المسلمون السنة هم الأمة التي ورد ذكرها في القرآن والسنة، والمعنية بكلام العلماء منذ البعثة المحمدية، هي الجسم وعلى أطرافها فرَق تبتعد أو تقترب منها في العقائد والانتماء لدين الله، كالخوارج والشيعة والمعتزلة، وأهل السنة هم العمود الفقري للخلافة الإسلامية في جميع أدوارها، هم حماة العقيدة والفاتحون والدعاة إلى الله، وقد انفرط عقدهم وسرى إليهم داء الفرقة والتنازع والتراجع مع إلغاء الخلافة العثمانية التي كانت آخر مظلة يستظلون بها كأمة واحدة رغم ما آلت إيه تلك الخلافة من ضعف وعجز، وإنما جاءت القاصمة عبر اتفاقيات سيكس – بيكو المشؤومة التي ألغت مفهوم الأمة من الناحية العضوية وأحالتها إلى مفهوم عاطفي تتولى الأيام إفراغه من أي معنى واقعي حي وذلك من خلال التركيز الثقافي والسياسي والوجداني على مفهوم "الدولة القومية" الذي حل محل الأمة في ظل سلطة العلمانية على الحياة، حتى وصلنا مرحلة متقدمة من الجاهلية تتمثل في تقديس الدولة القومية وحدود سيكس – بيكو ورموزها إلى حد التنصل من الانتماء للأمة بمفهومها الإسلامي الأصيل...في هذه الجواء فقدَ أهل السنة معظم المعالم التي تهديهم وتحميهم من التخبط والتيه، بداءا بالنظام السياسي وانتهاء بعلماء الدين، فقد تبنت أنظمة ما بعد الاستقلال العلمانية صراحة أو ضمنا فلم يبق للأمة الحاكم الذي يقود سياسة "تحمي الدين وتسوس الناس بالقرآن والسنة" كما كان الأمر منذ البعثة، وحدث افتراق السياسة عن الدين والسلطان عن القرآن، وبقي للأمة ملاذ واحد هو علماء الدين، وهنا تكمن مشكلة أهل السنة المؤرقة، فقد انعكست العلمنة على الحياة الدينية، وحشرتها في زاوية العبادات الفردية والسير في خط السلطة الحاكمة، فضاعت المكانة المركزية التي كان يحظى بها العلماء رسميا وشعبيا، وأذكر مثاليْن من التاريخ البعيد و القريب: فقد ذكروا أن هارون الرشيد رحمه الله خرج في موكبه المهيب يجوب شوارع بغداد، واجتمع عليه الناس، لكن فجأة بدأ الناس يتسللون من الشوارع حتى لم يبق منهم أحد، فسألت امه – الخيزران – عن سبب انسحاب الناس فقيل لها إنهم ذهبوا لاستقبال عبد الله بن المبارك بعد أن سرى خبر دخوله بغداد، فقالت لابنها "هذا هو الخيفة حقا"...أما في الدولة العثمانية فقد كان "شيخ الإسلام" – وهو مفتي الدولة – الشخصية الثانية بعد السلطان، لهذا كان العلماء منارات تهدي ومصابيح تضيء، مع العلمنة ذهب كل هذا وأصبح معظم علماء الدين موظفين لدى السلطة، أو مطاردين مكانهم السجن أو المنفى، هذا بينما لدى الشيعة مراجع روحية وسياسية لا يبرم أمر إلا على أيديهم، وللكاثوليك كنيسة مهيكلة يرأسها بابا برتبة رئيس دولة... بعد المرجعية السياسية الجامعة ذهبت عن أهل السنة المرجعية الدينية الفكرية الروحية التي تسندهم، ونتج عن هذا انتقال كثير من العلماء إلى طبقة من رجال دين تحت تصرف المنظومة العلمانية، يبلغ بهم الأمر حد تحريف الكلم عن مواضعه، وطمس الحقائق وقلبُها لتناسب هذه المنظومة ولو خالفت القطعيات وخانت الأمة... لقد رأينا شيوخا مأجورين وقفوا في وجه طوفان الأقصى بكل قوة وعملوا على تشويهه، لا يتحدثون عن أفعال العدو الشنيعة بل يركزون على أخطاء الدعاة والمجاهدين، فإن لم يجدوا لها أثرا اختلقوها، لا تبينون للناس شر اليهود (والأمريكان) وجرائمهم وضلالهم العقدي وسلوكهم القبيح مع الأنبياء، ولا عن تقتيل اليهود للمسلمين العزل منذ 80 سنة، وجرف الأراضي الفلسطينية، وهدم البيوت، وعشرات الآلاف من السجناء فيهم أطفال ونساء، ولا يشيرون إلى حكم الخونة الذين باعوا فلسطين وقضايا الأمة، وتآمروا على الإسلام، وتعاونوا مع العدو، يرددون رواية اليهود، ويروجونها كأنها حق وصدق، فيعملون على كسر شوكة الصامدين، كل هذا تماشيا مع رغبات العلمانية، ولم تبق إلا بقية صالحة تحسن خطاب التنوير، وتحرير العقول من الخرافات الثقافية والسياسية، وهذه هي مهمة العلماء الربانيين: تحريك الإيمان البارد الذي يتأقلم مع الاستبداد والفساد، والمساهمة في تنشئة جيل الصعود بدل جيل الهبوط، ومحاربة عقلية القطيع التي يروجها الإعلام والخطاب الديني المحرف.
إن العلماء العاملين يقدمون القرآن الكريم مرتبطا بالوعي والشعور بالانتماء للأمة بمعناها الشرعي الأصيل، وبهذا يجعلوننا نصد الهجوم الحضاري الضاري الذي يستهدفنا، كما ينيرون لنا الطريق في زمن الفتن الذي تذر الحليم حيرانا، كتلك التي تهبّ علينا في هذا الزمان كقطع الليل المظلم، يلتبس فيها الحق بالباطل تارة، ويتبرج فيها الباطل تبرجا سافرا أحيانا أخرى حتى ليكاد يطمس معالم الحق، ولا يقدر على تثبيت المؤمنين إلا علماء الدين الرساليون، هذا إلى أن تعود خلاقةُ على منهج النبوة...فما تنتهي غربة أهل السنة؟
عبد العزيز كحيل
غربة أهل السنة
2026-03-31
21 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال