يحمله من ارتباك—هو الشرط الأول لأي نهوض حقيقي.
لقد أعادت الثورة العلاقة بين الإنسان وربه إلى أصلها: علاقة اختيار، لا وصاية. وأعادت العلاقة بين الإيمان والعالم إلى طبيعتها: علاقة تأثير، لا عزلة. وما بين الاختيار والتأثير، يولد التوتر، لكن يولد معه أيضًا الأمل.
في النهاية، نجاح الثورة التونسية ليس في أنها أنهت الصراع، بل في أنها كشفت حقيقته. لم تعد المعركة خفية بين الإنسان وربه، بل أصبحت ظاهرة حول معنى هذا الإيمان وحدود حضوره. وهذا التحول، مهما بدا مقلقًا، هو بداية الوعي.
فالتاريخ لا يتقدم حين تختفي الأسئلة، بل حين تُطرح بجرأة. والثورة—حين تكون صادقة—لا تمنحنا الطمأنينة، بل تُجبرنا على التفكير. لقد فتحت بابًا، وتركتنا أمامه: إما أن ندخل بوعي، أو نظل خائفين من الحرية التي صنعناها.
وهنا، بالضبط، يكمن نجاحها… وخطرها في آن واحد
فيما نجحت الثورة التونسية؟ من معركة على الإيمان إلى معركة على أثره
2026-04-28
84 قراءة
مقالات فكر
حسام سعايدية
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال