بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

هلال الفرشيشي: سيمياء الرصاص وفلسفة الهامش في مواجهة المركزية الاستعمارية.. قراءة في تشريح المقاومة المسلحة وسوسيولوجيا الذاكرة المنسية

2026-04-25 26 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
هلال الفرشيشي: سيمياء الرصاص وفلسفة الهامش في مواجهة المركزية الاستعمارية.. قراءة في تشريح المقاومة المسلحة وسوسيولوجيا الذاكرة المنسية
إنَّ الغوصَ في سيرةِ الشهيد هلال الفرشيشي ليس مجرد استعادةٍ لحدثٍ جنائزي أو احتفاءٍ ببطولةٍ فردية معزولة بل هو تشريحٌ بنيوي لزمنِ الجمر الذي صهرَ كينونةَ الدولة التونسية الحديثة في أتونِ الرصاص.
نحنُ هنا لا نتحدثُ عن مقاتلٍ حملَ بندقيةً في لحظةِ غضب بل نتحدثُ عن انزياحٍ جيوسياسي واجتماعي نقلَ الثقلَ النضالي من صالوناتِ تونس العاصمة ومكاتبِ المحامين المنمقين إلى وعورةِ الجبال وخشونةِ الأكفّ التي شققتها الفؤوس قبل أن تصقلها الزناد.
كان عام 1952 هو اللحظة التي أدرك فيها العقلُ الشعبي التونسي أنَّ مذكرات الاحتجاج الورقية التي تُرفعُ إلى المقيم العام الفرنسي ليست سوى صكوكِ استسلامٍ مؤجلة وأنَّ لغةَ
الدبلوماسية قد فقدت عذريتها أمام غطرسةِ مذكرة 15
ديسمبر 1951 التي أرادت تكبيلَ البلاد في قفصِ السيادة المزدوجة.
في هذا المناخ المشحون برائحةِ الغدر الاستعماري انبعثت ظاهرةُ الفلاة كإعصارٍ سوسيولوجي جارف وكان هلال الفرشيشي هو عينُ ذلك الإعصار في جغرافيا الشمال التي كانت تُعتبرُ الحديقةَ الخلفية والآمنة للمستعمر.

إنَّ تتبعَ المسارِ العسكري لهلال الفرشيشي يفرضُ علينا فكَّ الشفرة القبلية والجهوية التي ميزت المقاومة المسلحة.
هو ابنُ فوسانة سليلُ قبيلة الفراشيش التي لم تنحنِ يوماً لغازٍ، تلك القبيلة التي كانت تشكلُ العمودَ الفقري للتمرد في السباسب التونسية منذ انتفاضات القرن التاسع عشر.
هذا الانتقال المكاني من الصرين إلى أقصى الشمال وتحديداً إلى تخوم بنزرت وماطر لم يكن هجرةً عشوائية بل كان عمليةً لتصدير الثورة من مناطق العمق المتمرد إلى مناطق القلب الاقتصادي والعسكري للاحتلال.
الشمال في تلك الفترة لم يكن مجرد أرضٍ زراعية بل كان يمثلُ العصبَ الحيوي للإمبراطورية الفرنسية في المتوسط حيثُ القاعدة البحرية في فيريفيل التي كانت بمثابة ثكنةٍ عظمى ترقدُ على صدرِ السيادة التونسية.
هلال الفرشيشي بوعيهِ الفطري وتكتيكاته الميدانية أدرك أنَّ ضربَ المعمر في ضيعته وضربَ الجندي في ثكنته بالشمال هو الذي سيجبر باريس على إعادةِ حساباتها خصوصاً وهي تعاني من نزيفٍ حاد في أدغالِ الهند الصينية وهزائم مذلة في ديان بيان فو.
كان الفرشيشي يمارس ما يمكنُ تسميته بهندسة الرعب في صفوف العدو. تسميته بالقناص لم تأتِ من فراغ بل كانت اعترافاً تقنياً ببراعته في تحويلِ الرصاصة الواحدة إلى رسالةٍ سياسية وميدانية حاسمة.
في حروبِ العصابات، الرصاصة هي عملةٌ نادرة والقنص هو فنُّ الاقتصاد في الدمِ والذخيرة.
كان هلال يختار أهدافه بعناية جراح ،يستهدفُ الضباط، يشلُّ حركةَ القوافل، ويختفي في تضاريس جبل إشكل كأنه جزءٌ من الصخرِ أو غبارُ الأرض.
هذا الاختفاء والتخفي لم يكن مجرد تكتيكٍ دفاعي بل كان تجسيداً لالتحامِ المقاتل بالحاضنة الشعبية.
المقاومُ في رؤية الفرشيشي هو فلاح في النهار وفدائيٌّ في الليل، هو كائنٌ هلامي لا تستطيعُ الرادارات الاستعمارية رصدهُ لأنه ببساطة يسكنُ في وجدانِ كلِّ تونسي يمنحهُ شربةَ ماءٍ أو رغيفَ خبزٍ أو معلومةً عن تحركاتِ الفيلق الفرنسي.

معركةُ جبل إشكل في ماي 1954 كانت الذروة التي تجلت فيها عبقريةُ هذا القائد الميداني. في تلك المعركة لم تكن المواجهةُ بين جيشين بل كانت بين إرادة حافية وتكنولوجيا حربية مدججة بالطيران والمدفعية.
استطاع هلال أن يحول المرتفعات المطلة على بحيرة إشكل إلى جحيمٍ للقواتِ المظلية الفرنسية حيث استغلَّ المعرفةَ الدقيقة بالمسالك الوعرة والمغارات ليوقعَ العدو في كماشةٍ من النيران المباغتة.
هذه المعركة ومن بعدها عملية فيريفيل الجريئة خلقت حالةً من الهستيريا لدى الإدارة الاستعمارية التي بدأت تشعرُ أنَّ الأرضَ تهتزُّ تحت أقدامِ المعمرين الطليان والفرنسيين الذين كانوا يظنون أنهم ملكوا الأرضَ والعباد للأبد.
كان هلال الفرشيشي هو الكابوس الذي يقضّ مضجعَ هؤلاء المستوطنين والرمز الذي أعاد للأهالي ثقتهم في قدرتهم على انتزاع السيادة من بين مخالب المستعمر.

بيد أنَّ التراجيديا التونسية تأبى إلا أن تتوجَّ بطعمِ المرارة والخذلان.
استشهاد هلال الفرشيشي في أوت 1954 بجهة عين غلال يطرحُ تساؤلاتٍ عميقة حول سوسيولوجيا الخيانة في حركات التحرر. تلك اللحظة التي استدرجهُ فيها صديقهُ حارسُ ضيعةِ تاردي لم تكن مجرد غدرٍ فردي بل كانت انعكاساً لنجاح الاستخبارات الاستعمارية في اللعبِ على أوتارِ الحاجةِ والولاءات الممزقة.
فرنسا التي كانت تتفاوض في قرطاج بعد خطابِ منديس فرانس كانت في الوقت ذاته تصفي حساباتها مع الرؤوس المتمردة التي لا تقبلُ القسمةَ على اثنين.
حصارُ المنزل في عين جربان كان مشهداً تراجيدياً بامتياز بطلٌ واحد يواجهُ فيالقَ مدعومةً بالمدرعات يرفضُ الاستسلام ويختارُ الشهادةَ وهو يلقي بآخر قنابله اليدوية في وجهِ الحصار.
سقط هلال ولكنَّ دمهُ ظلَّ يغلي في عروقِ المقاومة التي لم تضع سلاحها إلا بعد أن انتزعت اعترافاً بالحقوق الوطنية.

المفارقةُ الموجعة تأتي في مرحلةِ ما بعد الاستقلالحيثُ تعرضت ذاكرةُ هلال الفرشيشي لعمليةِ بترٍ وتهميشٍ ضمن السردية الرسمية التي اختزلت الملحمةَ الوطنية في كاريزما الزعيم الواحد.
تمَّ حبسُ اسم الفرشيشي في زواريب حيٍّ شعبي بالعاصمة تحول بمرورِ الزمن من معقلٍ للمقاومين والنازحين من ويلاتِ الاستعمار إلى منطقةٍ معزولة تعاني من الوصمِ الاجتماعي والتهميشِ التنموي.
هذا التناقضُ بين بطولية الاسم وواقع الحيّ يمثلُ جوهرَ الأزمة في بناءِ الدولة الوطنية التي استثمرت في الرموزِ شكلياً واستبعدت جوهرَ مشروعهم في التحرر والكرامة.

إنَّ إعادةَ الاعتبار لهلال الفرشيشي اليوم هي ضرورةٌ فكرية وتاريخية لتصحيحِ مسارِ الذاكرة وللتأكيد على أنَّ استقلالَ تونس لم يكن منحةً جادت بها باريس في لحظةِ تجلٍّ دبلوماسي بل كان ثمرةً مرةً ومقدسة لدمِ القناص الذي رصَّعَ جبالَ الشمال والوسط بآياتِ الفداء.

إننا بحاجةٍ اليوم إلى قراءةِ تاريخنا بعين الذي لا يخشى مواجهةَ الدموع ولا الدماء.
سيرةُ هلال الفرشيشي تخبرنا أنَّ المقاومةَ هي فعلُ حياةٍ مستمر وأنَّ البطولاتِ الميدانية هي التي تصنعُ الهيبةَ على طاولاتِ التفاوض. رحيلهُ غدراً في تلك اللحظة الحرجة من تاريخِ تونس يظلُّ جرحاً مفتوحاً يذكرنا بأنَّ السيادةَ التي تُبنى على التضحياتِ الجسام يجبُ أن تُحرسَ بوعيٍ وطني لا يسمحُ بتكرارِ سيناريوهاتِ الخيانة أو التهميش.
سيظلُّ هلال الفرشيشي بملامحهِ الريفية السمراء وبندقيتهِ التي لا تخطئ هو الحارسُ الحقيقي لهويةِ هذه الأرض والشهيدُ الذي يطلُّ علينا من فوقِ قمم إشكل وسمامة ليقولَ لنا إنَّ الحريةَ تُؤخذُ غلاباً وإنَّ التاريخَ لا يرحمُ من ينسى أسماءَ أبطاله الحقيقيين الذين نقشوا أسماءهم بالرصاصِ قبل أن يمحوها الحبرُ الممالئ.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال