بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الحمامات: سوسيولوجيا المكان بين القداسة والدفاع

2026-04-14 317 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الحمامات: سوسيولوجيا المكان بين القداسة والدفاع
حين تقف أمام قصبة الحمامات فأنت لا تقف أمام مجرد تراكم للأحجار الكلسية أو جدار دفاعي تآكلت أطرافه بفعل رذاذ المتوسط المالح بل أنت تقف أمام حنجرة استراتيجية كانت وما زالت تصرخ في وجه التاريخ والجغرافيا لتعلن سيادة هذه الأرض في مواجهة أطماع الإمبراطوريات المتعاقبة .
هذا المعلم الجاثم في الزاوية الشمالية الغربية للمدينة العتيقة بالوطن القبلي هو الوثيقة الحية التي تختزل صراع البقاء بين الشرق والغرب وبين الزهد الصوفي والغطرسة العسكرية وهو المعلم الذي تحول من عين ساهرة في ليل الأغالبة إلى ثكنة في قبضة الاستعمار وصولا إلى كونه أيقونة سياحية مهددة بزحف الإسمنت في زمننا الرديء هذا.

تبدأ الحكاية من تلك اللحظة الفارقة في عام 893 ميلادي الموافق للقرن الثالث الهجري حين قرر الأغالبة في إفريقية أن يجعلوا من هذا الموقع رباطا عسكريا بروح زاهدة.
لم تكن القصبة يومها سوى مرقبا بسيطا يضم أمين الرباط وثلة من المتطوعين الذين اختاروا أن يسكنوا بين صليل السيوف وتسبيح الخلوة
في ذلك القرن كان البحر الأبيض المتوسط مقبرة سائلة تعج بقرصنة البيزنطيين مما جعل من الحمامات بؤرة استراتيجية للإنذار المبكر فكانت القصبة هي العين التي لا تنام لتحمي العمق التونسي من المفاجآت الدامية .
هؤلاء المرابطين الأوائل لم يكونوا مجرد جنود بل كانوا طليعة فكرية وعسكرية تدرك أن الأرض لا تصان بالأماني بل بالمرابطة واليقظة فوق الثغور المفتوحة على المجهول الأزرق.
إن اختيار هذا الموقع لم يكن عبثيا بل كان قراءة دقيقة للجغرافيا التاريخية فالمدينة التي استمدت اسمها من منابع المياه المعدنية كانت جارة لأطلال «بوبوت»الرومانية تلك المستعمرة التي ازدهرت في القرن الثاني الميلادي .
ومن عجائب القدر أن المعماري المسلم لم يجد غضاضة في إعادة تدوير أعمدة وتيجان الرخام الرومانية ليرصع بها قلبه النابض ولاسيما في الجامع الكبير في عملية استرداد تاريخي تؤكد أن السيادة لا تلغي الماضي بل تهضمه لتبني فوقه حصونها الجديدة .
كانت بوبوت شاهدة على أمجاد روما لكن الحمامات وقصبتها جاءت لترسم حدودا جديدة لإمبراطورية العقيدة والوطن مستخدمة الحجارة الكلسية المحلية والملاط التقليدي الذي صمد أمام عواتي الزمن لأكثر من ألف ومائة عام.
مع تعاقب الدول من الصنهاجيين إلى الحفصيين تحولت القصبة من مجرد برج مراقبة إلى قصر حصين وهو ما نلمسه في تسمية قصر الحمامات التي شاعت في العهد الصنهاجي حيث أصبحت القلعة تجمعا سكنيا يحمي الناس من هجمات روجر الثاني ملك صقلية الذي تجرأ يوما واحتل البرج ليثبت للعالم أن من يملك مفتاح هذا الحصن يملك السيطرة على كامل خليج الحمامات ولكن الرد الحفصي جاء حاسما في عام 1236 ميلادي حين أمر السلطان أبو زكريا بترميم الأسوار لتعزيز الجبهة الداخلية ضد التمدد المسيحي في المتوسط وتأكيد الاستقلال عن موحدي مراكش فالحفصيون فهموا مبكرا أن الحمامات هي الخاصرة الرخوة للعاصمة تونس وأن تحصينها هو تحصين للقرار الوطني السيادي.
في منتصف القرن الخامس عشر وتحديدا بين عامي 1463 و1467 ميلادي شهدت القصبة تحولا نوعيا في عهد الأمير الحفصي عثمان حيث انتقلت من الوظيفة العسكرية الصرفة لتصبح مقرا رسميا لوالي المدينة فبنيت فيها الأجنحة الفخمة وظهر البرج المستطيل الذي يعد أعلى نقطة مراقبة في القلعة موفرا تغطية دفاعية شاملة برا وبحرا .
إنها الهندسة التي تجعل من المربع المشوه بضلاع تبلغ 50 مترا وحصون تصل سماكتها إلى 6 أمتار وارتفاعها لـ 12 مترا بيانا سياسيا يقول إن الدولة هنا وإن السيادة لا تتجزأ ففي غرف الدفاع تلك كان الجند يراقبون الأفق وهم يدركون أن وراءهم مدينة تنمو وتزدهر بفضل أمن هذه الجدران الضخمة.

عندما نتأمل العمارة الدفاعية للقصبة نجد تجسيدا لعبقرية البناء بالتراب المدكوك أو ما يعرف بالتابيا وهي المادة التي وفرت مرونة امتصاص ضربات المنجنيق قبل اختراع المدافع.
المدخل المنعرج للقصبة بابه الوحيد الذي تعلوه مشربية دفاعية وممره ذو الزاويتين القائمتين لم يكن مجرد جمالية معمارية بل كان فخا هندسيا لكسر زخم المهاجمين ومنعهم من استخدام جذوع الأشجار لهدم الأبواب الداخلية.
في هذا الممر الصامت نجد نقيشة تذكارية تعود لعام 1600 ميلادي تؤرخ لتطوير التحصينات لمواجهة الأسلحة النارية في العهد العثماني وهو ما يعكس قدرة العقل العسكري التونسي على التأقلم مع الثورات التقنية في فنون القتال.

كانت الأسوار ضرورة وجودية ليس فقط ضد الغزاة من وراء البحر بل أيضا لحماية الحواضر من غارات الأعراب والبدو المهاجرين الذين ضاقت بهم السبل فكان السور الشرقي للمدينة بطوله البالغ 230 مترا وأبراجة المربعة الأربعة هو الدرع الذي يحمي مخازن المؤن والبضائع من النهب في تلك العصور المضطربة .
الصراع بين المدينة والبادية كان فصلا من فصول التاريخ التونسي وكانت القصبة هي الحكم والملاذ الذي يفصل بين فوضى الغزو ونظام الاستقرار.
دخلت الحمامات في أتون الصراع العالمي بين العثمانيين والإسبان في مطلع القرن السابع عشر حيث أصبحت القصبة
مسرحا لحروب البارود والدين في عام 1601 ميلادي.
باغت القائد الإسباني ألونسو دي كونتريراس المدينة التي سماها الأوروبيون المحمدة وارتكب فيها من الأسر والنهب ما لا ينسى ولكن الذاكرة التاريخية تفخر بموقعة 14 أوت 1605 ميلادي حين ظهر الأسطول الإسباني الصقلي المالطي بقيادة خوان دي باديلا بـ 10 سفن وما يقارب 1400 جندي مدججين بالسلاح.
كانت تلك المعركة دراما إلهية بامتياز فبعد أن سقطت المدينة في يد المهاجمين انطلق صوت بوق مجهول يأمر بالانسحاب ليدب الرعب والفوضى في صفوف الإسبان الذين هرعوا نحو الشاطئ لتباغتهم عاصفة بحرية حطمت سفنهم وتجعل من الحملة مجزرة مروعة غرق فيها دي باديلا نفسه وهلك فيها ما بين 500 إلى 1000 جندي لتظل هذه الهزيمة ندبة في الذاكرة الإسبانية وفخرا في السجلات العثمانية التونسية تؤكد أن هذه الأرض لها حراس من الإنس ومن الطبيعة نفسها.
القصبة ليست مجرد جدران بل هي روح تجمع بين المقدس والعسكري ففي صحنها الواسع يرقد سيدي بوعلي ذلك المرابط الذي عاش في نهاية القرن الخامس عشر مجاهدا ومتعبدا وبجانبه نجد ضريح الداي علي لاز الذي أعدم عام 1673 ميلادي بعد ثورته ضد الباي مراد الثاني في محاولة لاسترداد سلطة الدايات .
هذا التجاوز بين قبر الولي وقبر الثائر السياسي يعطي للقصبة بعدا رمزيا فريدا يربط بين قداسة الجهاد ومرارة الصراع على السلطة وكأن القصبة تقول لنا إن السيادة تحتاج إلى ورع الصوفي وجرأة المتمرد في آن واحد.

أما المدينة العتيقة بأسوارها التي تمتد 230 مترا شرقا وغربا و200 مترا جنوبا فهي النسيج الحي الذي كانت تحرسه أبواب ثلاثة ،باب البلد أو باب السوق في الجنوب الشرقي وباب البحر في الشمال الغربي وباب القبلي في الجنوب تلك الأبواب المصفحة بالحديد التي كانت تغلق بإحكام مع غروب الشمس وفي وقت صلاة الجمعة كإجراء أمني وقائي يعكس حذر المدن الساحلية من غدر الأساطيل المعادية.
غلق الأبواب وقت الصلاة لم يكن طقسا دينيا فحسب بل كان وعيا استراتيجيا بأن لحظة الخشوع هي اللحظة التي يتربص فيها العدو.
وفي القلب من هذا كله يقف الجامع الكبير الذي وضع لبنته الأولى السلطان أبو زكريا الحفصي في القرن الثالث عشر ليكون منارة علمية وروحية وفي عام 1463 ميلادي أضيفت له الصومعة المربعة في عهد أبو عمرو عثمان ليعبر عن الهوية المعمارية التونسية الأصيلة ،هذا الجامع الذي أعيد فيه تدوير أعمدة بوبوت الرومانية يضم اليوم كنوزا مخطوطة مثل مصحف الشيخ أحمد خوجة ومخطوط الشيخ الصادق الدغيس ليكون حارسا للذاكرة الدينية واللغوية للمدينة التي لم تستسلم يوما لمسخ هويتها.
جاء الاستعمار الفرنسي عام 1881 ميلادي ليحول القصبة إلى ثكنة عسكرية ويطمس جمالياتها لصالح الضرورات الحربية وفي عام 1893 انهار جزء من سورها الشرقي وأسطحها ولم يتم ترميمها إلا في عام 1900 بطريقة أفقدت المعلم بعض تفاصيله الإسلامية الدقيقة .
بل إن التاريخ سيسجل أن الجنرال الألماني إروين رومل ثعلب الصحراء اتخذ من الحمامات مقرا لقيادته بين عامي 1942 و1943 لتظل القصبة نقطة جذب للقوى العظمى حتى في أقسى الظروف الحربية العالمية.

بعد الاستقلال عام 1956 استعادت القصبة هويتها لتتحول من قلعة للبارود إلى فضاء للثقافة والسياحة فصار المقهى العالي فوق أسوارها مقصدا لكل باحث عن الجمال المطل على المتوسط وصار مهرجان الحمامات الدولي الذي انطلق عام 1966 في فيلا سيباستيان صوتا للفن والحرية بجوار متحف دار خديجة الذي يوثق ألفي عام من تاريخ المنطقة وتقاليدها في التطريز وتقطير الزهور وصناعة الفخار والسجاد التي تعكس عبقرية الإنسان في تحويل الطبيعة إلى جمال.
قصبة الحمامات ستبقى دائما هي المبتدأ والخبر في حكاية تونس الساحلية ،هي ذلك الرباط الذي بدأ بمتصوف مرابط وانتهى بمعلم حضاري عالمي يرفض الاندثار ويأبى أن يكون مجرد خلفية لالتقاط الصور السياحية العابرة بل هو درس في الجيوبوليتيك وفي فن البقاء فوق أرض لا تمنح سرها إلا لمن يحسن قراءة حجارتها العتيقة ومخطوطاتها النادرة وأبوابها التي لا تفتح إلا لمن يطرقها بوعي التاريخ وإيمان السيادة إن القصبة هي نحن وهي وجهنا المطل على العالم فإما أن نصونها كمعلم للسيادة وإما أن نتركها تنهشها أطماع العقارات وضيق الأفق.
يبقى التحدي الأكبر هو كيف نحافظ على هذا المعلم من الاندثار في ظل زحف العولمة العمرانية.
إن التوثيق الرقمي وإدراج القصبة ضمن الأطلس الدولي للتراث هي خطوات ضرورية ولكنها لا تغني عن اليقظة الوطنية المطلوبة لحماية كل حجر وكل نقيشة تروي قصة ألف ومائة عام من المجد التونسي الأصيل فالقصبة هي أمانة الأجيال وعنوان السيادة التي لا تقبل المساومة ولا النسيان تحت أي ظرف كان.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال