بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الوجود اليهودي في تونس: مقاربة أنثروبولوجية تاريخية في ديناميات الاندماج، التمايز، وإعادة تشكيل الهوية

2026-04-14 383 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الوجود اليهودي في تونس: مقاربة أنثروبولوجية تاريخية في ديناميات الاندماج، التمايز، وإعادة تشكيل الهوية
إن محاولة تشريح الكيان السوسيولوجي والأنثروبولوجي لليهود في تونس تقتضي منا بالضرورة التخلي عن النظرة التبسيطية التي تختزل هذا الوجود في مجرد أقلية دينية عاشت على هامش التاريخ بل إننا بصدد قراءة بنية عضوية تشكلت في رحم الأرض التونسية منذ اللحظة التي قررت فيها السفن الفينيقية أن تربط ضفتي المتوسط في وحدة تجارية وحضارية كبرى.
نحن هنا أمام سردية تمتد لأكثر من ستة وعشرين قرناً حيث تلتقي الأسطورة بالواقع والتاريخ باللاهوت لتصنع ما يمكن تسميته بالاستثناء اليهودي التونسي.
هذا الوجود ليس مجرد تراكم بشري بل هو صيرورة تاريخية بدأت مع تأسيس قرطاج في القرن التاسع قبل الميلاد حين كان التاجر العبراني شريكاً للملاح الفينيقي في بناء أول إمبراطورية تجارية عالمية.
هذه الشراكة لم تكن وليدة الصدفة بل كانت تعبيراً عن تقارب لغوي وحضاري بين لغات سامية متقاربة ومصالح جيوبوليتيكية مشتركة جعلت من سواحل تونس ملاذاً آمناً لكل الهاربين من الانكسارات الكبرى في الشرق الأدنى خاصة بعد سقوط الهيكل الأول في أورشليم عام 586 قبل الميلاد على يد نبوخذ نصر البابلي. في تلك اللحظة المفصلية وصلت أولى موجات الكهنة الفارين إلى جزيرة جربة حاملين معهم بقايا من حجر الهيكل ليزرعوه في أساس ما سيعرف لاحقاً بمعبد الغريبة ليكون هذا المكان هو المرساة الروحية التي ربطت اليهودية التونسية بالأرض قبل أن تترسخ المسيحية أو يصل الإسلام بقرون طويلة.
تخبرنا الأنثروبولوجيا التاريخية أن هذا المجتمع لم يبق محصوراً في غيتوهات مغلقة بل تغلغل في النسيج البربري المحلي وهو ما يفتح الباب أمام فرضية التهود الواسع للقبائل الأمازيغية في الجبال والصحاري التونسية.

قصة الكاهنة داهيا التي قاومت الفتح الإسلامي في جبال الأوراس وجنوب تونس لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا التداخل العقدي والعرقي الذي أنتج يهودية محلية بملامح متوسطية وأمازيغية صرفة. ومع وصول الإسلام لم تنقطع هذه الصيرورة بل دخلت في إطار العهدة العمرية التي نظمت العلاقة بين الدولة الإسلامية الناشئة ورعاياها من أهل الذمة.

وهنا يبرز القطب القيرواني كمركز إشعاع ديني وفكري لليهود في القرن التاسع والعاشر الميلادي حيث كانت القيروان تنافس بابل في إنتاج الفقه اليهودي والشروحات التلمودية بفضل عائلات علمية كبرى مثل عائلة ابن شاهين وعائلة الرابي حنانيل.
هذا الحضور القيرواني يؤكد أن الشخصية اليهودية التونسية كانت في قلب الدولة الأغلبية والفاطمية ولم تكن مجرد عنصر طفيلي على الاقتصاد أو السياسة.
المنعطف السوسيولوجي الأهم في تاريخ هذه الطائفة يتمثل في الصدع الكبير الذي حدث بين التوانسة والقرانة وهو صدع لا يزال يمثل مفتاحاً أساسياً لفهم التراتبية الاجتماعية والمكانية لليهود في تونس.
التوانسة هم يهود الأرض القدامى المستعربون الذين تشربوا ثقافة المكان وتكلموا الدارجة التونسية بطلاقة ومارسوا الحرف التقليدية وعاشوا في الحارة بروح جماعية تضامنية.
أما القرانة فهم النخبة القادمة من مدينة ليفورنو الإيطالية في القرن السابع عشر والذين تعود أصولهم إلى غرناطة الأندلسية.
هؤلاء لم يأتوا كلاجئين بائسين بل كوكلاء تجاريين ومصرفيين عالميين يحملون معهم اللغات الأوروبية والرأسمال التجاري والامتيازات القنصلية.
أدى هذا التباين إلى صراع مؤسساتي حاد في عام 1710 أدى إلى انفصال الطائفتين تماماً حيث أسس القرانة حاخاميتهم الخاصة ومقاصبهم ومقابرهم المستقلة ورفضوا التزاوج مع التوانسة لفترة طويلة معتبرين أنفسهم طبقة أرستقراطية فوقية.
هذا الانقسام يعكس في جوهره صراع الهوية بين الشرق والغرب داخل الطائفة الواحدة وهو الصراع الذي حسمته الدولة الحسينية لصالح القرانة في المجالات المالية والدبلوماسية بينما بقي التوانسة هم الخزان الديموغرافي والثقافي الأصيل.
في العهد الحسيني وتحديداً في القرن التاسع عشر وصل النفوذ اليهودي إلى ذروته المؤسساتية داخل دواليب الإيالة التونسية. لم يعد اليهودي مجرد صراف أو تاجر بل أصبح وزيراً للمالية وقابضاً للمال العام ومديراً للديوانة.

تبرز هنا عائلة شمامة كأنموذج للسطوة المالية حيث تولى نسيم شمامة منصب مدير المالية للمشير أحمد باي ومحمد باي وكان هو المهندس الفعلي لعملية الاقتراض من البنوك الأوروبية التي انتهت لاحقاً بفرض الحماية الفرنسية.
دور نسيم شمامة يجسد التحول من الاقتصاد التقليدي المرتبط بالسوق والمحصول إلى الاقتصاد الرأسمالي المرتبط بالبورصة العالمية والقروض الدولية.
وبموازاة هذا الصعود المالي كان هناك ارتقاء قانوني تجسد في عهد الأمان عام 1857 الذي ألغى التمييز القانوني ضد اليهود وجعلهم رعايا متساوين مع المسلمين في الحقوق والواجبات وهو ما مثل ثورة تشريعية سبقت بها تونس محيطها الإقليمي.
لكن هذا الانفتاح كان يحمل في طياته بذور القلق حيث بدأ اليهود يشعرون أن حمايتهم لم تعد تأتي من الباي بل من القناصل الأوروبيين وهو ما مهد الطريق للانفكاك العضوي عن المجتمع التونسي مع قدوم الاستعمار الفرنسي عام 1881.
خلال فترة الحماية الفرنسية عاشت الطائفة اليهودية تمزقاً هوية خطيراً فبينما كانت فرنسا تحاول استقطابهم من خلال منحهم الجنسية الفرنسية عبر مرسوم كريميو الذي طبق في الجزائر ولم يطبق في تونس بنفس الصرامة بقيت الغالبية العظمى من اليهود التوانسة متمسكة بهويتها المحلية.
ومع ذلك فإن النخبة المثقفة والبرجوازية المالية انخرطت في المشروع التغريبي الفرنسي مما أوجد فجوة بين الحارة الشعبية وبين الأحياء الأوروبية الحديثة.
وفي هذه الفترة برزت شخصيات فنية وأدبية أثرت الوجدان التونسي بشكل لا يمكن طمسه.
لا يمكن الحديث عن تاريخ الغناء الشعبي التونسي دون التوقف عند ظاهرة الشيخ العفريت الذي ولد في الحارة عام 1897 ومات عام 1939 تاركاً خلفه إرثاً موسيقياً كان يجمع التونسيين من كل الأديان حول مذياع واحد.
كما لا يمكن نسيان حبيبة مسيكة التي كانت نجمة الشرق في تونس ورمزاً للتحرر الفني والوطني والتي اغتيلت في ظروف تراجيدية عام 1930 مخلفة وراءها أسطورة لا تزال حية في الذاكرة الشعبية.
هؤلاء الفنانين لم يكونوا يغنون لليهود بل كانوا يغنون للأرض التونسية بلهجتها ووجعها وأفراحها مما يؤكد أن الاندماج الأنثروبولوجي كان أقوى من الانفصال السياسي.

المحطة الأكثر قسوة وسواداً في هذا التاريخ الطويل كانت فترة الاحتلال النازي لتونس بين نوفمبر 1942
وماي 1943.
في هذه الأشهر الستة واجه اليهود التونسيون خطر الإبادة الفعلية لأول مرة في تاريخهم.
قام القادة النازيون مثل فالتر راوف بفرض قوانين عنصرية مهينة وأجبروا أكثر من 5000 شاب يهودي على العمل القسري في معسكرات محاطة بالأسلاك الشائكة في بنزرت وماتور وتونس العاصمة.
تعرضت الطائفة لعملية نهب منظمة لثرواتها ومجوهراتها لتمويل المجهود الحربي الألماني.
وهنا يبرز الدور الأخلاقي العظيم للمنصف باي الذي وقف سداً منيعاً أمام المطالب الألمانية برفضه توقيع مراسيم التمييز مؤكداً أن اليهود هم رعاياه وهو المسؤول عن حمايتهم.
هذا الموقف الوطني كان له أثر عميق في نجاة الغالبية العظمى من اليهود التونسيين من المحرقة التي التهمت يهود أوروبا ومع ذلك فإن الصدمة النفسية والسياسية التي خلفتها الحرب العالمية الثانية بالإضافة إلى تصاعد النشاط الصهيوني العالمي وبداية النزاع في فلسطين مهدت الطريق لنهاية الوجود الديموغرافي الكثيف لليهود في تونس.

بعد استقلال تونس عام 1956 بدأت مرحلة بناء الدولة الوطنية الحديثة بقيادة الحبيب بورقيبة الذي حاول دمج اليهود في مشروعه التحديثي.
تم تعيين ألبير بسيس وأندريه باروش في أولى الحكومات المستقلة لكن التحديات كانت أكبر من النوايا.
قرار حل المحاكم الحاخامية في سبتمبر 1957 ودمجها في القضاء المدني الموحد رغم أنه كان قراراً سيادياً يهدف إلى بناء المواطنة إلا أنه اعتبر من قبل الفئات المحافظة داخل الطائفة مساساً بخصوصيتها الدينية.
وتوالت الأحداث الجيوبوليتيكية الكبرى لتسرع من عملية الرحيل.
كانت أزمة بنزرت عام 1961 وما تبعها من اعتداءات على بعض الممتلكات ثم حرب جوان 1967 اللحظات الفارقة التي أدت إلى نزيف الهجرة الجماعية نحو فرنسا بالدرجة الأولى وإسرائيل بالدرجة الثانية. تقلص العدد من 105000 نسمة في عام 1948 إلى أقل من 2000 نسمة اليوم وهو تحول ديموغرافي زلزالي أفرغ مدناً كاملة مثل تونس وصفاقس وسوسة وحلق الوادي من مكون أساسي من مكوناتها التاريخية.
بتحليل البنية المعمارية والسكنية لليهود نجد أن الحارة في
تونس العاصمة كانت نموذجاً لسوسيولوجيا المكان المكتظ.

كانت الحارة عالماً قائماً بذاته بأسواقها ومعابدها ومدارسها حيث تلتقي العائلات في فضاءات مشتركة تصهر الفوارق الطبقية.
أما في جزيرة جربة فقد حافظ اليهود في الحارة الكبيرة والحارة الصغيرة على نمط عيش كهنتي مغلق حافظ على نقاء التقاليد اللغوية والدينية بعيداً عن تأثيرات التحديث الأوروبي.
يهود جربة يمثلون اليوم المتحف الحي لليهودية المتوسطية القديمة حيث لا يزالون يمارسون صياغة الذهب والتجارة التقليدية ويحافظون على نظام تعليمي ديني صارم.
ومعبد الغريبة بجربة يتجاوز كونه مكاناً للصلاة ليصبح رمزاً للتعايش حيث يشارك المسلمون في تأمين الزيارة السنوية والاستفادة من حركيتها التجارية فيما يسمى بموسم الهيلولة وهو طقس أنثروبولوجي يمزج بين تقديس الأولياء والصالحين وبين الاحتفال الجماعي بالحياة عبر ذبح القرابين وتوزيع الأكل وإقامة المزادات العلنية على المنارة الخشبية الكبيرة التي تطوف بالمعبد.
من الناحية الثقافية والأنثروبولوجية لا يمكن الحديث عن تونسية كاملة دون الاعتراف بالمساهمة اليهودية في المطبخ واللغة والموسيقى.
المطبخ اليهودي التونسي هو مطبخ الصبر والطقوس.
طبق البكايلة أو المدفونة ليس مجرد طعام بل هو حل عبقري لمشكلة تحريم الطبخ يوم السبت حيث يترك السلق واللحم واللوبيا على نار هادئة جداً من ليلة الجمعة حتى غداء السبت ليتحول إلى مرق أسود كثيف المذاق.
كما أن الكسكسي بالسمك والملبّس والعقيد كلها عناصر غذائية انتقلت من البيوت اليهودية لتصبح جزءاً من المائدة التونسية العامة.
وفي اللغة نجد أن العديد من المصطلحات والأمثال الشعبية التونسية لها جذور عبرية أو مرتبطة بممارسات دينية يهودية مما يؤكد أن الانصهار كان كاملاً على مستوى اللاوعي الجمعي.
الشخصيات السياسية والنضالية اليهودية التي بقيت في تونس بعد الاستقلال قدمت دروساً في الوطنية العابرة للأديان.
جورج عدة السياسي والنقابي الذي رفض الصهيونية واعتبرها حركة استعمارية وظل وفياً للحزب الشيوعي ولتونس حتى وفاته وجيلبار نقاش الذي دفع ضريبة معارضته لنظام بورقيبة ونظام بن علي بسنوات طويلة من السجن والمنفى هما دليل على أن الانتماء للأرض أقوى من الانتماء للطائفة.
هؤلاء المناضلون كانوا يرون في أنفسهم تونسيين يمارسون حقهم في المعارضة والبناء لا كأقلية تطلب الحماية بل كمواطنين يمارسون السيادة.
هذا النفس النضالي هو الذي جعل من روني الطرابلسي وزيراً للسياحة في عام 2018 وهو تعيين لم يكن مجرد حركة رمزية بل كان اعترافاً بأن الكفاءة التونسية لا لون لها ولا دين.
تاريخ اليهود في تونس هو مرآة للهوية التونسية في تعددها وعمقها.
من الجذور القرطاجنية التي أسست للمواطنة المتوسطية إلى معبد الغريبة الذي يختصر آلاف السنين من الإيمان والتمسك بالأرض نحن أمام قصة بقاء ومقاومة ثقافية مذهلة ورغم الرحيل الجسدي لآلاف اليهود التونسيين إلا أن روحهم لا تزال تسكن أزقة حلق الوادي والحارة العتيقة ومعابد جربة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال