بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الرباجي : جدلية الجلد والمعدن في جغرافيا العطش وبناء السيادة المائية (1920-1970)

2026-04-28 93 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الرباجي : جدلية الجلد والمعدن في جغرافيا العطش وبناء السيادة المائية (1920-1970)
إن الغوص في تاريخ مهنة الرباجي في تونس خلال تلك الخمسينية الحاسمة ما بين عام عشرين وتسعمئة وألف وعام سبعين وتسعمئة وألف ليس مجرد استحضار لصورة فلكلورية لرجل يحمل الربة بل هو نبش في أركيولوجيا العطش والسيادة وتحولات العمران التي شكلت وجه تونس المعاصر.

تبدأ القصة في ذلك الزمن الذي كانت فيه تونس العاصمة تعيش تمزقاً مكانياً حاداً بين مدينتين، مدينة استعمارية أوروبية تنمو تحت ظلال الحداثة التقنية حيث تتدفق المياه في الأنابيب المعدنية لتصل إلى الشقق الفاخرة ومدينة عتيقة لا تزال وفية لنبض القرون الوسطى محتمية بأسوارها وأزقتها التي لا تسمح بمرور غير البشر والدواب.
في هذا السياق التاريخي برز الرباجي كحلقة وصل حيوية فهو الوريث الشرعي لنظام السقاية الذي أسسه الحفصيون وطوره العثمانيون حيث كانت المياه تُجلب من عيون زغوان عبر الحنايا الرومانية التي أعيد ترميمها لتصب في سبل المدينة وأسبلتها العمومية.

في عشرينيات القرن العشرين كانت مهنة الرباجي تخضع لتراتبية صارمة ونظام نقابي تقليدي يتزعمه الأمين وهو الشخص الذي يضبط إيقاع العمل ويوزع الحوم والأزقة بين السقائين لضمان عدم التصادم.
لم يكن الرباجي مجرد بائع لخدمة بل كان جزءاً من الأمن المائي للمجتمع المحلي في مواجهة إدارة الحماية الفرنسية التي كانت تعتبر توفير الماء للأحياء الوطنية مسألة ثانوية مقارنة بتجهيز الأحياء الأوروبية.
كان الرباجي في تلك الحقبة يحمل الربة المصنوعة من جلد الماعز وهي تكنولوجيا طبيعية مذهلة كانت تضمن تبريد الماء عبر التبخر المسامي مما جعل ماء القربة منافساً قوياً حتى بعد دخول الحنفيات إذ ارتبط في الذاكرة الشعبية بالبنة والبرودة الطبيعية التي تعجز عنها الوسائل الحديثة.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية ووصول الجيوش المتحاربة إلى تونس شهدت المهنة تحولاً تقنياً وتاريخياً فارقاً.
خلفت الحرب وراءها آلاف الصفائح الحديدية التي كانت تستخدم لنقل الوقود، وهنا تجلت عبقرية التكيف التونسية حيث تحول الرباجي من استخدام القربة الجلدية إلى البيدون الحديدي.
هذا الانتقال من الجلد إلى المعدن لم يكن تغيراً في المادة فحسب بل كان إعلاناً عن دخول عصر التصنيع والمخلفات الحربية في صميم الحياة اليومية.
صار الرباجي يجر عربات خشبية صغيرة محملة بتلك الصفائح ليجوب بها باب سويقة والحلفاوين وباب الأقواس في مشهد يمزج بين بؤس الحرب وإرادة الحياة.
كان البيدون يمثل زيادة في الكمية وسهولة في النقل لكنه كان يمثل أيضاً بداية القطيعة مع الجماليات التقليدية للسقاية.

في فترة الخمسينيات ومع تصاعد الحركة الوطنية والمطالبة بالاستقلال تحول الرباجي إلى رمز للصمود الشعبي.
كانت الأحياء التي ينشط فيها هي ذاتها قلاع المقاومة وكان هو الشاهد اليومي على تحركات الفلاة واجتماعات المناضلين في المقاهي الشعبية.
ومع بزوغ فجر الاستقلال في عام ستة وخمسين وتسعمئة وألف بدأت الدولة الوطنية الفتية في وضع مخططات التحديث الشاملة وكان شعار الدولة هو تعميم الخدمات الأساسية كحق من حقوق المواطنة.
كانت تلك اللحظة هي بداية العد التنازلي للمهنة حيث رأت الدولة في الرباجي مظهراً من مظاهر التخلف الذي يجب تجاوزه عبر مد الشبكات الحديثة.

بلغت الذروة الدرامية لهذه الحكاية في عام ثمانية وستين وتسعمئة وألف حين تأسست الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه لتعلن عن مأسسة قطاع المياه وخروجه من يد الأفراد والجمعيات الحرفية إلى يد الدولة البيروقراطية.

كانت تلك السنوات الفاصلة حتى عام سبعين تمثل غروب شمس الرباجي في العاصمة والمدن الكبرى.
بدأت الأنابيب الضخمة تخترق أحشاء المدينة العتيقة ووصلت الحنفيات إلى داخل الديار العربي مما جعل الحاجة إلى رجل يطرق الأبواب ويتصبب عرقاً تحت ثقل القربة تتلاشى تدريجياً.
إن تاريخ الرباجي هو في الحقيقة تاريخ الانتقال من المشاع المائي والعلاقات الإنسانية المباشرة إلى عصر الفردانية والخدمة المعلبة حيث فقدنا مع رحيله تلك الطقوس اليومية التي كانت تجعل من شرب جرعة ماء رحلة من النبع إلى اليد عبر وسيط بشري كان يسمى الرباجي والذي صار اليوم مجرد ذكرى عابرة في كتب التاريخ الاجتماعي أو لوحة منسية في ركن من أركان الذاكرة الوطنية التونسية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال