لم يكن الحوض المنجمي مجرد رقعة جغرافية تختزن الفسفاط بل كان مسرحا لتشكل طبقة عاملة فريدة في تركيبتها السوسيولوجية حيث امتزجت دماء التونسيين بدماء الوافدين من الجزائر وليبيا والمغرب ليشكلوا معا ما يمكن تسميته بشعب المناجم الذي صهرته المحن المشتركة في أعماق الداموس المظلمة.
تبدأ القصة في ربيع عام 1885 حين عثر الجيولوجي الفرنسي فيليب توماس على مخزونات هائلة من فسفاط الكالسيوم في جبال الثالجة بالمتلوي وهو اكتشاف لم يكن علميا محضا بل كان إيذانا بدخول تونس في دوامة التبعية الاقتصادية للقوى الإمبريالية التي رأت في هذه الأرض منجما مفتوحا لتعويض نقص الموارد في أوروبا.
تأسست شركة فسفاط وسكك حديد قفصة في عام 1897 برأس مال فرنسي ضخم لتبدأ عملية تفتيت البنى الاجتماعية التقليدية للقبائل وغيرها من العروش التي وجدت نفسها أمام خيارين إما الانخراط في العمل المنجمي الشاق أو الموت جوعا بعد أن صادرت الشركة مساحات شاسعة من الأراضي الرعوية لمد سككها الحديدية وحفر آبارها العميقة.
التحول السوسيولوجي الذي شهده الحوض المنجمي يتمثل في بروز المدن المستحدثة مثل الرديف وأم العرائس والمظيلة وهي حواضر لم تولد من رحم التطور التاريخي الطبيعي للمجتمع التونسي بل فرضتها ضرورة الإنتاج المنجمي فكانت مدنا مقسومة بحدة منذ لحظاتها الأولى.
في جهة نجد الحي الأوروبي بفيلاته المسقوفة بالقرميد الأحمر وحدائقه الغناء وملاعبه التي تحاكي الرفاهية الباريسية وفي الجهة المقابلة نجد أحياء العمال البائسة التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة حيث يعيش العمال في غرف ضيقة تسمى الكامبوات و الملاجئ.
هذا الفصل المكاني العنصري لم يكن تقنيا بل كان أداة لترسيخ الهيمنة النفسية والاجتماعية للمستعمر على العامل الذي كان ينظر إليه كآلة بشرية قابلة للاستبدال في أي لحظة. ومن هنا ولدت أولى بذور الصراع الطبقي الذي امتزج بالوعي الوطني حيث أدرك العامل المنجمي أن استغلاله المهني مرتبط بوجود الاستعمار نفسه وأن تحرره من ربقة الشركة يمر حتما عبر التحرر الوطني.
كان الحوض المنجمي بؤرة تلاقي للهجرات المغاربية الكبرى حيث استقطبت المناجم آلاف العمال من منطقة وادي سوف الجزائرية ومن طرابلس الليبية ومن مناطق المغرب الأقصى وقد ساهم هذا التنوع في خلق روح تضامنية عابرة للحدود تجلت في علاقات المصاهرة والعيش المشترك التي جعلت من مدن المناجم مدنا كوزموبوليتانية بلمسة عمالية كادحة.
لا يمكن الحديث عن تاريخ المنطقة دون التوقف عند ملحمة الوعي النقابي التي بدأت مع ظهور جامعة عموم العملة التونسية بقيادة محمد علي الحامي ثم تعززت لاحقا مع فرحات حشاد والاتحاد العام التونسي للشغل.
كانت المناجم هي القاعدة الخلفية والصلبة للحركة النقابية الوطنية ففي أعماق الأرض تعلم العمال أن الاتحاد هو قوتهم الوحيدة لمواجهة جبروت الإدارة الاستعمارية التي كانت تمارس سلطة مطلقة تشبه سلطة الدولة داخل الدولة.
وتعتبر أحداث مارس 1937 في المتلوي والمظيلة المنعرج الدموي الحاسم في ذاكرة الحوض المنجمي حيث سقط الشهداء برصاص القوات الفرنسية لمجرد مطالبتم بحقوق مهنية بسيطة وباعتراف نقابي.
تلك الدماء التي روت تراب المنطقة لم تذهب سدى بل كانت الوقود الذي أشعل جذوة النضال الوطني في الجنوب التونسي بأكمله وحولت العامل من مجرد بروليتاري يبحث عن رغيف الخبز إلى فاعل سياسي يطالب بالسيادة والكرامة. الميزة الأساسية للحوض المنجمي هي هذه القدرة الفائقة على تحويل المعاناة اليومية إلى فعل نضالي منظم وهو ما جعل السلطات الاستعمارية واللاحقة لها تتعامل مع المنطقة بكثير من الحذر والتوجس الأمني.
بعد الاستقلال في عام 1956 استبشر سكان الحوض المنجمي خيرا بالدولة الوطنية الجديدة وتوقعوا أن تنتهي حقبة الاستغلال والتبعية لكن المنطق الذي حكم الاقتصاد التونسي ظل متمسكا بالنمط الاستخراجي الريعي.
ورغم تأميم الشركة تدريجيا لتصبح شركة فسفاط قفصة مؤسسة وطنية تابعة للدولة إلا أن العلاقة بين المركز والهامش ظلت علاقة قائمة على استنزاف الثروة دون رد الجميل للمنطقة التي تعاني من الفقر والتهميش البيئي.
وفي فترة الثمانينيات بدأت الأزمة تتفاقم مع توجه الدولة نحو مكننة المناجم والانتقال من الاستخراج الباطني الذي كان يشغل آلاف العمال إلى الاستخراج السطحي عبر المقاطع الكبرى التي تعتمد على الآلات العملاقة والتقنيات الحديثة. هذا التحول التقني أدى إلى تسريح آلاف العمال وإغلاق باب الانتداب أمام الأجيال الجديدة من الشباب الحامل للشهادات مما خلق جيشا من المعطلين عن العمل في مدن لا تمتلك أي بدائل اقتصادية غير الفسفاط.
تحولت الكبانية التي كانت توفر السكن والرعاية الصحية والمواد الغذائية إلى مجرد شركة تجارية تبحث عن التوازنات المالية مما أدى إلى انهيار العقد الاجتماعي غير المكتوب بين سكان المنطقة والدولة لتبدأ مرحلة جديدة من الاحتجاجات السوسيولوجية التي بلغت ذروتها في انتفاضة عام 2008.
إن انتفاضة الحوض المنجمي في عام 2008 لم تكن مجرد رد فعل على نتائج مناظرة مشبوهة بل كانت انفجارا لبركان من المظالم المتراكمة عبر عقود من التهميش المتعمد.
شهدت مدن الرديف والمتلوي وأم العرائس والمظيلة مواجهات بطولية قادها الشباب المعطل عن العمل بدعم من عائلاتهم ومن النساء اللواتي خرجن في مسيرات الكرامة ليعلنوا للعالم أن الفسفاط ملك لمن يعيشون فوقه وليس لمن ينهبونه في العاصمة.
كانت تلك الانتفاضة بروفة حقيقية للثورة التونسية اللاحقة حيث تكسرت فيها حاجز الخوف وبرزت فيها أشكال جديدة من التنظيم الشعبي مثل التنسيقيات والاعتصامات فوق السكك الحديدية لتعطيل قطارات الفسفاط التي أصبحت رمزا للنهب المنظم.
ومن المثير للانتباه سوسيولوجيا في هذه الحركة هو دور المرأة المنجمية التي كانت دائما السند الخفي للرجل في الداموس والآن أصبحت في الصفوف الأمامية للمواجهة مما يعكس تحولا في البنية العقلية والاجتماعية للمنطقة التي بدأت تتحرر من بعض القيود المحافظة لفائدة الفعل النضالي المشترك.
بالتوازي مع الأزمة الاجتماعية تبرز الكارثة البيئية كأحد أكبر التحديات التي تواجه الحوض المنجمي في الوقت الراهن فعمليات غسل الفسفاط تستنزف الموائد المائية العميقة وتتسبب في جفاف الواحات التاريخية التي كانت تمثل التوازن البيئي والغذائي للمنطقة.
كما أن الغبار المنبعث من وحدات الإنتاج والمواد الكيميائية المستعملة أدت إلى انتشار أمراض تنفسية وجلدية خطيرة بين السكان وتفشي ظاهرة تسوس الأسنان الفليوري الناتجة عن تلوث المياه.
يعيش المواطن في قفصة مفارقة مؤلمة فهو يسكن فوق أرض تدر المليارات على خزينة الدولة لكنه لا يجني منها سوى الأمراض والفقر والبيئة المحطمة.
هذه البرادوكسا المنجمية هي التي تغذي الشعور بالظلم الجهوي وتجعل من الحوض المنجمي منطقة توتر دائم لا يمكن تهدئتها بالحلول الأمنية أو الوعود الواهية بل تتطلب رؤية تنموية شاملة تقطع مع المنطق الاستخراجي الاستعماري وتؤسس لعدالة بيئية واجتماعية حقيقية تعيد الاعتبار للإنسان قبل المادة الخام.
عندما ننظر إلى الإنتاج الفكري والمؤرخي الذي تناول المنطقة نجد جهودا قيمة لمؤرخين مثل محمد لطفي الشايبي ونور الدين الدوقي وحفيظ الطبابي الذين حاولوا توثيق الذاكرة العمالية والنقابية بعيدا عن الروايات الرسمية الممجدة للدولة.
ركزت هذه الدراسات على إبراز الخصوصية الثقافية للحوض المنجمي بوصفه فضاء للمقاومة والابتكار الشعبي حيث تشكلت لغة خاصة وأغان شعبية نابعة من رحم المعاناة تعبر عن الرفض والتمرد.
المحافظة على هذا التراث المنجمي المادي واللامادي تعتبر معركة وجودية للسكان الذين يسعون اليوم لتحويل المناجم القديمة إلى متاحف ومزارات سياحية ثقافية تحفظ كرامة الأجداد وتفتح آفاقا جديدة للأحفاد.
الحوض المنجمي ليس مجرد حفر في الأرض بل هو تاريخ من الصمود وذاكرة حية لا تزال قادرة على إلهام التحركات الاجتماعية في تونس والمنطقة العربية بأكملها لأنها تختصر قصة الصراع الأزلي بين إرادة الشعوب وجشع الرأسمالية العابرة للحدود.
ملامح المستقبل في الحوض المنجمي تظل رهينة القدرة على تجاوز النموذج التنموي الحالي الذي أثبت فشله الذريع فالدولة التونسية مطالبة اليوم بالاعتراف بالدين التاريخي الذي في ذمتها تجاه هذه المنطقة والبدء في تنفيذ مشاريع تنموية بديلة تخلق مواطن شغل خارج دائرة الفسفاط.
يجب العمل على تثمين الموارد الطبيعية الأخرى وتشجيع المبادرات الشبابية في مجالات التكنولوجيا والفلاحة المستدامة والسياحة البديلة لكسر التبعية المطلقة للشركة المنجمية.
الهوية النضالية المتجذرة في نفوس أبناء الحوض المنجمي ليست عائقا أمام التطور بل هي طاقة خلاقة يمكن استثمارها في بناء مجتمع محلي فاعل ومسؤول قادر على إدارة شؤونه بنفسه بعيدا عن الوصاية المركزية الخانقة.
الدرس الذي قدمه الحوض المنجمي عبر قرن من الزمان هو أن الثروة الحقيقية لأي أمة ليست في باطن أرضها بل في سواعد رجالها ونسائها وعزيمتهم على نيل حقوقهم كاملة دون نقصان.
الحوض المنجمي هو مرآة عاكسة لتناقضات الدولة التونسية الحديثة ولصراعات الهوية والطبقة والجهة.
إنه فضاء شهد ولادة الحداثة الصناعية في أبشع صورها الاستعمارية لكنه شهد أيضا ولادة أعظم حركات التحرر والوعي العمالي.
سيظل الحوض المنجمي قلعة للنضال ومدرسة في التضامن الإنساني العابر للحدود وقصة ملحمية عن إنسان رفض أن يكون مجرد أداة إنتاج وقرر أن يكتب تاريخه الخاص بمداد من العرق والدم والكرامة.
فهم الحوض المنجمي هو المفتاح لفهم التحولات الكبرى في تونس وهو الضمانة لعدم تكرار أخطاء الماضي في بناء مستقبل تسوده العدالة والمساواة بين كل جهات البلاد وأبنائها دون تمييز أو إقصاء.
قصة الفسفاط في تونس هي في حقيقتها قصة البحث عن الحرية والكرامة الإنسانية في عالم لا يعترف إلا بالقوة والمال وهي معركة لم تنته بعد بل تتجدد مع كل جيل يولد على هذه الأرض الطيبة والمعطاء.
إن الروح التي تسري في مدن الحوض المنجمي اليوم هي روح تتطلع للغد بكثير من الأمل الممزوج بالحذر حيث يدرك الجميع أن الطريق نحو التنمية الحقيقية لا يزال طويلا وشاقا.
لكن الإرث الذي تركه الرواد من عمال المناجم والنقابيين يظل البوصلة التي تهدي الأجيال نحو التمسك بالحقوق والذود عن حياض الوطن والجهة.
الحوض المنجمي بماضيه العريق وحاضره المثقل بالتحديات يظل أيقونة تونسية بامتياز وجزءا لا يتجزأ من الشخصية الوطنية التي ترفض الضيم وتأبى الانكسار مهما بلغت التضحيات.
هكذا كان الحوض المنجمي وهكذا سيبقى منارة للنضال ورمزا للوفاء للأرض والإنسان وتاريخا حيا يكتبه الأحرار بجباههم العالية وسواعدهم المفتولة في وجه كل أنواع الاستغلال والتهميش.
استحضار تاريخ هذه المنطقة هو فعل مقاومة ضد النسيان وهو تكريم لكل أولئك الذين قضوا في أعماق الأرض من أجل أن تحيا تونس حرة مستقلة ومنيعة أبد الدهر.
تعليق على مقال