بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الفسفاط: كيف حرّرنا الأرض… ومن قيّد الدولة بعد التحرير؟

2026-04-07 42 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الفسفاط: كيف حرّرنا الأرض… ومن قيّد الدولة بعد التحرير؟
في محراب التاريخ التونسي لا يمثل الفسفاط مجرد كيمياء لرسوبيات جيولوجية بل هو نخاع شوكي قامت عليه
الدولة الوطنية.
وحين ننبش في دفاتر شركة فسفاط فصة فنحن نفتح الصندوق الأسود لعملية استرداد السيادة التي لم تكن نزهة بل كانت حرب استنزاف تقنية وقانونية ومالية خاضتها تونس ضد بارونات المال في باريس.
قصة انتقال هذه المؤسسة من قبضة شركة الفسفاط والسكك الحديدية بفصة (CPCFG) إلى السيادة التونسية الكاملة هي ملحمة تفصيلية تستوجب تشريحاً دقيقاً للمسارات التي صاغت وجه تونس الحديث.
بدأت المأساة أو الملحمة في أفريل 1885 حين عثر الجيولوجي الفرنسي فيليب توماس على مكامن الفسفاط في جبال الثالجة. لم يكن هذا الاكتشاف علمياً محضاً بل كان إيذاناً بتأسيس دولة داخل الدولة.
وبموجب اتفاقية 1896 ولدت الشركة رسمياً في 18 مارس
1897 برأس مال قدره 60 مليون فرنك فرنسي ومنحتها
سلطات الحماية امتيازاً خرافياً لمدة 60 عاماً.
كانت الشركة تسيطر على الأرض والبشر والحديد إذ امتلكت حق استخراج المعدن وإدارة خطوط السكك الحديدية التي تربط الحوض المنجمي بميناء صفاقس.
شيدت الشركة مدناً من العدم:
المتلوي (1899) الرديف (1903) أم العرائس (1904)
والمظيلة (1920).
في هذه المدن كان التراتب طبقيا وعرقياً بامتياز
الإدارة العليا في نهج النصر بباريس والمهندسون فرنسيون في فيلات فخمة والعمال التونسيون والجزائريون والمغاربة في أعماق الباطن السحيقة.
غداة الاستقلال في 20 مارس 1956 وجدت الدولة التونسية نفسها أمام عملاق اقتصادي يساهم بـ 25% من الصادرات لكنه يدار بعقليات استعمارية.
بدأت معركة تونسة القرار بخطوات جراحية.
كان الوزير أحمد بن صالح مهندس تجربة التعاضد يدرك أن الصدام العنيف قد يؤدي إلى تخريب المناجم فاعتمد سياسة التسلل القانوني.
في عام 1959 وبعد مفاوضات شاقة تم نقل المقر الاجتماعي للشركة من باريس إلى تونس العاصمة وتمكنت الدولة من الاستحواذ على 51% من الأسهم مما أعطاها
الأغلبية في مجلس الإدارة.
كانت هذه هي اللحظة التي بدأ فيها العلم التونسي يرفرف فوق مكاتب الإدارة لكن الماكينة الفنية ظلت فرنسية.

المحطة الحاسمة كانت في 1 جانفي 1967وهي سنة استرداد الشرايين.
كانت السكك الحديدية هي السلاح الذي تبتز به الشركة الدولة فقررت حكومة الاستقلال فصل نشاط النقل عن النشاط المنجمي.
تم استرجاع 440 كيلومتراً من السكك الحديدية بما في ذلك خط صفاقس-المتلوي (242 كم) وخط المتلوي-توزر (54 كم) وإلحاقها بالشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية (SNCFT).
بهذه الضربة تحولت الشركة المنجمية من صاحب طريق إلى زبون وفقدت فرنسا أهم أدوات ضغطها اللوجستي.

في السبعينيات وصلت عملية التأميم إلى ذروتها تحت شعار تونسة الإطارات.
تم فتح مدرسة المناجم بفندق الجديد وبدأ جيل من المهندسين التونسيين أمثال قيس دالي ومحمد نجيب مرابط لاحقاً في تولي المناصب الحساسة.
وفي عام 1976 تم دمج جميع الشركات المنجمية بما فيها شركة فسفاط جبل المظيلة (CIPHOS) التي تأسست عام 1962 كشركة تونسية بالكامل وشركة ستيفوس (STEPHOS) في كيان واحد عملاق هو شركة فسفاط قفصة (CPG).
لم يعد هناك وجود لشريك أجنبي يقرر مصير الفسفاط أصبح القرار تونسياً صرفاً مرتبطاً مباشرة بقصر قرطاج ووزارة الصناعة.
ترافق هذا التأميم مع بناء الأبوية الصناعية.
أصبحت الشركة هي الدولة في الحوض المنجمي فهي التي توفر الماء والكهرباء مجاناً لآلاف العمال وهي التي تبني المستشفيات والمدارس والنوادي الرياضية (نجم المتلوي هلال الرديف).
هذا النموذج رفع الإنتاج إلى مستويات قياسية حيث وصل في عام 2010 إلى 8.5 مليون طن محققاً فائضاً مالياً مكن الدولة من تمويل ميزانيتها لسنوات طويلة.
لكن هذا المسار السيادي لم يخلُ من جروح سوسيولوجية وبيئية.
السيادة القانونية لم تتبعها سيادة بيئية فالحوض المنجمي اليوم يئن تحت وطأة التلوث.
عمليات غسل الفسفاط تستهلك سنوياً أكثر من 9 ملايين متر مكعب من المياه الجوفية مما أدى إلى جفاف واحات قفصة والرديف.
كما أن التأميم تحول بعد 2011 إلى عبء اجتماعي إذ ارتفع عدد الموظفين من 4,890 عاملاً في 2010 إلى حوالي 21,000 عامل في 2022 مما أدى إلى ارتفاع كتلة الأجور إلى أكثر من 600 مليون دينار سنوياً في حين تراجع الإنتاج إلى مستويات كارثية (حوالي 3 ملايين طن).

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال