بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أجسادٌ مستباحة وعقولٌ قلقة: جدلية الطهارة والتقنية في تونس بين مطرقة التقليد وسندان التحديث الاستعماري

2026-04-28 97 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أجسادٌ مستباحة وعقولٌ قلقة: جدلية الطهارة والتقنية في تونس بين مطرقة التقليد وسندان التحديث الاستعماري
في تلك السنوات الطويلة التي كانت تمر كأنها دهور مثقلة بالغبار والانتظار لم تكن تونس مجرد بقعة من الأرض تتجاذبها أطواء التاريخ وأطماع البعيدين بل كانت جسداً منهكاً يرتجف تحت مبضع التحولات الكبرى التي لا ترحم.
كان المرء يلمس في هواء أزقتها القديمة ذلك التداخل الغريب والجارح بين رائحة البخور العتيقة التي تخرج من زوايا جامع الزيتونة وبين رائحة الكاربوليك الباردة التي كانت تنبعث من المختبرات الاستعمارية الوافدة لتصنع مشهداً تراجيدياً يحكي قصة مجتمع كان يحاول التشبث بضفاف اليقين القديم بينما تجرفه لجة القلق الحديث.

كانت تونس في تلك الحقبة مختبراً هائلاً وموجعاً حيث اصطدمت السياسة المعرفية الجافة بالممارسات اليومية البسيطة للناس وتحول مفهوم النظافة من كونه فعلاً شعائرياً غارقاً في الروحانية والبحث عن وجه الله إلى سياسة تقنية تقودها الدولة بصرامة باردة.
وفي هذا الممر الضيق والموحش بين الطهارة كقيمة غيبية والصحة العمومية كإجراء إداري تشكلت ملامح الهوية التونسية وسط صراع مرير بين تقاليد تحرس ما تبقى من قيم ومدرسة حديثة تعد بالترقي لكنها تخبئ في ثناياها أدوات الهيمنة والخديعة.

عاشت الإيالة التونسية في النصف الأول من القرن التاسع عشر تحت وطأة نظام معرفي يرى الجسد والروح كلاً لا ينفصم فلم تكن النظافة مجرد وقاية من ميكروب لا يراه العيان بل كانت طهارة شرعية تفتح أبواب السماء قبل أن تنظف جلود البشر.
وهذا الربط العميق والوجداني جعل من مواجهة الأوبئة معركة لا تقف عند حدود الطب بل تتحول إلى صدام عقائدي واجتماعي يسكن في الصدور.
وحين اجتاح الطاعون البلاد في سنوات خلت مخلفاً وراءه آلاف الضحايا الذين كانوا يسقطون بصمت كأوراق الخريف ساد تفسير قدري يرى في المرض ابتلاءً يستوجب الصبر أو
عقاباً يقتضي التسليم. وفي تلك الفترة الممتدة بين 1818 و1820 شهدت تونس طاعوناً مدمراً حصد الأرواح بلا هوادة وحين حاولت السلطات إدخال نظام الكرنتينة أو الحجر الصحي في جزيرة شكلي ببحيرة تونس لم تكن المقاومة التي انفجرت نابعة من الجهل وحده كما يحلو للبعض أن يقول بل كانت دفاعاً يائساً عن رؤية للعالم ترى في الحجر فراراً من قدر الله واعتداءً سافراً على الروابط الإنسانية التي تقدس عيادة المريض وتشييع الموتى كأفعال وجدانية أخيرة.
وقد سجل المؤرخ أحمد بن أبي الضياف بمرارة وحزن ذلك الرفض الذي وصل إلى حد معارضة حرق ثياب الموتى حيث كان الناس والفقهاء يرون في التفويض للخالق السبيل الوحيد للنجاة خاصة خلال موجات الكوليرا التي عادت لتهز أركان البلاد بين 1850 و1856.

ومع وصول أحمد باي إلى سدة الحكم في الفترة بين 1837 و1855بدأت تظهر في الأفق ملامح الانبهار بالنموذج الغربي ذلك الانبهار الذي يخالطه الخوف.
فبنيت مدرسة باردو العسكرية لتدريس العلوم الحديثة ولم يكن الهدف في بدايته حباً في العلم لذاته بل كان محاولة يائسة لحماية الجسد العسكري وتطوير القوة الدفاعية للإيالة وهي الخطوة التي وضعت اللبنات الأولى لمفهوم المؤسسة العلمية وسط ركام الطب الشعبي القائم على الكي والأعشاب والتمائم.
ثم جاءت الحماية الفرنسية في عام 1881 لتعمق هذا الشرخ في الروح والجسد فأسست معهد باستور والمستشفيات الحديثة ليدخل المجتمع التونسي في جدلية معقدة ومؤلمة بين الزيتونة والصادقية والمدرسة الاستعمارية.
كان التعليم هو المحور الذي دارت حوله رحى الصراع على هوية المجتمع فبينما كانت الكتاتيب التي بلغ عددها في عام 1893 حوالي 961 كتاباً تضم 15000 طفل تحاول الحفاظ على ما تبقى من الذاكرة والاستمرارية التاريخية
كان جامع الزيتونة يقف كقمة للهرم المعرفي الذي يواجه رياح التغيير العاتية.
وهنا برزت العبقرية الإصلاحية لخير الدين التونسي الذي أدرك بوعيه القلق أن مواكبة الغرب تتطلب هيكلاً جديداً يجمع بين الأصالة والحداثة فكانت الكلية الصادقية في عام 1875 هي المختبر الذي حاول جمع العلوم العصرية بالقيم الإسلامية لتصبح لاحقاً المصنع الذي صهر النخبة الوطنية القائدة لمعارك الاستقلال والكرامة.

أما الإدارة الاستعمارية فقد مارست سياسة تعليمية تتسم بالمراوغة واللعب على حبال الحاجة ففي عام 1891 كان عدد التلاميذ التونسيين في المدارس الابتدائية العمومية لا يتجاوز 2626 تلميذاً مقابل 5582 تلميذاً أوروبياً مما يكشف عن هوة سحيقة في الفرص والحياة.
وحين أطل العام 1908 بدأت سلطات الحماية في توجيه التعليم التونسي نحو الجانب المهني اليدوي رغبة منها في خنق العقول ومنع بروز جيل يطالب بحقه في الوجود السياسي .
وفي العام نفسه شهدت تونس افتتاح مدرسة لويز ريني ميي لتعليم البنات كخطوة تحمل في طياتها التحديث والقيد معاً. وبحلول عام 1931 ارتفع عدد المدارس إلى 468
مدرسة لكن التفاوت ظل صارخاً كالجرح حيث كان يدرس بها 34886 تلميذاً تونسياً مقابل 32203 تلميذاً أوروبياً رغم الفارق الهائل في عدد السكان وحجم المأساة.
ومع اقتراب الاستقلال وتحديداً في عام 1953 كانت المأساة قد بلغت ذروتها المرة إذ لم يكن يجد سوى أقل من 15% من أطفال التونسيين مكاناً في المدارس بينما كانت النسبة تصل إلى 94% لدى الأوروبيين الذين كانوا يملكون كل شيء.

كان السجل الصحي للاستعمار غامضاً ومتناقضاً كوجه مخادع فبينما كان علماء مثل شارل نيكول يحققون اكتشافات كبرى حول التيفوئيد والبروسيلوز في معهد باستور ظلت الخدمات الصحية موزعة بظلم فادح ينهش القلوب حيث نالت المدن الكبرى التي يقطنها المعمرون كل الرعاية بينما تُركت المناطق الداخلية المنسية تنهشها التراخوما والسل والملاريا.
وفي هذا المناخ الخانق ظهر الأطباء الوطنيون الذين لم يكتفوا بمداواة الأجساد المنكوبة بل وظفوا مكانتهم العلمية للنضال السياسي معتبرين أن المرض الحقيقي هو الاحتلال نفسه.
وعند بزوغ فجر الاستقلال في عام 1956 كانت تركة الأمية ثقيلة جداً تسد الأفق حيث بلغت نسبتها 84.7% فجاءت إصلاحات الحبيب بورقيبة ومحمود المسعدي عبر قانون التعليم التاريخي لعام 1958 والذي حمل الرقم 118
لتحدث قطيعة مع الماضي وامتداداً للحلم الإصلاحي القديم. فصارت إجبارية التعليم ومجانيته هي العقيدة الجديدة للدولة التي تحاول النهوض من ركام التعب ورصدت الميزانيات الضخمة لبناء المدارس في القرى والبوادي لتتراجع نسبة الأمية إلى 67.9% في عام 1966 ثم إلى حوالي 50% في عام 1984 وواصلت انخفاضها لتصل إلى 31.7% في عام 1994 وصولاً إلى 17.3% وفق تقديرات عام 2024.
هذه الأرقام والتواريخ ليست إلا سيرة الوجع والآمال للجسد التونسي في رحلته الطويلة من عهود الأوبئة والخوف إلى فجر المعرفة المستعصي وهي تؤكد أن معركة تحديث العقول وتطوير العدالة الصحية هي القضية التي لا تنتهي بمرور السنوات بل تولد من جديد مع كل أنين وكل حلم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال