بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الإنفجار السكاني

2026-04-03 23 قراءة مختلفات د. ضرغام عبد الله الدباغ
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الإنفجار السكاني
الصور من اليمين: بوفسور د. غيرد كيك -د. هانز أولريش فالتر

خلال مناقشة مع أستاذي المشرف (في مرحلة الدكتوراه) ) البروفسور د. غيرد كيك/ (Prof. Dr. Gerd Kück وهو أحد أهم الخبراء الألمان في مجال العلاقات الدولية، حول موضوعة هي في الواقع من أعقد مشكلات التنمية في بلدان العالم الثالث، وفي أقطارنا العربية، وبشكل خاص في جمهورية مصر العربية، وهي التزايد السكاني، أو ما يطلق عليها (القنبلة الديموغرافية).

بدأنا المناقشة بالتأكيد على أن التضخم السكاني هو أحد مشكلات البلدان النامية وبالتأكيد من المعوقات الأساسية لعملية التنمية. إذ أن التنمية بالكاد تتقدم بنسب ضعيفة، تقابلها زيادات سنوية في السكان بنسب عالية، وتلتهم الزيادة السكانية الجزء الأكبر من الزيادة في الدخل القومي (أو تكاد) يضاف إلى ذلك تزايد حاجات الإنسان المعاصر مما يصنف كحاجات أساسية، وهذه المعدلات التي تضيف وتساهم في مشكلات التنمية ومعوقاتها وتعرقل خطط التنمية التي تواجه مشكلات عديدة أخرى. وقدمت في مداخلتي وتعزيزاً للموقف العلمي معطيات مادية وإحصاءات، وأرقام.

وكان لأستاذي رأي آخر، وهو الأكثر شمولاً وعمقاً وبالتالي الأصح، وهو ما معناه : أن معوقات عملية التنمية هي حزمة لا يمكن تفكيكها وعزل التأثيرات المتبادلة لعناصرها السلبية عن بعضها، تتلاحم فيها معطيات كثيرة تلاحماً يصعب فك ارتباط عناصره وعوامله، وتشابكه من الجذور العميقة وأحياناً الدفينة، وحتى الظواهر السطحية. والموقف السكاني لا يعني فقط الزيادة أو النقصان في عدد السكان، بل وأيضاً في الفجوات والتفاوت في الفئات العمرية بسبب الأوبئة والأمراض الفتاكة ووفيات الأطفال، والمجاعات والحروب، والحروب الأهلية ... والهجرات ..الخ، وهو شأن له علاقة وثيقة ومنطقية بالتطور السياسي / الاقتصادي / الثقافي لأي بلد، كما ينبغي الأشارة بأهتمام، إلى تضاعف ما يعتبر من الحاجات الأساسية، كالهواتف النقالة، والتلفاز، والحواسب، ومكيفات الطقس، وطائفة من الالكترونيات الهامة، التي أصبحت جزءاً أساسياً في حياة الناس.

وبهذا المعنى فإن مخلفات العهود التي فقد فيها بلد ما استقلاله وخياراته الوطنية، وتعرض للاستعمار، والأنظمة الاستعمارية، سوف تتواصل لعقود مقبلة، وبدرجة مسايرته الحالية لسياسات الدول الإمبريالية التي لا يهمها أن يعالج البلد النامي مشكلاته، وحيث تتوفر مثل هذه الشروط، ستجد فيها متلازمات: الفقر والمرض والجهل، ولهذا الثلاثي المدمر فروعه وتشعباته.

نعم نحن متفقون أن الانفجار السكاني يعني عدم سيطرة الدولة (الأجهزة الاجتماعية) على حجم الزيادة السنوية للسكان، هو مشكلة بل ومشكلة كبيرة، ولابد من وضع تصور دقيق للزيادة في السكان أو بالاحرى للموقف السكاني برمته، ووضع برامج صارمة، وإلا فإن في ترك الأمور سائبة بلا ضوابط، ستؤدي إلى تفاقم هذه المشكلة بما ينذر بمخاطر كبيرة. فاختلال التوازن في معادلة: السكان ــ الموارد، له علاقة وثيقة بالتنمية الاقتصادية وبسائر فقرات التقدم الاجتماعي من خدمات أساسية (صحة / سكن / تعليم / مواصلات ..الخ) لها تأثيرها البالغ على عملية التنمية.

فإذا اقترضنا مثلاً أن النمو السكاني هو بمعدل 3%، ففي هذه الحالة ينبغي أن يكون معدل التنمية الاقتصادية لا يقل عن 9% من أجل تحقيق تقدم يستوعب المواليد / القادمين الجدد. وإذا حدث اختلال في هذه المعادلة (نمو سكاني ــ نمو اقتصادي) فإن آثار هذا الخلل سينعكس بوضوح ليس في حقل الخدمات الأساسية التي نوهنا عنها (صحة / سكن، تعليم، مواصلات ..الخ)، فحسب بل في سائر فروع الاقتصاد والمجتمع.

فالجهل مثلاً يقود إلى زيادة غير مرغوب بها للسكان، وتشير معطيات الأمم المتحدة، أن جهل السكان يقود كمثال: إن 1 % فقط من النساء في الصومال و 14 % من النساء في إثيوبيا يستعملن وسائل لمنع الحمل، ناهيك عن ضعف الوعي الطبي والثقافي / الاجتماعي في إدراك المخاطر الناجمة عن الزيادات في الولادات بما يتجاوز المعدلات المقبولة.

ومن النتائج الوخيمة التي يقود لها الانفجار السكاني بالتناغم مع الأزمات السياسية والفقر العام، إلى هجرة العقول من بلدانها الأم، والالتجاء إلى دول متقدمة التي تكسب في هذه الحالة كوادر علمية متعلمة متأهبة، فيما تتكبد البلدان النامية في ذلك خسائر فادحة تتجاوز كثيراً الخسائر المالية، إلى خسارة الأفراد رفيعي المستوى العلمي، لذلك نشهد بين الحين والآخر أن شخصيات عربية أو إسلامية تحتل مواقع متقدمة في بلدان المهجر سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، تقدم منجزات باهرة في البلدان التي التجأوا لها، وخسرتهم شعوبهم، لأسباب عديدة،(منها بالطبع مستوى الحريات السياسية والإنسانية) هذا ما نقصده بحزمة المسببات أو المعطيات.

في محاضرة ومناقشة قيمة أستطاع أستاذي البروفسور دكتور كيك، ومساعده الدكتور(البروفسور فيما بعد) هانز أولريش فالتر أن يفكا الاشتباك في فكري، بين الانفجار السكاني كظاهرة محلية، وبين حذرها الاستعماري / الإمبريالي. لم نكن مختلفان في أن الزيادة السكانية قد تمثل أحياناً كارثة، ولكن رؤية أساتذتي كانت أكثر شمولاً وأكثر عمقاً. ومثل هذه المواقف قد تصادفنا غالباً في الحياة، أن نتفق على تشخيص حالة معينة، ولكن التفاوت في الآراء هو في الحلول، ويمكن بمناقشات علمية مستفيضة أن نتفق على دمج الخطط والحلول وبذلك نصل إلى النتيجة المطلوبة. الأمر المطلوب معالجته هو كمريض تحت الفحص والتشخيص، نتفق ونتأكد من العلة (المرض) والآن لنبحث كيف العلاج، فهناك من يعتقد أن نعالج فوراً بالحلول الجذرية، ورأي آخر يعتقد بعلاج تدريجي، النظريات متعددة، ويمكن التوصل من خلال مناقشات ومباحثات صادقة ومخلصة التوصل إلى الحل المثالي الأفضل. ومثل هذه الأفكار يمكن أيضاً الاستهداء بها في الشؤون السياسية، إذا تخلينا عن التخندق في المصالح الحزبية، والتشبث بالأراء ...!

الانفجار السكاني أسبابه وتداعياته ونتائجه الحالية والمستقبلية، موضوع مهم، وقد حاولنا هنا المرور سريعاً نرجو أن يكون مفيداً ومفهوماً، وفي ذلك عبرة أسوقها للقراء لتشجيع روح الرؤية العلمية، والمناقشات المخلصة الهادفة للتوصل إلى نتيجة ..

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال