ثمة مؤشرات هامة في السياسة العراقية تنبأ عن احتمالات قادمة جديدة، ولكن ليكن معلوماً سلفاً، أن هذا لا يعني أن الغد الزاهر المزدهر على الأبواب، وأن نهاية العسرة العراقية وشيكة، فبكل صراحة مؤسفة نعتقد أن الموضوع أعقد من ذلك، وأن من هدم الهيكل العراقي فعل ذلك بطريقة فنية حاذقة، تنطوي على الكثير من المكر والدهاء والخبث، فوزعوا أركان الهيكل على المحيطات الخمس وبحار العالم ليتعسر إيجاد وسيلة لتجميع أركان الهيكل وإعادة بناء البيت، ومن جهة أخرى وضعوا في واجهة المشهد من هو مستعد أن يتنازع معك ألف عام، على قضية تافهة لا تستحق عشرة فلوس من فلوس التضخم ..! فكيف تتفاهم مع من لا يفهم من الدنيا سوى ما تحت قدميه وليس أبعد من أرنبة أنفه..! أو شقة مطلة على بحر أو خليج يمارس فيها شذوذه النفسي والمعرفي على هواه ..
إنها لمهزلة التاريخ القديم والحديث معاً، يحتار في وصفها وفك طلاسمها أبرع الفلاسفة والمؤرخون، كيف أقنع الشياطين الكبار والصغار أن يحرق أهل الدار بيتهم، وقتل وتشريد الجيل الراقي الأنيق من أبناء وطنهم، ويبيعوا أنقاضه وما تبقى منه بتراب الفلوس، بل ورهنوا حتى مستقبله، ويفعلون ذلك بسعادة وبهجة غامرة، إنها حقاً مسألة يعجز العقل البشري عن حلها، هل هناك فلسفة تنص : أن نصبح خدماً أشرف من أن نكون أسياداً في دارنا، وأن نستجدي ونشحذ أفضل من أن نلعب كما كنا دائماً نلعب دور الواهب الكريم والمانح السخي..! بطريقة واحدة فقط لا غير يمكنك التعاطي في هذا الشأن، هي أن تعتبر من هم بمواجهتك عصابيون (مصابون بلوثة عقلية)، أو معوقين، وفي كل الأحوال أنت في محنة، من بيده مقود السيارة الفاخرة البالغة التعقيد، ذات العشرات من الأزرار والمفاتيح، لاعبون صغار … صغار جداً .. بالكاد تصل أقدامهم لكوابح السيارة ومفاتيحها …. والكارثة أن يسألك أحدهم .. أي سيارة تقصد ..؟
ما هي المؤشرات والإضاءات التي تلوح أمامنا وتستحق منا أن نفكر بعمق شديد بعيداً عن التعصب والتحزب، بهدف واحد وحيد يتلخص، ب : إنقاذ أنقاض الهيكل وبقاياه .. ومنح الأمل للأجيال المقبلة ..!
لما يبلغ الحال إلى ما وصل إليه، من التعب والانحطاط، وإلى أستجداء، الدعم وبيع وتنازل عن أراض السيادة الوطنية وممتلكات، والمنفذ العراقي الوطني الوحيد، فهذا هو الحضيض، ترى هل بعده حضيض … مالعمل ؟ ..
بتقديري أن هامش المناورة يتضاءل ويضيق، والحلول تطرح نفسها، والخيارات ليست كثيرة. امام الشعب العراقي وقواه السياسية إن في الحكم أو في المعارضة الداخلية والخارجية والنظام، حكومة لا خيار لديها هي كالقائد العسكري الذي كان قد زج بالاحتياطي (استقلاله الوطني، وسيادته)، وأمسى بلا احتياطي، الحلول أمامه ليست كثيرة بل هي على الأرجح حلول إرغامية (Inevitable) لا محيص عنها، وحتى في هذه الحالة فإن الحكومة تحركت صوبها بشكل سيئ سيضاعف الأزمة ولا يساعد على حلها. فالحلول على ضيقها تتلخص بمحاولات حثيثة ينبغي أن تبذلها الحكومة بإيقاف التدهور أولاً بتقليص هامش التبعية السياسية والاقتصادية والعسكرية، وذلك ببذل المحاولات بتجنب الخيارات المكلفة التي سوف تزيد في عمق الأزمات، وتوصلها من حافة الانهيار التي هي عليه الآن إلى الانهيار الشامل فعلاً.
الحل الأوحد يتمثل بحكومة إنقاذ من تكنوقراطين، وإبعاد أجهزة الدولة عن أيدي مشعلي الحرائق، بل العمل المخلص بإطفاء تلك الحرائق، أو النقاط والبؤر الملتهبة، العراق لم يعد لقمة سائغة شهية، لأنه لم يعد فيه شيئ يؤكل، والعائدات قد استهلكت حتى للسنوات المقبلة، ومجموعة الحرافيش التي أستولت على البلد لمدة ربع قرن تقريباً، لم يكن هدفها سوى تدمير نهائي للعراق حتى لا يعود يمثل كياناً ذا شأن، أو جار يريد من العراق أن يكون (Buffer State) دولة وسادة صغيرة تحجز بين دولتين، أو دولة تتمتع باستقلال نسبي، وأميركا تريدها دولة تحت الحماية (Protectorate State)، أو دولة دول تابعة (State Vassal)، وفي جميع الأحوال هذه، فالعراق فاقد لسيادته التامة على أرضه ومقدراته، بل وحتى على أبسط شروط السيادة.
إيقاف القوانين والقرارات سيئة الصيت التي قسمت الشعب العراقي طوائفاً وقبائل وأحزاب وميليشيات، إنهاء التهميش والإيثار والأستئثار، والإقصاء والاجتثاث، قرارات قسمت المواطنين وفرقت بينهم، وأججت الصراعات، والعداوات، وأسباب النزاع، والمطلوب الآن وبأسرع ما يمكن حكومة تكنوقراط تكون أشبه هيئة أطباء لا يتدخل أحد في قراراتها الفنية والمهنية، حكومة تفعل كل ما يمكن فعله من أجل وحدة الصف العراقي، فالبلاد بحاجة حتى لجهد الطفل الرضيع، لندخل في حالة إنذار عمل وجهد لا يتوقف لأنتشال الوطن والشعب من المحنة.
وأخيراً وليس آخراً ... قبل أن يمنح الشعب التأييد والثقة لأي جهة، بصرف النظر عن الأسم والعنوان، إعلان تعهد دستوري كشرط أساسي أولي، واجب الألتزام بإعلان أسس الدستور كقانون أساسي، والشعب سوف لن يؤيد أو يساند أحداً قبل الاعلان الدستوري والقانوني، حتى يتأكد الشعب أن القادم لن يعامله معاملة الأنعام، لقد ضحى الشعب العراقي كثيراً، وتعرض العراق لأخطر محنة في تاريخه القديم والوسيط والحديث، نظام الكركوزات لم يترك شيئاً بالغ السوء لم يفعله ...! الناس تريد ما يسمى في السياسة خطاب/ بيان إعلان نوايا (declaration of intent)، لا أعتقد ان الناس سيمنحون ثقتهم لأي قيادة مهما كانت أسماءهم بدون التزام مادي متين.
هذا ما يريده الناس …. ليس لدينا وقت طويل للتأمل والتفكير ..! شعارنا الوحيد هو ..... أنقذوا العراق …
الأمس قد مضى .. الغد قد لا يأتي ... الآن ......!
شروط لابد منها للإقلاع في مرحلة المستقبل
2026-04-23
29 قراءة
مختلفات
د. ضرغام عبد الله الدباغ
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال