حيث يطل علينا مزالي من شرفة التاريخ بوصفه المثقف الذي اعتقد واهماً أن بإمكانه ترويض ذئاب القصر بتمائم الفلسفة ودروس الصادقية فكانت النتيجة تراجيديا سياسية انتهت به مطارداً في جبال القصرين عابراً نحو المنفى في مشهد يختزل انهيار التوازن البورقيبي وبداية صعود الدولة الأمنية الغاشمة.
التكوين الأنثروبولوجي لمحمد مزالي ابن المنستير الذي شرب من نبع السوربون جعله يحمل في حقيبته مشروعاً لم يكن بورقيبة يراه إلا من زاوية الوظيفة .
فبينما كان الزعيم يبني دولة على مقاس عقله الفرنكوفوني كان مزالي يؤسس عبر مجلة الفكر لمختبر هوية يحاول اختراق جدار العلمانية التغريبية،ليس من باب الانقلاب بل من باب التأصيل وهو ما جعل منه في نظر الجناح الاستئصالي داخل الحزب الاشتراكي الدستوري مجرد إسلامي متستر أو عروبي راديكالي يزرع بذور الانقسام في تربة الحداثة التونسية.
ولعل هذا الصدام الخفي هو الذي جعل من فترة حكمه صراعاً وجودياً بين نخب صادقية تبحث عن جذورها وبين واقع اقتصادي كان يرزح تحت وطأة تبعية هيكلية للخارج.
في كواليس القصر حيث تصنع الأقدار خلف الستائر كان مزالي يدير مرحلة الانتقال القلق وهي المرحلة التي شهدت تحول تونس من دولة الزعيم الملهم إلى دولة الأجهزة الصامتة.
يكشف الأرشيف أن مزالي لم يسقط بسبب فشل التعريب أو تراجع جودة التعليم كما روج خصومه بل سقط في فخاخ نصبها له صقور الديوان السياسي وحرب النساء المستعرة بين وسيلة بورقيبة وسعيدة ساسي.
كان مزالي يظن أن شرعيته التاريخية وقربه من بورقيبة كفيلان بحمايته متناسياً أن القصر في سنواته الأخيرة تحول إلى غابة من الوشايات والتقارير الطبية التي كان يكتبها بن علي بدم بارد ليمهد الطريق نحو انقلاب طبي كان مزالي أول ضحاياه قبل أن يكون بورقيبة نفسه الضحية الكبرى.
تمثل أحداث الخبز في جانفي 1984 اللحظة الفارقة التي انكسر فيها المسار السياسي لهذا الرجل فهي لم تكن مجرد انتفاضة جياع ضد زيادة الأسعار بل كانت فخاً استراتيجياً محكماً حيث انسحبت أجهزة الأمن في لحظة مريبة لتترك الشارع يحترق مما جعل مزالي يبدو في صورة العاجز أمام بورقيبة الذي لا يغفر الضعف.
ومن منظور التحليل الاستراتيجي فإن تلك الأحداث كانت شهادة ميلاد للوحش الأمني الذي رعه مزالي بنفسه حين عين زين العابدين بن علي مديراً للأمن الوطني معتقداً أنه يأتي بتقني أمني مخلص بينما كان يأتي بالرجل الذي سيقلب عليه الطاولة ويحوله من خليفة مرتقب إلى طريد يبحث عن ممر في الجبال نحو الجزائر.
مشروع التعريب الذي قاده مزالي يظل القضية الأكثر إثارة للجدل في سجله فهو لم يكن مجرد تغيير لغة تدريس بل كان محاولة لإعادة صياغة الشخصية القاعدية للتونسي
لكن هذا المشروع واجه مقاومة شرسة من النخب التي رأت فيه تهديداً لمصالحها المرتبطة بالمركز الفرنسي
وبالرغم من أن مزالي دافع عن رؤيته بأن التعليم باللغة الأم هو سبيل الإبداع إلا أن الفشل في ربط هذا المسار بمنظومة اقتصادية تستوعب الخريجين الجدد خلق فجوة سوسيولوجية عميقة دفعت بآلاف الشباب نحو أحضان الحركات الاحتجاجية ليصبح مزالي في نظر التاريخ هو المسؤول عن تفريخ التطرف في نظر خصومه، والمسؤول عن ضياع الهوية في نظر مريديه.
تنتهي سيرة مزالي بهروب درامي في سبتمبر 1986 تنكر فيه بزي ريفي وعبر الحدود في عملية تثبت أن الدولة التي ساهم في بنائها لم تترك له مكاناً حتى للسجن الكريم.
كان استقلال الجزائر لاستقباله موقفاً سياسياً أزعج قرطاج لكنه منح مزالي فرصة ليكتب مذكراته نصيبي من الحقيقة تلك الشهادة التي تعتبر أرشيفاً حياً لكل ما سكت عنه النظام حيث كشف فيها كيف تحول القضاء إلى أداة تصفية
وكيف تم التنكيل بعائلته كنوع من الانتقام السياسي
مما يجعل من قصة مزالي درساً في سيكولوجية السلطة حيث يلتهم النظام أبناءه بمجرد أن يشعر ببوادر استقلالهم الفكري.
يظل محمد مزالي الشخصية التراجيدية الأكثر تعبيراً عن أزمة الحكم في تونس الحديثة فهو الرجل الذي حاول أنسنة البورقيبية وفشل وحاول تونسة التعليم فتعثر بمطبات السياسة وحاول الانفتاح على المعارضة فاصطدم بصخور الأجهزة.
إن دراسة أرشيفه اليوم هي ضرورة لفهم كيف تضيع المشاريع الوطنية في دهاليز مؤامرات القصور وكيف يمكن لمثقف أن يتحول إلى مجرد رقم في معادلة أمنية لم يدرك قواعدها إلا بعد فوات الأوان ليبقى مزالي في الذاكرة التونسية ذلك الوزير الذي غادر القصر ببلوزة ريفية تاركاً خلفه دولة كانت تترنح نحو المجهول.
تعليق على مقال