بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

صراع الهوية والغريزة: جينات التحلل السيادي وهندسة الانهيار في تونس القرن التاسع عشر

2026-04-20 269 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
صراع الهوية والغريزة: جينات التحلل السيادي وهندسة الانهيار في تونس القرن التاسع عشر
في مقابل نموذج بن عياد الهادم برز خير الدين باشا كنموذج للمصلح الذي حاول إعادة صياغة جينات الدولة التونسية لتكون مقاومة للفساد والاستعمار.
خير الدين، الشركسي الذي اشتري كعبد وتربى في قصر الباي لم ير في نفسه مجرد مملوك عابر بل رأى في تونس وطنا يستحق الإنقاذ من خلال التنظيمات والمؤسسات.
في كتابه الشهير أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك قدم خير الدين رؤية متكاملة للنهضة. لم يكن الكتاب مجرد رحلة لوصف أوروبا بل كان بيانا سياسيا يربط بين تقدم الأمم وبين جودة مؤسساتها السياسية.
انطلق خير الدين من مبدأ إسلامي أصيل وهو المصلحة المرسلة ليبرر ضرورة الاقتباس من الغرب فيما يخص التنظيمات الإدارية والسياسية.
كان خير الدين يرى أن الحرية والعدل هما المحركان الأساسيان للاقتصاد فبدون شعور المواطن بالأمان على ماله وجهده لن يتحقق العمران. وقد هاجم الاستبداد واعتبره السبب الرئيسي في انحطاط الشعوب المسلمة داعيا إلى تقييد سلطة الباي من خلال أهل الحل والعقد وتمثل ذلك في
المجلس الأكبر ودستور 1861.
حين تولى خير الدين الوزارة الكبرى بعد سقوط صهره مصطفى خزندار الذي كان شريكا لبن عياد في الفساد بدأ عملية تطهير عرقية للفساد داخل الإدارة.
كانت الدولة تعيش تحت رحمة الكومسيون مالي أو اللجنة الدولية للديون فقام خير الدين بخطوات جريئة شملت إلغاء لزامة الضرائب الجائرة وتعويضها بنظام جبائي مباشر يقلل من تدخل الوسطاء الفاسدين وإعادة هيكلة الديون حيث نجح بفضل نزاهته في تخفيض بعض الديون والاعتراف فقط بما هو حقيقي منها وتنظيم الأوقاف عبر تأسيس جمعية الأوقاف لحماية الأراضي الحبسية من نهب كبار الموظفين وتشجيع الزراعة من خلال خفض الضرائب على غراسة الزيتون وتوزيع الأراضي على صغار الفلاحين لإنعاش الريف.

أدرك خير الدين باشا أن الإصلاح السياسي لن يكتب له البقاء إذا ظل معتمدا على مماليك أجانب أو موظفين فاسدين.
كان الهدف من تأسيس المدرسة الصادقية في جانفي 1875 هو خلق إنسان تونسي جديد يجمع بين الثقافة الإسلامية العريقة والعلوم الحديثة.
لم تكن الصادقية مجرد مدرسة بل كانت مختبرا للسيادة.
كان المنهاج الذي وضعه خير الدين يهدف إلى تكوين كادر إداري قادر على فهم لغة القناصل الأوروبيين ومجاراتهم في القانون الدولي مع التمسك بالهوية العربية الإسلامية.
تضمن المنهاج العلوم الشرعية والفقه المالكي والحنفي للحفاظ على المرجعية القانونية الوطنية واللغات الحديثة كالفرنسية والإيطالية والتركية للتواصل مع العالم وكسر احتكار المماليك للترجمة والعلوم الصحيحة كالرياضيات والفيزياء والكيمياء للحاق بالركب الصناعي والتقني الغربي والتاريخ والجغرافيا الحديثة لفهم الجغرافيا السياسية للأطماع الأوروبية والقانون الإداري والسياسي لإحلال دولة القانون محل دولة المزاج.
واجهت الصادقية مقاومة شرسة من جهتين،شيوخ الزيتونة المحافظين الذين رأوا فيها تهديدا لمكانتهم التعليمية والمماليك الفاسدين الذين أدركوا أن خريجي الصادقية سيسحبون البساط من تحت أرجلهم في الإدارة.
ورغم قصر عمر تجربة خير الدين إلا أن الصادقية نجحت في تخريج أجيال الحركة الوطنية التي قادت تونس نحو الاستقلال في القرن العشرين مما يثبت أن الاستثمار في العقول هو الوحيد الذي لا يستطيع بن عياد وأمثاله سرقته.

تعتبر قصة سقوط خير الدين باشا وصعود مصطفى بن إسماعيل هي التجسيد الأنثروبولوجي للهزيمة التاريخية للعقل أمام الغرائز.
مصطفى بن إسماعيل ذاك المتشرد الذي بدأ حياته صانعا عند حلاق قبل أن يلتقطه محمد الصادق باي ويجعله وزيره الأكبر كان يمثل الردة الشاملة نحو الفساد البنيوي.
استخدم بن إسماعيل نقاط ضعف الصادق باي النفسية والجسدية للسيطرة عليه وذكرت المصادر المسكوت عنها استخدام السحر والشعوذة لإبقاء الباي تحت إرادته.
كان بن إسماعيل يمثل الوجه القبيح للفساد فقام بإقناع الباي بأن إصلاحات خير الدين والمجلس الأكبر تهدف إلى تقليص صلاحياته المطلقة وجعله مجرد موظف عند العثمانيين.
في هذه المرحلة دخل القنصل الفرنسي الجديد روستان على الخط وأدرك أن الطريق إلى احتلال تونس يمر عبر رأس بن إسماعيل.
تم التحالف بين القنصل والوزير الفاسد لإسقاط خير الدين فبينما كان خير الدين يحاول إنقاذ السيادة كان بن إسماعيل يتفاوض مع روستان على ثمن تسليم البلاد والذي قيل إنه بلغ ملايين الفرنكات.
في جويلية 1877 وتحت ضغط المضايقات والدسائس التي وصلت إلى حد وضع عسكر لمراقبة منزله ومنع الزوار عنه قدم خير الدين استقالته.
كانت هذه الاستقالة هي شهادة الوفاة للكيان التونسي المستقل.
تولى بن إسماعيل السلطة المطلقة وعادت البلاد إلى عهد النهب المنظم حيث استولى على أملاك الأيتام والأرامل وهرب ثرواته إلى فرنسا مكررا سيناريو سلفه بن عياد.

لا تكتمل مأساة هذه الحقبة دون التوقف عند قضية هنشير النفيضة وهي القضية التي كشفت كيف تحول خير الدين باشا نفسه في لحظة يأس إلى ترس غير مباشر في آلة الاستعمار.
كان هنشير النفيضة عقارا شاسعا يمتد على مساحة مائة ألف هكتار من أراضي قبائل أولاد سعيد صادرها أحمد باي ومنحها لخير الدين كتعويض عن رواتبه المتأخرة.
حين قرر خير الدين مغادرة تونس نهائيا إلى إسطنبول
سنة1878 أراد تصفية أملاكه فباع الهنشير لشركة مارسيليا للقرض الفرنسية.
أثارت هذه البيعة غضب إيطاليا وبريطانيا وحاول رجل أعمال محلي إبطالها باستخدام حق الشفعة بموجب المذهب الحنفي.
تحول النزاع القانوني إلى أزمة ديبلوماسية دولية ففرنسا رأت في القضية مسا بهيبتها الاقتصادية واستخدمتها كذريعة إضافية لغزو تونس في أفريل 1881. هنا تبرر الأنثروبولوجيا السياسية مأساة المصلح فخير الدين الذي أفنى حياته في بناء دولة القانون وجد نفسه مضطرا للتعامل مع رأس المال الاستعماري ليحمي ثروته الشخصية من نهب بن إسماعيل مما ساهم في النهاية في منح فرنسا المبرر القانوني والاقتصادي للتدخل.
محمود بن عياد لم يكن مجرد لص عابر بل كان النموذج البدئي للمسؤول الذي لا يرى في الدولة إلا غنيمة.
والدروس التي نستخلصها من هذه الجراحة التاريخية تخبرنا بعلاقة التلازم بين الفساد والتبعية فإختلاسات بن عياد هي التي خلقت العجز المالي وهذا العجز هو الذي أدى إلى الديون والديون هي التي أتت بالكومسيون مالي وهذا الأخير هو الذي سلم مفاتيح البلاد للقناصل.
السيادة تنحر أولا في دفاتر المحاسبة قبل أن تنحر في ساحات المعارك كما كشفت التجربة أزمة الولاء في الدولة المملوكية حيث كانت النخبة سواء كانت مصلحة كخير الدين أو فاسدة كبن عياد تفتقر إلى الجذور الشعبية.
خير الدين فشل لأن الشعب كان يراه أجنبيا وبن عياد نجح لأن الشعب كان خارج اللعبة أصلا.
يظل التعليم كفعل مقاومة وحيد هو الأثر الذي نجا من الانهيار فبينما تبخرت الملايين التي سرقها بن عياد في بذخ باريس بقيت عقول الصادقيين لتبني تونس الحديثة.
شرعن بن عياد عقيدة الهروب للأمام أي النهب في الداخل والتحصن بالخارج وهي عقيدة لا تزال حية في كل مسؤول يهرب أموال الشعب إلى الملاذات الضريبية ويحتمي بجنسية أخرى.
تونس اليوم وهي تقف على أبواب المؤسسات المالية الدولية لا تزال تعيش أصداء صرخة الفلاح التونسي الذي ظلمه مكيل بن عياد سنة 1850.
التاريخ التونسي في القرن التاسع عشر ليس مدونات من ورق بل هو نص مفتوح يخبرنا أن الوطن الذي لا يحمي خزائنه من لصوص الداخل لن يستطيع حماية حدوده من جيوش الخارج.
وخير الدين باشا بصدقه وفشله يبقى الشاهد الأبدي على أن الإصلاح في بيئة فاسدة هو انتحار نبالة وأن بناء الدولة يبدأ بتطهير جيناتها من فيروسات بنو عياد الذين لم يموتوا بل غيروا أسماءهم وياقاتهم ولا يزالون ينسجون الأكفان لبلاد لا تزال تحلم بالحياة.
الانهيار لم يكن قدرا جغرافيا بل كان هندسة بشرية و جينات التحلل السيادي التي زرعها بن عياد ورعاها بن إسماعيل كانت أقوى من المصل المؤسساتي الذي حاول خير الدين حقنه في جسد الدولة العليل.
الاستعمار لم يطرق الأبواب إلا بعد أن فتحت له المفاتيح من الداخل بأيدي وطنية في المولد، أجنبية في الهوى والمنزع وهو درس لا يزال يتردد صداه في كل أروقة الحكم المعاصر حيث تتشابه الوجوه وتختلف الأسماء ويبقى الوطن هو الضحية الدائمة في صراع العقل مع الغريزة والسيادة مع الغنيمة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال