بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

البرلمان الآخر: كيف صنع الترجي الرياضي هوية التونسيين في وجه الاستعمار الفرنسي؟

2026-04-23 115 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
البرلمان الآخر: كيف صنع الترجي الرياضي هوية التونسيين في وجه الاستعمار الفرنسي؟
إن الحديث عن الترجي الرياضي التونسي هو بالضرورة حديث عن تشريح الجسد الوطني التونسي في لحظة انبعاثه الكبرى وهو ليس مجرد تأريخ لجمعية كروية بقدر ما هو رصد لحركة التاريخ فوق رقعة جغرافية كانت تسمى تونس تحت وطأة الحماية الفرنسية التي جثمت على صدور التونسيين منذ عام 1881 ولذلك فإن فهم مخاض التأسيس يتطلب الغوص في تلك الأزقة الضيقة لحي باب سويقة حيث كانت تلتقي أحلام النخبة الزيتونية بآمال الطبقات الشعبية المسحوقة لتصنع منهما معاً صرخة سيادة في وجه منظومة استعمارية كانت ترى في الرياضة أداة للتدجين والسيطرة الثقافية.
بدأت الحكاية في عام 1918 حين كانت الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها مخلفة وراءها وعوداً بتقرير المصير دغدغت مشاعر الشابين محمد الزواوي والهادي القلال اللذين قررا أن ينتزعا حق التونسيين في تأسيس نادٍ يحمل ملامحهم وهويتهم فاجتمعا في مقهى الترجي الذي كان يقع بين نهج الجزيرة ونهج مصطفى مبارك ومن هناك استلهموا الاسم الذي يحمل دلالة الأمل والرجاء في فجر جديد .
لم يكن المسار الإداري مفروشاً بالورود بل كان يتطلب دهاءً قانونياً للالتفاف على قانون الجمعيات الصارم لعام 1888 ولذلك استعانوا بالحقوقي محمد بن عمار الذي صاغ الوثيقة التأسيسية في شهر فيفري من عام 1918 وبسبب القيود التي كانت تفرض وجود عنصر فرنسي في رئاسة أي جمعية للحصول على التأشيرة اضطر المؤسسون لتقديم لويس مونتاسيي كواجهة قانونية وهو الذي كان يعمل كاتباً في الإدارة المركزية للحكومة التونسية لتصدر أخيراً التأشيرة الرسمية في تاريخ 15 جانفي من عام 1919 معلنة ولادة شيخ الأندية التونسية.
بمجرد الحصول على الترخيص انطلق النادي في رحلة التونسة الفعلية ففي شهر جوان من عام 1919 أزيح مونتاسيي ليتولى القاضي والفقيه محمد المالقي رئاسة النادي وهو ما منح الترجي حصانة أدبية وقانونية أمام سلطات الحماية نظراً للمكانة الرفيعة التي كان يحظى بها المالكي في سلك القضاء وفي جمعية قدماء المعهد الصادقي.

وفي تلك البدايات كان الفريق يرتدي اللونين الأبيض والأخضر في إشارة واضحة للانتماء للأرض والهوية العربية الإسلامية المرتبطة بجامع الزيتونة الذي كان يمده باللاعبين والكوادر من طلبته المتمسكين بالقيم الوطنية إلا أن التحول البصري الجوهري حدث في عام 1920 بفضل الدكتور الشاذلي زويتن الذي كان يشرف على فريق مدرسي تابع لمعهد كارنو وعندما حُل ذلك الفريق جلب زويتن أزياءه التي كانت بالأحمر والأصفر ليرتديها أبناء الترجي لتتحول تلك الألوان في الوجدان الشعبي إلى رمزية الدم والذهب دلالة على الفداء والشموخ التاريخي.
كانت مباريات الترجي في تلك الفترة تمثل البرلمان الحقيقي للتونسيين حيث تلتقي الرياضة بالسياسة بالثقافة وفي قلب باب سويقة تشكلت علاقة عضوية بين النادي وجماعة تحت السور تلك النخبة المتمردة التي ضمت أدباء وفنانين من طينة علي الدوعاجي ومحمود بيرم التونسي والهادي الجويني الذين وجدوا في الترجي تجسيداً للمقاومة بالكرة فصارت المدرجات مسرحاً لنقد الاستعمار عبر الأهازيج الساخرة والقصائد الشعبية.
مع صعود الحركة الوطنية في الثلاثينات وتحديداً في عام 1930 انخرط الحبيب بورقيبة في إدارة النادي كأمين مال ومستشار قانوني برفقة شقيقه محمد بورقيبة وبإشراف مصطفى كعك الذي ترأس النادي من عام
1926 إلى عام 1930 ليتكرس الترجي كنادٍ قومي يمثل طموحات الشعب في الاستقلال والسيادة.
ميدانياً خاض الفريق أول مباراة رسمية له في تاريخ 25 جانفي من عام 1919 ضد نادي السكك الحديدية محققاً أول انتصار في تاريخه بتشكيلة ضمت أسماء مثل الحبيب الطرابلسي وحسن بودربالة والطاهر الزواري والهادي القلال ومنجي الكعبار.
سيبقى هذا النادي وثيقة أنثروبولوجية حية تؤكد أن الشعوب العظيمة هي التي تصنع مجدها بأقدام لاعبيها وفكر مثقفيها وإرادة قادتها المخلصين.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال