بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

سوسيولوجيا المسلخ البورقيبي: هندسة الدّم وتجارة الجماجم بين أروقة المخابرات الدولية وجنازة الحقيقة في 9 أفريل

2026-04-09 84 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
سوسيولوجيا المسلخ البورقيبي: هندسة الدّم وتجارة الجماجم بين أروقة المخابرات الدولية وجنازة الحقيقة في 9 أفريل
إذا كنتم تبحثون عن الحقيقة بعيداً عن مساحيق التجميل التي تضعها السلطات المتعاقبة على وجه التاريخ فإن التاسع من أفريل 1938 لم يكن يوماً للورود أو الخطابات المنبرية الباردة بل كان يوم المسلخ الكبير الذي قاده مقامرون سياسيون وضحى فيه بسطاء القوم في لعبة دولية قذرة لم يكتب عنها المؤرخون الرسميون حرفاً واحداً.
الرواية التي تدرس في المدارس هي رواية المنتصر الذي يجمل قبيحه ويمحو عاره أما الحقيقة فهي أن تونس في تلك اللحظة كانت مجرد قطعة شطرنج في صراع الديوك بين فرنسا المتهالكة وإيطاليا الفاشية المتعطشة للدم
بينما كان الديوان السياسي للحزب الدستوري الجديد يعيش حالة من الصرع البنيوي بين عقلية المهادنة الخائفة وعقلية المغامرة الانتحارية التي كان يقودها الحبيب بورقيبة بدم بارد وبرؤية سينمائية تدرك أن صناعة الزعامة تتطلب جثثاً طرية تفرش له السجاد الأحمر نحو قصر قرطاج مستقبلاً.

لنتوقف عن كذبة العفوية الجماهيرية فالتاريخ لا يصنعه الرعاع بل تحركه النخب التي تعرف متى تفتح صمامات الغضب ومتى تغلقها .
كانت أحداث أفريل عملية جراحية قيصرية أجراها الجناح الراديكالي للحزب لاستئصال تيار محمود الماطري الذي كان يمثل العقل والتروي في بيئة لا تقبل إلا المجانين والدمويين.
مقولة بورقيبة الشهيرة «لا بد أن يسيل الدم» لم تكن صرخة وطنية بل كانت أمراً عملياتياً لتفجير الشارع وإحراج فرنسا دولياً حتى لو كان الثمن إبادة جيل كامل من طلاب الزيتونة والصادقية، أولئك المساكين الذين دفعوا كوقود لمحرك طموح لم يكن يرى أبعد من كرسيه.
الماطري عندما انسحب كان يدرك أن الحزب تحول إلى آلة لإنتاج الشهداء لا لإنتاج الحلول وأن الصدام مع قوات الزوواف والرماة السنغاليين في شوارع تونس الضيقة كان انتحاراً عسكرياً موصوفاً وليس نضالاً مدنياً منظماً.

وعندما نتحدث عن الأرشيف المسكوت عنه يجب أن ننبش في ملف إذاعة باري الإيطالية التي كانت المحرك الفعلي للشارع التونسي في تلك الفترة.
إيطاليا موسوليني لم تكن تدعم استقلال تونس حباً في سواد عيون التونسيين بل كانت تريد تحويل تونس إلى ماخور سياسي لإزعاج فرنسا وإضعاف نفوذها في المتوسط.

الحزب الدستوري الجديد كان يرقص على حبال المخابرات الإيطالية والفرنسية في آن واحد والعديد من القادة كانوا يدركون أن التمويلات والتحريض الإعلامي الإيطالي هو الذي نفخ في جمر الغضب ليوصلنا إلى مجزرة أفريل التي كانت فرنسا تنتظرها بفارغ الصبر لتقضي على النخبة الوطنية بضربة واحدة تحت غطاء الدفاع عن النفس وعن دماء الجندرمي لوسيان نيكولا الذي قتل في ظروف غامضة قد تكون هي الأخرى عملية مخابراتية فرنسية قذرة لتبرير المجزرة اللاحقة.

أما خديعة الأرقام الرسمية فهي الفضيحة الكبرى فقولهم إن عدد الشهداء هو اثنان وعشرون هو استخفاف بالعقل وضحك على الذقون.
عدد الذين سحقوا تحت مجنزرات الجيش الفرنسي والذين قضوا في الزنازين المظلمة وتحت التعذيب والذين دفنوا في مقابر جماعية لم يعثر لها على أثر يتجاوز المئات .
فرنسا التي تدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان مارست في أفريل 1938 عملية إبادة انتقائية استهدفت الوعي التونسي الناشئ والطلاب الذين كانوا يمثلون خطر الانفجار الفكري والسياسي وليس فقط العسكري واليوم يأتون ليحتفلوا فوق تلك الجماجم المنسية بخطابات جوفاء تكرس نفس العقلية الإدارية العفنة التي خرج التونسيون ضدها في ذلك الحين.

البرلمان التونسي الذي سقط من أجله هؤلاء الضحايا لم يكن في ذهن القادة مجرد مؤسسة تشريعية بل كان وسيلة لانتزاع الشرعية من المقيم العام ووضعها في يد الدكتاتور
القادم الذي سيختزل الشعب في شخصه لاحقاً .
كان 9 أفريل لحظة ولادة الدولة الوطنية ولكنها ولادة مشوهة جرت في غرف العمليات الدولية ولم تكن فعلاً شعبياً خالصاً كما يحاولون إيهامنا .
الحقائق التي يخفيها الأرشيف الوطني الفرنسي حتى اليوم والوثائق التي أحرقت في دهاليز وزارة الداخلية التونسية كانت ستكشف لنا حجم الخيانة والعمالة والتلاعب بمصائر الناس في تلك اللحظة التاريخية الفارقة التي تحولت فيها دماء البسطاء إلى حبر يكتب به القادة مذكراتهم البطولية الوهمية في سجون فرنسا الفاخرة بينما بقيت أمهات الشهداء في ملاسين وباب سويقة يقتاتون على الفقر والنسيان.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال