بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

كيف فجّر جان دوبياس قنبلته الذرية في جمجمة العقل التونسي؟

2026-04-26 23 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
كيف فجّر جان دوبياس قنبلته الذرية في جمجمة العقل التونسي؟
نحن لا نتحدث هنا عن مجرد سبورة وطبشور أو عن معلمين يوزعون المعرفة في أقاصي الأرياف المنسية بل نحن بصدد الحديث عن عملية جراحية كبرى أجريت على دماغ الدولة التونسية الناشئة، عملية هندسة اجتماعية قاسية وممنهجة قادها العقل البارد للمستشرق التقني والفيزيائي الفرنسي جان
دوبياس بين عامي 1958 و1963.
إنها اللحظة التي انصهرت فيها إرادة التحديث الوطني المسكونة بهاجس اللحاق بالركب مع الخبرة التقنية الاستعمارية المتأخرة التي لم ترحل فعليا بل غيرت قبعتها فقط.
إصلاح 1958 لم يكن مجرد تعديل إداري للمناهج أو محاولة لتحسين جودة التعليم بل كان مشروعا سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا متكاملا استهدف صياغة الإنسان التونسي الجديد، ذلك الكائن الذي أريد له أن يولد من رماد الهياكل التقليدية التي سادت لقرون.
كان الهدف هو تفكيك العقل الزيتوني وتحويل التعليم إلى آلة إنتاجية تخضع لمعايير الكفاءة والترشيد العقلاني وهو ما يكشف عنه الغوص في وثائق دوبياس المودعة في الكراريس الفنية الأربعة أو في التقارير السرية والمراسلات الدبلوماسية في الأرشيفات الفرنسية والتونسية حيث نجد عقلية المهندس الذي لا يرى في البشر سوى مادة خام قابلة للتشكيل.
لفهم أبعاد هذا الانقلاب التربوي يجب أن نسلط الضوء على المسار المهني لهذا الرجل، جان دوبياس، الذي ولد في
عام1907 ورحل في 1978. لم يكن نكرة في تونس بل كان
يعرف أزقتها ومعاهدها جيدا فقد عمل مدرسا في معهد كارنو ذلك المعقل الفرنكوفوني ثم ارتقى ليصبح مديرا للتعليم الابتدائي في عهد الحماية.
وفي عام 1944 قدم مشروعا أوليا اقترح فيه منح اللغة العربية مكانة أكبر فيما سماه المدرسة التونسية لكن المقيم العام والجنرال شارل ماست تصديا له بشراسة معتبرين أن أي تنازل للهوية الوطنية هو طعنة في ظهر الفرنكوفونية.
هذا الرجل الذي انتقل لاحقا للعمل في مفوضية الطاقة الذرية الفرنسية لم يأت إلى تونس في 1958
بصفته تربويا تقليديا بل جاء كخبير دولي يحمل مباركة اليونسكو وتجربة إدارية فرنسية مركزية مشبعا بفكر الاتحاد العقلاني الذي يؤمن بأن العلم هو الأداة الوحيدة للرقي الاجتماعي وبضرورة تهميش الدين تماما من الفضاء العام.

عندما استدعى الحبيب بوريبة دوبياس لوضع اللمسات الأخيرة على قانون الإصلاح كان يدرك جيدا ما يفعله.
كان هناك صراع خفي ومرير داخل أروقة الحكم حول هوية المدرسة التونسية. الوزير الأمين الشابي كان يميل نحو تعريب سريع وشامل يقطع دابر الموروث الاستعماري لكن بورقيبة المسكون برهاب العزلة عن الركب العلمي الحديث أقال الشابي ليفسح المجال لمحمود المسعدي.
المسعدي الأديب الذي كان يشاطر بورقيبة ودوبياس رؤيتهم للثنائية اللغوية تبنى مشروع دوبياس كإطار فني يسمح بتنفيذ الرؤية السياسية تحت غطاء الخبرة التقنية لضمان حياديتها الظاهرية أمام الخصوم الأيديولوجيين والزيتونيين المتحفزين.
مشروع دوبياس لعام 1958 والمكون من أربعة مجلدات فنية كان يهدف إلى تعميم التعليم مع مراعاة الفقر الحاد في الموارد. وهنا بدأت الميكانيكا الهيكلية للمشروع في العمل بقسوة. تم تقليص مدة التعليم الابتدائي من 7 سنوات إلى 6 سنوات فقط. وفي السنوات الأولى تم خفض الحجم الساعي الأسبوعي من 30 ساعة إلى 15 ساعة فقط عبر ما سمي بنظام الفترتين بينما خصصت 25 ساعة للسنوات الأخيرة بدلا من 30. كانت لغة تدريس العلوم والرياضيات فرنسية موحدة ومعيارية بينما تركت العربية للإنسانيات مع الحفاظ الصارم على الثنائية.
ابتكر دوبياس نظام الفترتين العبقري في برودته حيث يتم تقسيم التلاميذ إلى فوجين أ وب لاستغلال القاعة الواحدة والمعلم الواحد لتدريس ضعف العدد.
كانت هذه الخطوة ضرورية تقنيا لامتصاص الزيادة الهائلة في أعداد المسجلين التي بلغت أكثر من 52 ألف تلميذ جديد في عام واحد 1957-1958.
ضحى دوبياس بساعات الدراسة الفعلية للتلميذ مقابل تجنب استثناء آلاف الأطفال محولا المدرسة إلى معمل يعمل بنظام المناوبة.
واجه المشروع تحديا ديموغرافيا ومهنيا زلزل الأركان وهو استقالة وهجرة حوالي 1500 معلم فرنسي دفعة واحدة بعد الاستقلال. ولردم هذا الفراغ لجأت الإدارة بتوجيه من دوبياس إلى توظيف مراقبين من الشباب التونسي الذين افتقروا للتكوين البيداغوجي الكافي وتم دمجهم في مدارس ترشيح المعلمين المنشأة على النمط الفرنسي لتسريع التونسة دون المساس بالمعايير الفنية.
كانت مسألة لغة التدريس هي حجر الزاوية حيث دافع دوبياس بقوة عن الحفاظ على اللغة الفرنسية كنافذة وحيدة على الحداثة ولتدريس العلوم والرياضيات.
تقرر تدريس الفرنسية ابتداء من السنة الثالثة ابتدائي بواقع 10ساعات أسبوعيا وهو رقم ضخم يهدف لضمان بقاء النخبة مرتبطة بالكليات العلمية الناشئة في تونس أو في فرنسا.
كان هذا الخيار خلقا لتعدد لغوي وظيفي مشوه أصبحت فيه العربية لغة الوجدان والهوية والتاريخ بينما كانت الفرنسية هي لغة العقل والحساب والفعل التقني.
هذا الانشطار اللغوي كان مقصودا تماما فالتحديث في نظر دوبياس يقتضي تبني أدوات الحداثة الغربية مع الحفاظ على قشرة هوياتية وطنية لتفادي الانفجارات الاجتماعية.

إصلاح 1958 لم يكن محايدا طبقيا أو جندريا بل كان يستهدف تدمير الجدار التعليمي الذي فصل بين الحواضر والريف وبين الذكور والإناث.
شدد دوبياس على ضرورة دمج الفتيات في المنظومة لا من منظور حقوقي رومانسي بل من منظور تنموي بارد معتبرا أن تخلف نصف المجتمع هو إهدار للطاقة البشرية الوطنية.
شجع الإصلاح على إنشاء فصول مختلطة وتعميم التعليم التقني للفتيات مما شكل ثورة أنثروبولوجية في مجتمع متمسك بالفصل بين الجنسين.
أما على مستوى الطبقية المكانية فقد حاول الإصلاح معالجة الفوارق الحادة حيث كانت نسبة التمدرس الابتدائي في تونس العاصمة تصل إلى 42 بالمئة وفي بنزرت وقابس إلى30بالمئة بينما كانت تهبط في باجة والقيروان إلى 13 بالمئة فقط.
وبالرغم من توجيه الاستثمارات نحو المناطق الداخلية إلا أن الاستمرارية الكولونيالية ظلت فاعلة فالمناطق التي عرفت المدارس الفرنسية في الثلاثينيات كانت الأكثر استجابة بينما واجه المشروع مقاومة صامتة في القيروان وباجة.
في البحث عن الأوراق المفقودة لمشروع دوبياس نجد إشارات في مذكرات محمد مزالي عن اختفاء وثائق ومراسلات هامة من مكاتب الوزارة الأولى تتعلق بكواليس صياغة هذا الإصلاح. مراسلات أرشيف لاكورنوف بفرنسا تشير إلى أن دوبياس كان جسرا ثقافيا يحرص على أن تظل الشهادات التونسية معادلة للفرنسية لضمان بقاء النخبة في المدار الثقافي الفرنسي وهو ما نسميه التبعية البنيوية.
وثائق اليونسكو بين عامي 1949 و1951 تكشف أن دوبياس كان جزءا من فريق دولي يدرس التعليم الإلزامي مما يعني أن إصلاح 1958 لم يكن صدفة وطنية بل كان تطبيقا مخبريا لنظريات الدولة المربية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية.
استغل بوريبة مكانة دوبياس الدولية ليضفي شرعية عالمية على مشروعه التحديثي في مواجهة القوى التقليدية.
كان الهدف غير المعلن لدوبياس والمسعدي هو تجفيف منابع التعليم الزيتوني.
اعتبر دوبياس أن المنهج القائم على الحفظ يتناقض مع العقلانية العلمية فتم دمج الزيتونة تدريجيا في المنظومة الوطنية مما أدى لاضمحلال نفوذ المشايخ.
تحولت سلطة المعرفة من الشيخ الذي يستمدها من النص الديني إلى المعلم المدني المرجع الأخلاقي الجديد.
دعم هذا التحول بميزانية ضخمة بلغت 32 بالمئة من ميزانية الدولة في عام 1967 وهو رقم يعكس الإيمان بأن المدرسة هي المصنع الوحيد لإنتاج المواطن الصالح.
كما ركز دوبياس الفيزيائي الذي يحتقر التنظير البحت على الأشغال اليدوية والتعليم التقني في المعاهد الثانوية.
أدخل الأقسام التقنية في الليسيات لا كمسارات للطلاب الضعفاء بل كمسارات نخبوية لتخريج مهندسي المستقبل محاولا تغيير النظرة الاجتماعية التي تزدري العمل اليدوي وهو توجه يعكس عمله السابق في مفوضية الطاقة الذرية وإيمانه بأن التكنولوجيا هي مفتاح السيادة.

مشروع جان دوبياس هو حالة فريدة من الهندسة الاجتماعية التي حققت قفزة كمية هائلة لكنها تركت جروحا هوياتية غائرة. لم يكن مستشارا فحسب بل كان المهندس الأول الذي وضع القواعد الصارمة للمدرسة التونسية لثلاثة عقود.
إرثه يتلخص في المركزية الصارمة التي استنسخت النموذج الفرنسي لتسهيل سيطرة الدولة على العقول وفي الثنائية اللغوية القسرية التي خلقت جيلا يتكلم بالعربية ويفكر بالفرنسية مما أحدث فجوة بين النخبة والقاعدة.
تهميش الدراسات الدينية لصالح العقلانية التقنية وفر الكفاءات لبناء الدولة لكنه أضعف المناعة الثقافية.
وثائق 1958 المعلنة منها والمكتومة تظل شهادة على مرحلة كان فيها التعليم هو الميدان الحقيقي لمعركة السيادة حيث امتزج العلم الاستعماري بالطموح الوطني لينسجا هوية تربوية معقدة.
الأبحاث الأرشيفية تثبت أن الفعالية التقنية لدوبياس أنقذت المنظومة من الانهيار تحت ضغط الانفجار الديموغرافي لكنها رسمت أيضا حدود التبعية الثقافية التي لا تزال تثير الجدل حتى يومنا هذا وكيف يمكن لخطة فنية أن تعيد رسم خارطة شعب بأكمله في غفلة من الزمن.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال