بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تونس: المختبر السري وصناعة الاستقلال المبرمج الأرشيف الأسود للسيادة المنهوبة (1955 - 1963)

2026-04-10 1162 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تونس: المختبر السري وصناعة الاستقلال المبرمج 
الأرشيف الأسود للسيادة المنهوبة (1955 - 1963)
تونس ليست مجرد خضراء أو رقعة جغرافية هادئة على ضفاف المتوسط،إنها المختبر الجيوسياسي الأكثر تعقيداً في القرن العشرين.
هنا، في هذه الغرفة المظلمة تم تجريب أشرس أنواع العمليات الجراحية السياسية: كيف تصنع دولة تابعة بملامح دولة مستقلة؟
كيف تحول ثورة مسلحة إلى شركة مقاولات أمنية تحرس مصالح المستعمر؟
ما يسميه المؤرخون الرسميون كفاحاً لم يكن في كواليس الأرشيفات الفرنسية (La Courneuve) والأمريكية (NARA) إلا مقامرة كبرى على طاولة الروليت الدولية حيث كان الحبيب بورقيبة اللاعب المقامر الذي أدرك مبكراً أن العرش يُبنى بالدم ولكن يُثبت بالحبر السري للسفارات.

البداية ليست في 20 مارس 1956 ذلك التاريخ هو الغلاف التجاري لعملية البيع،البداية الحقيقية كانت في أوائل جوان 1955 حين وقع بورقيبة اتفاقيات الاستقلال الداخلي.
في أرشيفات Quai d'Orsay (سلسلة B - تونس، المجلد 142) نجد مراسلات سرية بين إدغار فور وبورقيبة تكشف أن الأخير قدم تعهداً غير مكتوب في البداية ثم وثقته التقارير الاستخباراتية «تصفية الفلاقة مقابل مفاتيح قصر قرطاج».

بورقيبة لم يرَ في المقاومة المسلحة جيشاً للتحرير بل رآها عقبة أمام مشروعه الشخصي.
في تقرير للمخابرات الفرنسية (SDECE) بتاريخ 12جويلية1955 وُصف بورقيبة بأنه:
«الضمانة الوحيدة لعدم انزلاق تونس نحو الفوضى الناصرية أو البلشفية.. إنه الرجل الذي سيفكك القنابل التي زرعها الفلاقة في الجبال».

وهنا بدأت تنسيقية الدم، لجان اليقظة التابعة للحزب الدستوري لم تكن مليشيات وطنية بل كانت فرق إعدام ميدانية تعمل بتوجيه مباشر من الضباط الفرنسيين.
الأرقام في الأرشيف العسكري بمدينة فانسان تشير إلى سقوط أكثر من 400 كادر يوسفي في عمليات اغتيال غامضة وتصفيات جسدية بين عامي 1955 و1956 بغطاء جوي من طائرات الاستطلاع الفرنسية التي كانت ترصد إخوان الصفا في الجبال لتعطي الإحداثيات لمليشيات بورقيبة.
صالح بن يوسف لم يكن مجرد خصم سياسي كان البديل التاريخي ،كان يمثل تونس التي ترفض أن تكون ضاحية باريسية.
في الأرشيف الإيطالي (ASAE) نجد تقارير تتحدث عن قلق فرنسي-أطلسي مشترك من تحالف بن يوسف مع جمال عبد الناصر وملك البترول الإيطالي إنريكو ماتي.
هذه العملية لم تكن اجتهاداً من معاوني بورقيبة بل كانت قراراً دولياً.
تقرير الشرطة الاتحادية الألمانية (BKA) رقم 22/61 يكشف التفاصيل الصادمة:
المكان: فندق رويال الغرفة رقم 61 فرانكفورت.
القتلة: البشير زرق العيون، حسن بن عبد العزيز الورتاني وعبد الله بن مبروك الورتاني.
الأداة: مسدسات كاتمة للصوت وتسهيلات لوجستية عبر جوازات سفر دبلوماسية.
السر الذي لا يُقال هو أن المخابرات الفرنسية (DST) هي من حددت مكان بن يوسف وفتحت الممرات الآمنة للقتلة عبر مطار عسكري فرنسي في ألمانيا.
بورقيبة في مذكراته الخاصة التي لم تُنشر كاملة، كان يرى في جثة بن يوسف شهادة ميلاد تونس الحديثة.
كان يؤمن أن تونس لا تحتمل رأسين ولذلك قطع الرأس الذي كان يتطلع نحو القاهرة والعروبة ليبقى الرأس الذي لا ينظر إلا نحو برج إيفل.
في الأرشيف الوطني الأمريكي (NARA) وتحديداً في البرقية رقم 751 (RG 59) المتعلقة بالأمن الإقليمي تظهر تونس كخادم مطيع للاستراتيجية الأمريكية.
واشنطن كانت ترى في بورقيبة سداً منيعاً ضد التمدد الناصري في المغرب العربي.
تؤكد الوثائق أن بورقيبة طلب من السفارة الأمريكية في تونس مراقبة التحويلات المالية التي كانت تمر عبر بنوك سويسرية وليبية لدعم اليوسفيين.
مقابل ذلك تعهد بورقيبة بفتح المجال الجوي التونسي والتسهيلات في بنزرت للقوات الأطلسية عند الضرورة. تونس لم تكن محايدة أبداً بل كانت خندقاً أمريكياً بلسان فرنسي.
لماذا افتعل بورقيبة معركة بنزرت بعد يومين فقط من اغتيال بن يوسف؟
الأرشيف العسكري في فانسان (الملف التونسي 1961) يكشف أن فرنسا كانت قد وافقت مبدئياً على الجلاء عن بنزرت في مفاوضات سرية لكن بورقيبة كان يحتاج إلى غسيل وطني،كان يحتاج إلى دماء تغطي دم الزعيم المغدور في فرانكفورت.
دفع بورقيبة بآلاف المتطوعين العزل لمواجهة المدافع الثقيلة للجيش الفرنسي فكانت النتيجة ما يقارب 5000شهيد في أيام قليلة.
كانت مجزرة مجانية سياسيا لكنها كانت ضرورية لبورقيبة ليقول للشعب «أنا أيضاً محارب».
لقد اشترى شرعيته التاريخية بجثث أبناء الريف والشباب المتحمس بينما كان يعرف أن فرنسا ستخرج في النهاية وفق اتفاقيات دولية كبرى لا علاقة لها بالهجوم الانتحاري على القواعد العسكرية.
لا يمكن فهم استقرار نظام بورقيبة دون الحديث عن إنريكو ماتي.
ماتي كان يخطط لمنح تونس والجزائر واليوسفيين استقلالاً مالياً عبر صفقات نفطية عادلة تكسر احتكار الشركات السبع الكبرى.
الأرشيف الدبلوماسي في روما يشير إلى أن بورقيبة كان يخشى أن يتحول بن يوسف إلى زعيم نفطي مدعوم من إيطاليا.
تلاقت مصلحة بورقيبة مع الشركات السبع ومع فرنسا في التخلص من إزعاج ماتي و سقوط طائرة ماتي في أكتوبر
1962 كان مكملاً لاغتيال بن يوسف كلاهما كان يهدد
الستاتيكو الاستعماري الذي يحميه بورقيبة.

محاولة الانقلاب في ديسمبر 1962 (مجموعة لزهر الشرايطي) كانت الصرخة الأخيرة لتونس الجريحة.
الأرشيف الأمريكي يعلق ببرود « لقد تخلص بورقيبة من آخر بقايا المعارضة الراديكالية».
الإعدامات التي طالت الشرايطي ورفاقه لم تكن محاكمة عادلة بل كانت عملية تطهير سياسي شاملة.
بورقيبة لم يقتل الأشخاص بل قتل فكرة إمكانية وجود معارضة من داخل الجيش أو من رحم المقاومة ومنذ ذلك التاريخ تحولت تونس إلى إقطاعية يديرها الحزب الواحد وتراقبها الأجهزة الاستخباراتية التي تدربت على يد الخبراء الفرنسيين (BCT).
من أكثر الأسرار إثارة للرعب في الأرشيفات الفرنسية هو الملف الطبي لبورقيبة.
تقارير السفارة الفرنسية (1960-1965) تتحدث بوضوح عن إصابة بورقيبة بالذهان الدوري أو اضطراب ثنائي القطب.
فرنسا كانت تعرف أن الزعيم يعيش لحظات من العظمة الأسطورية تليها نوبات من الانهيار النفسي و استخدمت باريس هذا الملف لابتزازه سياسياً.
تجربة التعاضد التي قادها أحمد بن صالح لم تكن مجرد خيار اقتصادي بل كانت مختبراً فاشلاً دفع ثمنه الفلاح التونسي وحين فشلت ضحى بورقيبة ببن صالح لإنقاذ رأسه تماماً كما ضحى بكل رفاقه.

تونس التي نعيش فيها اليوم هي الجنين المشوه الذي وُلد في غرف لاكورونوف.
نحن نعيش في دولة صُممت لتكون وكالة إدارة أجنبية بوجوه تونسية.
الاستقلال كان إعادة انتشار عسكري واتفاقيات اقتصادية تضمن بقاء الثروات (فسفاط، ملح، نفط) تحت الهيمنة.

الحداثة كانت قشرة خارجية لإخفاء تدمير الهوية العربية الإسلامية التي كانت تجمع تونس بعمقها.

بورقيبة لم يكن المجاهد الأكبر إلا بمقدار ما سمح له الأرشيف الدولي بذلك.

الحقيقة المرة التي يكشفها الأرشيف الأسود هي أننا لم نخرج من الاستعمار بل دخلنا في الاستعمار بالوكالة.
دم صالح بن يوسف ودماء شهداء بنزرت وصرخات المعذبين في صباط الظلام كلها تشهد أن الدولة التونسية الحديثة بُنيت على خيانة مؤسسة.
السياسة في تونس هي فن الكذب الصادق.
واليوم والأرشيف ينطق بكل لغات العالم لم يعد هناك مجال للكذب. تونس كانت ولا تزال الرهينة التي تعشق سجانها لأن السجان عرف كيف يكتب التاريخ بيده ويمحو دماء الضحايا بممحاة الوطنية الزائفة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال