لعلّنا أكثر أمة حديثا عن العلم وأقلها عناية به وتحصيلا له وانتفاعا بثمراته في الواقع، وفي ملحمة يوم العلم كان ينبغي ألا نقف عند طقسٍ احتفاليّ عابر، بل نستدعي مشروعا حضاريا دشّنه الإمام عبد الحميد بن باديس الذي اعتنى بتكوين الرجال أكثر من الاشتغال بتأليف الكتب لأن ذلك كان واجب الوقت، وقد كان رحمه الله يبني أكثر مما يُظهر، ويُنجز أكثر مما يُعلن، توفي منذ أكثر من ثمانين سنة لكن المشروع الذي تركه لنا ما زال متعثرا، وأخطر ما يُهدّده ليس فقر الإمكانات، بل تضييع البوصلة؛ وذلك بانصراف الطاقات إلى معارك هامشية تستنزف الوعي ولا تُنتج معرفة، ولا تتقدم بالأمة شبرا، مع أننا لا نملك ترف تبديد أعمارنا في الجدل حول مسائل "علمية" ثانوية ليست هي معيارا لنهضةٍ ولا ميزانا لرسالة، والأمم لا تُقاس بمظاهرها ولا عدد المعاهد والجامعات فيها، بل بمقدار ما تُراكمه من معرفة، وبما تُنتجه من أدوات السيطرة على المستقبل، وفي زمنٍ تتقدّم فيه التكنولوجيا تقدما عجيبا، وتُعاد صياغة العالم عبر الحوسبة ، وتُبنى السيادة على أسس التشفير، يصبح الانشغال بالأمور الخلافية – خاصة إذا كانت من الدين - ضربا من الترف العقلي الذي يعدّ منقصة في شخصية أمّة تبحث عن موقعها بين الكبار.
وها هي تجربة إيران—على ما يحيط بها من تعقيدات—فيها دلالةً لا ينبغي إغفالها؛ إذ لم تُصنَع قدرتها على الثبات في وجه الضغوط إلا بقدر ما استثمرت في العلم، وبنت قاعدة معرفية مكّنتها من تحويل التحدّي إلى طاقة صمود، والعلم في منطق الحضارة ليس شأنا أكاديميا تجريديا، بل شرطٌ من شروط البقاء، وأداة لإعادة تشكيل موازين القوة، وقد نبّه مالك بن نبي إلى أن أزمة العالم المتخلّف ليست في نقص الوسائل، بل في سوء توجيهها؛ حين يتحوّل الإنسان من فاعل حضاري إلى مستهلكٍ للرموز، يخاصم جوهر الأشياء وينشغل بأطرافها.
لقد بشر ابن باديس بجيل التحدّي والتجديد، وهو ليس جيل مظاهر متقابلة كما يفهم أصحاب التديّن الشكلي والرؤية الحرفية، بل هو جيل عقول متفوقة تدرك أن القيمة لا تُقاس بما يُرى، بل بما يُؤسّس لما يُرى، وهو بالتالي جيل يحمل زاد العلم، ويتقن لغة العصر، ويخوض معاركه في ميادين المعرفة لا في تفاصيل المظهر وجزئيات العقيدة وهوامش الحياة.
يجب التذكير مرة بعد أخرى أن جوهر يوم العلم الذي اقترن بالإمام ابن باديس ليس مجرد ذكرى تُستعاد، بل هو إعلان متجدد عن مدرسة فكرية تربوية حركية قوية جامعة رائدة، تُعيد صياغة الإنسان على أسس الدين و المعرفة والانضباط والوعي، وتوحّد الجهود حول مشروعٍ حضاري يجعل من التربية والتعليم رافعة للفعل لا زخرفا للاحتفال، فهو يوم يذكّر بأن المدرسة ليست بنايات كثيرة و لا جدرانا، ولا برامج مكثفة ضاغطة، ولا تلقينا مستمرا، ولا حشوا معتادا، بل هي عقل يُبنى، وروح تُهذّب، ومستقبل يُصنع، ولئن كانت جميع أطوار العملية التعليمية مهمة وضرورية فإن للجامعة مكانتها المركزية المتميزة، فهي ليست مجرد فضاءٍ أكاديمي، بل هي مخبر لصناعة العقول وصقل الوعي، ومصنع لإنتاج الفكر قبل إنتاج الشهادة؛ فيها تتشكّل النخب، وتتبلور الرؤى، وتُختبر القدرة على تحويل المعرفة إلى أثرٍ حضاريٍّ حيّ، فإن لم تكن الجامعة بهذه المواصفات فهي مجرد أشكال تراوح مكانها في إنتاج الأمية الفكرية.
في هذا الإطار يحتل العلم الشرعي مكانته المناسبة في المشروع الباديسي لأنه من أهم عناصر شخصية الأمة المسلمة، وله دور فاعل في صناعة الوعي وقيادة عملية التغيير والتدافع المجتمعي، لكن الواقع – مرة أخرى – على غير ما ينبغي أن يكون، فطالبُ العِلم الشرعي اليوم – كما يقول د. ثائر الحلاق، أستاذ الشريعة في جامعة دمشق – "مِن أجهل الناس بالسياسة والاقتصاد، وهما يحكمان العالم، وهو مِن أجهل الناس بأديان العالَم والمذاهب الفِكرية والفلسفية والأَعلام، يعيش عصرا ولا يُعاصِره، وعِند بعضِ الحمقَى الشريعة هي الفِقه فقط، فلا يخرج بعضُهم مِن هذه الدائرة إلا على أكتافِ الرِّجال"...بل "معظم كتب السياسة الشرعية – كما يقول د. وسام العظمة - لا قيمة لها هذا اليوم إطلاقا، فهي تعالج وضعا سياسيا مختلف تماما عن وضعنا الحالي، وأحسنها هي كتاب ابن تيمية، والكتب المعاصرة معظمها للأسف مجرد اجترار لكتب ألّفت بعصور اختلفت بها كليا بنية الدولة".
لقد هان العلم عندنا إلى درجة أن "جامعة تل ابيب الإسلامية" آتت أكلَها فأخرجت لنا نماذج مشوهة فِكريا ودينيا، هم شيوخ ودعاة يتحدثون باسم الإسلام لبث الفتنة وتشويه الدين وتفكيك المجتمعات من الداخل بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني، يُفتون صباح مساء بأن الإخوان أضل من اليهود والنصارى، وأن الشيعة أخطر على الإسلام من الصهاينة...فمتى نصحح المسار؟
عبد العزيز كحيل
.
العلم في المشروع الباديسي
2026-04-21
285 قراءة
مقالات فكر
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال