بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

النشيد الوطني التونسي: سيرة رمز بين البلاط و المقاومة

2026-04-28 127 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
النشيد الوطني التونسي: سيرة رمز بين البلاط و المقاومة
إن النشيد الوطني في عهود الدول الحديثة التي تحترم تاريخها ليس مجرد دوزنة أوتار باهتة أو رصف كلمات شعريّة تُلقى في حضرة البروتوكولات الجوفاء بل هو الوثيقة الانفعالية الكبرى التي تختزل هوية الأمة وترسم تضاريس انتمائها وتعمل كمرآة عاكسة للزلازل السياسية والاجتماعية الصادمة وفي المبتدأ التونسي لم يكن هذا النشيد يوماً نصاً محنطاً بمنأى عن أعاصير التغيير بل تحول إلى ساحة للصدام الرمزي بين أنظمة مهووسة بشرعيتها وأداة لترسيخ نفوذ الحكام أو كشط عهودهم مما يجعل من نبش تاريخه رحلة شاقة في سراديب الهوية المتقلبة والسلطة المتآكلة.
ذلك المشهد المتكرر لمسؤولين يقفون كالأصنام المتفحمة أمام العلم عاجزين عن نبس حرف واحد من كلمات النشيد لا يمثل مجرد سقطة بروتوكولية عابرة بل هو تجسيد لقطيعة معرفية وتاريخية مرعبة مع قسم الدم الذي شُيدت فوقه أركان الوطن.

لم تكن تونس عبر تاريخها المعاصر محكومة بنشيد وطني أحادي بل خضع هذا الرمز لثلاثة تحولات كبرى تعكس طبيعة الأنظمة التي تعاقبت على نهب الأرض أو بنائها بدءاً من العهد البايلي المرتهن للخارج حيث اعتمدت الدولة منذ عام 1846 ما عُرف بسلام الباي وهو مجرد مقطوعة موسيقية صماء رُتبت لتمجيد السلطة الفردية لا التراب والكرامة.
كانت تلك الألحان مصممة لتعزيز هيبة الحاكم على شاكلة ما كان يُصنع في الأستانة وعواصم الإمبراطوريات العجوز ولأن السيادة كانت تُختزل في جسد الحاكم فقد أضيفت للنشيد لاحقاً كلمات تمجد بقاء الملك طول السنين والدهر وتدعو له بالكمال والجلال كأنما استمرار الدولة مرهون بدوام عرشه وحده أما الألحان فقد تاهت في الأرشيف بين روايات عثمان الكعاك التي تنسبها للإيطالي جوزيبي فيردي وأخرى تشكك في ذلك لتظل الحقيقة ضائعة في أرشيف موسيقي يعاني من اليتم التاريخي.
ومع الانهيار المدوي للنظام الملكي وإعلان الجمهورية في لحظة فارقة بتاريخ 25 جويلية 1957 برزت الحاجة لفك الارتباط الرمزي مع عهود البايات فتم التخلص فوراً من سلام الباي واعتُمد حماة الحمى كنشيد مؤقت لمرحلة مخاض عسيرة امتدت بين 1957 و1958 ولم يكن هذا الاختيار عبثياً بل كان رضوخاً لواقع نضالي فرضه الوطنيون الذين رددوا هذا النشيد في زنازين الاستعمار وشوارع الثورة منذ الثلاثينيات كتعويذة للتحرر .
لكن دولة الاستقلال التي أرادت مأسسة كل شيء سارعت في عام 1958 لتنظيم مسابقة وطنية لاختيار نشيد دائم يقطع مع حماة الحمى الذي كان يُنظر إليه كنشيد مرحلي مرتبط بحركات التحرر أكثر من مؤسسات الدولة المستقرة وقد شهدت تلك المسابقة تهافتاً من المبدعين التونسيين حيث شارك فيها 53 شاعراً و23 موسيقياً وانتهت اللجنة التي كانت تتحرك بإيحاءات السلطة إلى اختيار نص جلال الدين النقاش ولحن صالح المهدي مدير المعهد الموسيقي آنذاك ليصدر القرار الرسمي باعتماده في 20 مارس 1958.

من الناحية البروتوكولية عُرضت الأعمال على الحبيب بورقيبة الذي وافق على الاختيار ليصبح ألا خلدي النشيد الرسمي للجمهورية الفتية وفي استعراض جماهيري بمدينة المنستير عُزفت الألحان ليفوز لحن المهدي والنقاش بالإجماع المسكوت عنه.
احتفى هذا النشيد بلحظة التأسيس وبطولات الدم الغالي لكنه حمل في أحشائه بذور نهايته السياسية المحتومة حين تضمن إشارة صريحة لشخص الزعيم في مقطع يقول نخوض اللهيب بروح الحبيب زعيم الوطن وتشير كواليس التاريخ إلى أن بورقيبة هو من فرض تعديل النص لترسيخ زعامته الكاريزمية مما جعل النشيد مرتبطاً بيولوجياً بعهده وبقائه في السلطة وحين وقع زلزال 7 نوفمبر 1987 وتولى زين العابدين بن علي الحكم إثر انقلاب طبي كان من أولى أولوياته تمزيق كل الرموز المرتبطة بسلفه ولم يكن تغيير النشيد إجراءً إدارياً بل كان محاولة يائسة لصياغة عقد اجتماعي يطوي صفحة الشخصنة البورقيبية فصدر القرار في 12 نوفمبر 1987 بعودة حماة الحمى بعد خمسة أيام فقط من التغيير في مناورة سياسية ذكية تهدف لاستعارة شرعية نضالية وتاريخية تداعب وجدان التونسيين وتوحي بالانتقال من شرعية الفرد إلى شرعية المقاومة والجندية.

لكن خلف الكلمات المهيبة لهذا النشيد تكمن رواية عابرة للحدود تربط بين الأدب المصري والنضال التونسي وتكشف عن أسرار يتجاهلها الخطاب الرسمي الصموت فالكلمات الأساسية تعود للشاعر المصري مصطفى صادق الرافعي الذي كتبها حوالي عام 1930 كجزء من مسابقة في مصر أقيمت لاحقاً في عام 1936 ولم يقع الاختيار عليها هناك حيث حلت في المرتبة الثالثة ليموت الرافعي في عام 1937 دون أن يعلم أن صرخته ستستقر في حناجر التونسيين ومن الحقائق المرة أن القصيدة الأصلية كانت تمجد التاريخ المصري بشكل فج وتم تعديل بيت شعري فيها بشكل يفتقر للفطنة ليناسب السياق التونسي حيث تم استبدال سواعد باني الهرم بالسواعد بين الأمم فبقي التشبيه صخوراً صخوراً كهذا البنا معلقاً في الفراغ بلا مرجع مادي في النص التونسي وهو ما اعتبره النقاد ضعفاً في المعنى وقسراً للكلمات لتناسب الوزن دون مراعاة للبلاغة الأصلية التي كانت ترتكز على الأهرامات الشامخة.

ولإضفاء صبغة تونسية وتجاوز الأصول المصرية تم إلحاق أبيات أبو القاسم الشابي الشهيرة حول إرادة الحياة بالنشيد وهي الإضافة التي تمت في جوان 1955 بتنسيق من المناضل المنجي سليم تزامناً مع عودة بورقيبة من المنفى لتمنح النص روحه الثورية العميقة وتجعله يتجاوز كونه مجرد قصيدة أدبية ليصبح ترنيمة وجودية ويظل لغز التلحين موضوعاً للتجاذب بين من ينسبه لأحمد خير الدين الذي وضع الألحان التي رددها الثوار في الجبال ومن يروج لأسطورة تلحين محمد عبد الوهاب الذي فكرت الحكومة بعد عام 1987 في تكليفه بإعادة التوزيع الأوركسترالي لكن الفكرة لم تخرج من الأدراج وظل لحن خير الدين هو السيد وقبل أن تصبح هذه الأناشيد نصوصاً رسمية جامدة كانت أسلحة في أيدي الفلاة الذين أنشدوا للبطولة بلهجاتهم المحلية اللاذعة وهاجموا الباي الذي باع الوطن بالتصحيح وكان ترديد نموت نموت ويحيا الوطن كافياً للزج بالأحرار في غياهب السجون خلال العهد الاستعماري.

المفارقة الكبرى تكمن في تلك الفجوة السحيقة بين القدسية الرسمية المزعومة والممارسة الواقعية الباردة فحين يقف المسؤولون كالجمادات لا تخرج من أفواههم كلمات القسم فهم يفصحون عن خيانة للذاكرة التاريخية التي صاغت هذا الوطن فالنشيد لا ينشئ الأمم بل يفضح مدى صدقها مع ذاتها واليوم يتحول حماة الحمى في بعض الأحيان من رمز للوحدة إلى مرآة تكشف عجز السياسة عن خلق فضاء مشترك وعلى عكس المنصات الرسمية الزائفة يبدو النشيد في مدارج الملاعب أكثر صدقاً وعفوية حيث يتوحد الناس تحت علم واحد ويصرخون بإحساس خام بعيداً عن حسابات الربح والخسارة فهذا الوطن المؤقت الذي يعيش لتسعين دقيقة هو المكان الوحيد الذي يتصالح فيه القول مع الفعل وحيث يشعر المواطن بتلك القشعريرة التي هي المقياس الحقيقي للمواطنة بعيداً عن تلعثم النخب الهشة وأخطائها البروتوكولية المقرفة.

إن دراسة تاريخ النشيد التونسي تكشف عن صراع محموم حول السيادة الرمزية والتحكم في الوعي الجمعي فالانتقال من تمجيد الفرد إلى تمجيد الشعب هو رحلة بحث شاقة عن توازن مفقود وسقوط الأناشيد المرتبطة بالحكام يعلمنا أن الرموز التي ترتهن للأشخاص تزول بزوالهم بينما تظل صرخات المقاومة خالدة في الوجدان وإن الجدل حول أصول الكلمات في عام 1930 أو الألحان يظل نقاشاً ثانوياً أمام الحقيقة التي تؤكد أن الشعوب هي من تمنح الأناشيد جنسيتها الحقيقية في ساحات النضال وليس في صالونات الأدب الباردة بالقاهرة .
آن الأوان لترميم العلاقة مع هذا العهد المقدس لا كأداة للمزايدة بل كقسم يربط الأجيال بتضحيات الأجداد فمن لا يشعر بالرعب المقدس وهو يردد قسم الدم لا يمكن ائتمانه على حماية الحمى وسيبقى هذا النشيد صرخة في العروق طالما بقيت هناك إرادة حياة تستجيب للقدر وطالما ظل التونسيون قادرين على تحويل الرمز إلى حقيقة يعيشونها في سلوكهم اليومي لا مجرد هواء يخرج من أفواه مفتوحة على الفراغ فالرهان الحقيقي ليس في الكلمات بل في القدرة على صياغة وطن يشبه نشيده في العظمة والكرامة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال