بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

ملحمة الحديد والزيتون: سيرة المحراث الذي روض المستحيل وعبقرية عائلة الجموسي في هندسة الوجدان التونسي (1890-2024)

2026-04-22 506 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ملحمة الحديد والزيتون: سيرة المحراث الذي روض المستحيل وعبقرية عائلة الجموسي في هندسة الوجدان التونسي (1890-2024)
تنهض صفاقس من بين رمال السواحل كأنها طائر فينيق صنع من حديد وزيتون، مدينة لا تؤمن بالصدف بل تعبد العمل وتُقدس المادة حتى تُطوعها لتصير روحاً.
وفي قلب هذه الملحمة البشرية يبرز اسم عائلة الجموسي ليس كلقب عائلي فحسب بل كعلامة مسجلة في سجل الخلود التونسي حيث تزاوجت المطرقة مع النوتة وانصهرت عبقرية الصناعة في بوتقة الفن.
تبدأ الحكاية من نهايات القرن التاسع عشر تحديداً عام 1890 حين كانت صفاقس تغلي كمرجل من النشاط الحرفي هناك في حوانيت الحدادة العتيقة كان محمد الجموسي الأب يروض النار والحديد.
بدأ حكيماً في بيطرة الخيول، متفوقاً على أسياد المهنة القادمين من وراء البحار لكن طموحه كان يمتد أبعد من صفائح الخيل، كان يرى في تربة تونس الصلبة والجافة لغزاً يحتاج إلى مفتاح ميكانيكي لا يملكه غير ابن الأرض.

في عام 1906 ومع اتساع غابات الزيتون التي أحاطت بصفاقس كإسوار من الزمرد أدرك الجموسي أن المحراث الروماني الخشبي العتيق قد استنفد أنفاسه وأن الآلات المستوردة من أوروبا هي غريبة عن مزاج التربة المحلية.

هنا ولد محراث الجموسي، ذلك الكائن الحديدي الهجين الذي جمع بين خفة الخشب وصلابة الفولاذ المعالج حرارياً.
لم يكن مجرد أداة زراعية بل كان معادلة فيزيائية حية تعتمد على ما اصطلح على تسميته الخط الميالي.
لقد أدرك الجموسي بحدسه الهندسي الفطري أن سر الحرث لا يكمن في الشق فقط بل في زاوية الانحناء التي تضمن قلب الكتلة الترابية بزاوية مائة وثمانين درجة مما يسمح للهواء بالتغلغل في أحشاء الأرض وقتل الأعشاب الطفيلية في مهدها.
حول الجموسي المحراث إلى مبضع جراح يستخدم خشب الجبّوس الصلب لامتصاص اهتزازات الأرض ويطوع سكة الحديد بزاوية ميل دقيقة تحكمها قوانين الجيب والتمام لتخترق الأرض بأقل قوة سحب ممكنة، موفرة الجهد على الحيوان والفلاح معاً.

بلغت الأسطورة ذروتها في عام 1922حين حزم محمد الجموسي اختراعه وتوجه به إلى قلب الإمبراطورية، إلى المعرض الوطني الاستعماري بمرسيليا.
هناك، وبينما كان العالم يعرض عضلاته الصناعية وقف المحراث التونسي شامخاً لينتزع الميدالية الفضية،ط وهي لم تكن مجرد قطعة من معدن بل كانت اعترافاً كونياً بأن العقل التونسي قادر على اختراق جدار التبعية التقنية.
من تلك اللحظة تحولت ورشة الجموسي إلى ما يشبه القلعة الصناعية التي بدأت تصدر إنتاجها إلى أصقاع شمال إفريقيا والمتوسط وفي عام 1928 دخلت الميكنة الحديثة إلى المصنع لتضع معايير قياسية موحدة للإنتاج مما جعل اسم الجموسي مرادفاً للجودة العالمية.

بينما كانت المطارق تضرب الحديد في صفاقس كان هناك إبداع من نوع آخر يولد في كنف هذه العائلة.
في 12 جويلية1910، ولد محمد الجموسي الابن، الذي لم يغرِه ضجيج المصانع بقدر ما سحرته ترانيم الروح.
كان الثراء الصناعي للأب هو الجسر الذي عبر عليه الابن نحو العالمية الفنية. سافر إلى باريس في الثلاثينات وحمل معه رائحة البلاد التي كان محراث والده يشقها.
وبينما كان الأب يبتكر في فيزياء التربة كان الابن يبتكر في مقامات الموسيقى والتمثيل ليصير سفيراً لتونس في لندن وباريس والقاهرة. هي ثنائية مذهلة بين المادة والروح
الأب يطعم الأجساد بآلاته والابن يغذي الأرواح بصوته وكلاهما نبع من تلك الورشة الصفاقسية التي لا تعرف المستحيل.
جاء عام 1956 عام الاستقلال والتحولات الكبرى ورحل المؤسس تاركاً خلفه إرثاً ثقيلاً وتحدياً تكنولوجياً هائلاً مع ظهور الجرارات الميكانيكية. هنا تجلت عبقرية الجيل الثاني حيث قام الطاهر الجموسي بإعادة هندسة المحراث ليناسب قوة السحب الهائلة للمحركات مستخدماً سبائك فولاذية جديدة تتحمل الإجهادات الميكانيكية العالية.
استمرت الملحمة مع عبد العزيز والطيب وحسونة الجموسي هذا الأخير الذي ظل حتى وفاته في أوت 2018 حارساً لسر المهنة مطوعاً الآلة لتواكب تقلبات المناخ وتطور التكنولوجيا الزراعية.
صمد محراث الجموسي أمام غول العولمة والشركات العابرة للقارات في الثمانينات والتسعينات بفضل تضحيات عبد الحميد الجموسي الذي آمن بأن السيادة الوطنية تبدأ من القدرة على صنع المحراث الذي يشق أرض الوطن.

على الرغم من العواصف الإدارية والاجتماعية التي أدت إلى توقف الورشة في عام 2001 إلا أن جينات الابتكار لا تموت.
في عام 2004 نفض أنور بن الطاهر الجموسي الغبار عن الآلات القديمة ليعيد فتح الورشة بمعية ابنه مراد ليمتد المشعل إلى الجيل الخامس.
إنها قصة عائلة لم تبع تاريخها بل حولته إلى مستقبل.
محراث الجموسي اليوم ليس مجرد قطعة من التراث بل هو درس في السيادة التقنية وفي كيفية تحويل البيئة المحلية إلى مختبر للابتكار العالمي.
إنها ملحمة بدأت بشرارة في نهاية القرن التاسع عشر ولا تزال تتوهج في القرن الحادي والعشرين لتثبت أن تونس حين تزاوج بين عرق الصناعة وسحر الفن تخلق معجزات تظل محفورة في ذاكرة الأرض ووجدان التاريخ.
رحم الله محمد الجموسي الأب ذلك المهندس الفطري الذي علمنا أن الأرض لا تعطي أسرارها إلا لمن يطوع الحديد بحب وحفظ الله هذا الإرث الذي سيبقى دائماً ريحة البلاد وفخر الصناعة التونسية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال