بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

النفايات في تونس بين الإدارة المجزأة والاقتصاد الدائري: دراسة استقصائية للواقع وتحليل استراتيجي لمشروع وطني للرسكلة والتثمين

2026-03-31 135 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
النفايات في تونس بين الإدارة المجزأة والاقتصاد الدائري: دراسة استقصائية للواقع وتحليل استراتيجي لمشروع وطني للرسكلة والتثمين
تونس تواجه أزمة بيئية متعددة الأوجه في قطاع النفايات حيث ينتج سنويا حوالي 3.3 مليون طن من النفايات المنزلية وحدها بمعدل فردي يتراوح بين 800 غرام و كيلوغرام يوميا.
ورغم وجود إطار مؤسسي متكامل نظريا فإن الفجوة بين السياسات المعلنة والواقع الميداني تتسع مع استمرار اعتماد منظومة الجمع والنقل على 3420 آلية فقط واقتصار المعالجة الفعلية على 17 مصبا مراقبا تستقبل 2.8 مليون طن سنويا. تكشف المعطيات أن 75 بالمائة من المياه المستعملة لا تخضع للمعالجة الثلاثية و80 بالمائة من الانبعاثات الغازية الصناعية دون مراقبة مع تمركز خطير لـ80 بالمائة من الأنشطة الصناعية على الشريط الساحلي دون شبكات فعالة للمعالجة. في المقابل تسعى الحكومة عبر الاستراتيجية الوطنية للحد من النفايات وتثمينها للفترة 2025-2030 إلى الانتقال نحو الاقتصاد الدائري مع إطلاق مشاريع كبرى لإنتاج البيوغاز والتسميد ورسكلة نفايات البناء.

تتوزع مسؤولية التصرف في النفايات بين عدة أطراف مما يخلق تداخلا في الصلاحيات وضعفا في التنسيق. وزارة البيئة مسؤولة عن رسم السياسات والاستراتيجيات وقبول النفايات وتحويلها إلى المصبات المراقبة لكنها تعاني محدودية الصلاحيات التنفيذية وغياب آليات الرقابة الفعلية. أما الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات فمكلفة بتسيير المصبات المراقبة البالغ عددها 11 مصبا وتنفيذ البرامج الوطنية لكنها تعاني نقصا في الموارد المالية والبشرية. وزارة الداخلية والبلديات مسؤولة عن جمع النفايات ونقلها عبر 3420 آلية وتسيير 6 مصبات بلدية لكنها تواجه ضعف الأسطول وتداخل الصلاحيات مع الوزارات الأخرى. ديوان التطهير مكلف بمعالجة مياه الصرف الصحي وتسيير محطات التطهير لكن 25 محطة فقط تعمل بالمعالجة الثنائية من أصل 125. أما وكالة حماية الشريط الساحلي فقد انتقدها رئيس الجمهورية لعدم قيامها بدورها رغم توفر الاعتمادات.

شهدت الفترة الأخيرة حراكا سياسيا لافتا في ملف البيئة حيث عقد مجلس وزاري مضيق في 3 مارس 2025 برئاسة رئيس الحكومة خصص للاستراتيجية الوطنية للحد من النفايات وتثمينها مع التأكيد على تنزيل أحكام الفصل 47 من الدستور الذي يضمن الحق في بيئة سليمة والانتقال من منطق التصرف في النفايات إلى منطق الاقتصاد الدائري وإرساء المسؤولية الموسعة للمنتجين ضمن النصوص القانونية. كما انتقد رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة الأداء البيئي واصفا تلوث الشريط الساحلي بالجريمة في حق الشعب التونسي داعيا إلى حذف الوكالات غير الناجعة وإعادة توجيه الاعتمادات.

في الجانب الكمي تتنوع مكونات النفايات التونسية حيث تبلغ النفايات المنزلية والمشابهة 3.3 مليون طن سنويا بينما يصل استهلاك الأكياس البلاستيكية إلى 4.2 مليار كيس سنويا أي ما بين 350 و400 كيس للفرد والإنتاج المحلي من المواد البلاستيكية يبلغ 320 ألف طن لكن نسبة التدوير لا تتجاوز 4 بالمائة فقط فيما يسجل التلوث البلاستيكي وجود 8 أطنان من النفايات البلاستيكية في كل كيلومتر من السواحل. أما بالنسبة للنفايات السائلة فتبلغ كميتها السنوية 276 مليون متر مكعب ونسبة عدم المعالجة تصل إلى 75 بالمائة حيث لا تخضع للمعالجة الثلاثية فيما لا تتجاوز نسبة إعادة استخدام المياه المعالجة 7 بالمائة فقط. وفي النفايات الصناعية والغازية فإن 80 بالمائة من الانبعاثات الغازية لا تخضع للمراقبة و80 بالمائة من الأنشطة الصناعية متركزة قرب الشريط الساحلي و16 من أصل 26 محطة تطهير صناعي تصب مياهها مباشرة في البحر.

تعتمد تونس على 17 مصبا مراقبا فقط على كامل التراب الوطني منها 11 مصبا تابعا للوكالة الوطنية للتصرف في النفايات و6 مصبات تابعة للبلديات وتستقبل هذه المصبات 2.8 مليون طن سنويا أي ما يعادل 85 بالمائة من الإنتاج السنوي. لكن ولايتي الكاف وسليانة لا توجد بهما مصبات مراقبة حيث يجري العمل على مصب مشترك مع تقدم الدراسات بنسبة 90 بالمائة للدراسة الجيوتقنية و70 بالمائة لدراسة الجدوى. إلى جانب المصبات المراقبة توجد المصبات العشوائية التي تمثل تحديا كبيرا حيث تستخدم فيها طريقتي الحرق والردم العشوائي مما يسبب تلوث التربة والمياه الجوفية وانبعاث غازات الدفيئة والروائح الكريهة وتهديد الصحة العامة. ومن أبرز الملوثات الناتجة عن المصبات مادة الليكسيفيا التي تتسرب وتلوث الأراضي الفلاحية والمحيط البيئي والانبعاثات الغازية من الميثان وثاني أكسيد الكربون والحرق العشوائي الذي يطلق مواد سامة في الهواء.

توجد فجوة كبيرة في التعامل مع النفايات الخطرة التي تنقسم إلى عدة أنواع لم تحظ بالتفصيل الكافي. فالنفايات الطبية تبلغ 18 ألف طن سنويا منها 8 آلاف طن تعتبر سامة وخطرة والنفايات الكيميائية تشمل مخلفات صناعية ومبيدات وزيوت مستعملة وتفتقر إلى إحصاءات دقيقة بسبب ضعف التصريح والنفايات الإلكترونية كمياتها متزايدة سنويا دون معالجة مخصصة والنفايات الصناعية الخاصة تتركز في قابس والحوض المنجمي وخليج المنستير. ويعتبر مركز جرادوا المنشأة الوحيدة المتخصصة في معالجة النفايات الصناعية والخاصة في تونس وقد وقع إغلاقه إبان ثورة 2011 ومنذ ذلك الحين لا توجد منشأة بديلة لمعالجة النفايات الخطرة بينما تقوم 7 شركات مسؤولة عن جمع النفايات الطبية بنقل 12 ألف طن سنويا وردمها في مكبات غير مراقبة دون فرز أو تحييد للخطر. كما تفتقر تونس إلى نص تشريعي شامل ينظم إدارة النفايات الخطرة بكل أنواعها وإلى آليات رقابية فعالة على نقل ومعالجة هذه النفايات.

تتضاعف الأزمة البيئية مع أزمة النفايات البلاستيكية البحرية حيث كشفت دراسة ألمانية صادرة عام 2024 أن كمية النفايات البلاستيكية المتسربة إلى البحر بين 2021 و2024 بلغت 17 ألف طن وأن نسبة البلاستيك من إجمالي نفايات الشواطئ تتراوح بين 54 و70 بالمائة مع تضاعف الكميات السنوية مقارنة بعام 2016. وانطلقت المرحلة الأولى من استراتيجية ساحل خال من البلاستيك الممولة من البنك الدولي عبر صندوق PROBLUE عام 2020 ومن المقرر أن تنتهي عام 2035 لكن وثائق المشروع الصادرة عام 2024 تكشف تأخرا في تنفيذ الإجراءات المعلنة وغياب معطيات واضحة حول الخطوات التي كان مفترض البدء بها واعتمادا كليا على منحة البنك الدولي دون آليات تمويل وطنية مستدامة وغياب مؤشرات قياس التقدم. وفي صفاقس حيث تتركز الأنشطة الصناعية يعاني أكثر من 35 ألف صياد من تداعيات التلوث حيث يقول أحد الصيادين إن التلوث يقلل من مداخيل الصيد ويقتطع من دخل البحارة عموما ويلقي بهم في أزمة مالية خانقة مضيفا أن البحارة لم يسمعوا فعليا عن أي مشروع جاد لمعالجة هذه الأزمة.

يحمل التلوث أبعادا صحية واقتصادية خطيرة فوفق معطيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تتسبب الجسيمات الدقيقة المنبعثة من المصانع في وفاة 6000 شخص سنويا بسبب تلوث الهواء وتكلفة العلاج الناجمة عن التلوث تبلغ 500 مليون دينار سنويا. كما تسبب تلوث المياه والتربة في تراجع الإنتاج الفلاحي بنسبة 15 بالمائة خلال السنوات العشر الماضية بسبب استخدام المياه الملوثة. ولا تتجاوز نسبة الربط بشبكات الصرف الصحي 61.9 بالمائة على المستوى الوطني مما يعني أن حوالي 4.5 مليون تونسي لا يتمتعون بهذا الحق الأساسي مع ما يعنيه ذلك من صعوبات في تصريف المياه المستعملة وانتشار التلوث والحشرات والروائح الكريهة.

شهدت الفترة التشريعية الأخيرة تطورات مهمة ففي 10 جويلية 2025 تم تقديم مقترح قانون لتجريم رمي الفضلات في الأماكن العامة يصنف المخالفات إلى ثلاث مستويات. المخالفات البسيطة كرمي السجائر أو المناديل الورقية يعاقب عليها بغرامة تتراوح بين 100 و300 دينار أو المشاركة في حملات النظافة والمخالفات المتوسطة كإخراج الفضلات خارج التوقيت المحدد يعاقب عليها بغرامة بين 300 و1000 دينار والمخالفات الخطيرة كرمي النفايات الصناعية أو الطبية أو فضلات البناء عشوائيا يعاقب عليها بغرامة بين 2000 و5000 دينار وعقوبات سجنية تتراوح بين شهر و6 أشهر. كما أعلنت وزارة البيئة في 3 مارس 2026 عن الانطلاق الرسمي في مرحلة الانتفاع بخط تمويل بقيمة 20 مليون دينار على موارد صندوق مقاومة التلوث ويقدم قروضا استثمارية متوسطة وطويلة المدى بشروط ميسرة بنسبة فائدة تساوي نسبة الفائدة في السوق النقدية ومدة سداد تصل إلى 10 سنوات مع فترة إمهال بـ3 سنوات وبحد أقصى 500 ألف دينار لكل مؤسسة ويستهدف الباعثين الشبان والمؤسسات والشركات الأهلية بمشاركة 8 بنوك تونسية.

تمثل إمكانيات تثمين الطاقة من النفايات ثروة مهدررة فقد كشفت دراسة أعدتها الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة بالتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في أكتوبر 2025 أن إنتاج الكهرباء المحتمل سنويا من الفضلات يبلغ 10 آلاف جيغاواط ساعة أي ما يعادل 40 بالمائة من احتياجات تونس من الكهرباء وسعر شراء الكهرباء المنتجة من الغاز الحيوي محدد بـ307 مليم للكيلوواط ساعة فيما بلغ إنتاج تونس من الغاز الحيوي عام 2024 أكثر من 15 مليون متر مكعب. وتوجد حاليا مشاريع في سوسة وجربة لإنتاج الغاز الحيوي والكهرباء من الفضلات العضوية إضافة إلى 5 مشاريع لوحدات تخمير لا هوائي لإنتاج البيوغاز ومن المنتظر صدور نص تشريعي جديد قريبا لتنظيم إنتاج الوقود الصلب من النفايات. كما تمكن الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات سنويا ما بين 900 و1000 شاب من بعث مشاريع في مجالات الجمع والرسكلة والتثمين.

في نقد السياسات البيئية أكد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في بيان اليوم العالمي للبيئة في 5 جوان 2025 أن السياسة البيئية لتونس فشلت في معالجة أزمة النفايات في كامل السلسلة من الجمع والنقل والردم وأن اعتماد الدولة الكبير على الصناعات الاستخراجية كالفسفاط والنفط حول التلوث الصناعي إلى معضلة بيئية في المناطق المنكوبة مع عجز الدولة عن وضع حلول جذرية للتلوث وإلزام الشركات المصنعة بوقف نزيف التلوث في وقت تبقى فيه الترسانة القانونية كثيفة لكن التطبيق شبه غائب. ويقدر عدد المصبات المراقبة بـ13 مصبا فقط منها 4 مصبات مغلقة بطاقة استيعاب تناهز 1.8 مليون طن مقابل 3200 مصب عشوائي. والولايات الأكثر إنتاجا للنفايات هي ولاية تونس بـ13 بالمائة من المجموع الوطني ونحو 1 كغ يوميا للساكن الواحد وولاية نابل بـ257 ألف طن سنويا وولاية صفاقس بأكثر من 247 ألف طن سنويا.

لانطلاق مشروع وطني لرسكلة النفايات على كامل تراب الجمهورية تمتلك تونس اليوم إطارا استراتيجيا متكاملا يتمثل في الاستراتيجية الوطنية للحد من النفايات وتثمينها للفترة 2025-2030 التي تهدف إلى تقليل الردم بنسبة 54 بالمائة وإنشاء مراكز معالجة في 5 ولايات وإنتاج 15 بالمائة من الكهرباء من النفايات بحلول 2035 والاستراتيجية الوطنية للإدارة الدائرية الشاملة والقطاعية للنفايات للفترة 2035-2050 التي تستهدف الانتقال إلى نموذج صفر نفايات بحلول 2050. وقد أقر المجلس الوزاري المنعقد في 3 مارس 2025 حزمة من المشاريع الهيكلية تشمل 5 وحدات لمعالجة وتثمين النفايات المنزلية في صفاقس وجربة وسليانة والمهدية وقفصة ومراكز خضراء في البلديات لاستقبال وفرز النفايات ووحدات تخمير لا هوائي لإنتاج البيوغاز ووحدات تسميد للنفايات العضوية و5 مشاريع لجمع وتثمين البيوغاز من المصبات المراقبة مع ضخه في الشبكة الوطنية و5 وحدات لمعالجة نفايات الهدم والبناء ونصوص تنظيمية تلزم باستخدام نسب محددة من المواد المعاد تدويرها في مشاريع البناء والطرقات.

في مرحلة التأسيس والانطلاق خلال عام 2026 يتطلب المشروع الوطني تفعيل القيادة المؤسسية الموحدة من خلال إنشاء اللجنة الوطنية العليا للاقتصاد الدائري برئاسة رئيس الحكومة وتعزيز صلاحيات الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات وتزويدها بموارد بشرية ومالية كافية وتفعيل المرصد الوطني للنفايات وإنشاء قاعدة بيانات رقمية موحدة على المستوى الوطني ووضع عقود برامج بين الحكومة والبلديات لتحديد الأدوار والمسؤوليات. كما يتطلب تعبئة التمويلات من خلال الإسراع في صرف القروض من صندوق مقاومة التلوث بقيمة 20 مليون دينار وإعداد ملفات مشاريع متكاملة وجاهزة للتمويل من الشركاء الدوليين وتخصيص اعتماد سنوي بنسبة لا تقل عن 1 بالمائة من ميزانية الاستثمار العمومي للاقتصاد الأخضر وإصدار دليل المستثمر في القطاع قبل نهاية العام. كما ينبغي إطلاق مشاريع نموذجية سريعة تشمل استكمال وحدة سوسة لضخ البيوغاز في الشبكة الوطنية وإطلاق مشروع جربة النموذجي لتثمين النفايات العضوية في الوحدات الفندقية والمنازل وانطلاق 5 مشاريع جديدة لجمع البيوغاز من المصبات المراقبة وتجهيز المؤسسات الاستشفائية بأجهزة تعقيم النفايات الطبية قبل معالجتها.

في مرحلة التوسع الجهوي خلال عامي 2027 و2028 يجب تعميم مراكز الفرز الخضراء عبر إنشاء مراكز في 50 بلدية كبرى في المرحلة الأولى ثم توسيعها لتشمل جميع البلديات في المرحلة الثانية مع توفير حاويات متعددة الألوان ووحدات فرز أولي وفضاءات للتوعية والتحسيس. كما يجب إنجاز الوحدات الجهوية الكبرى وفق الجدول الزمني المحدد في الخطة الخماسية حيث تنجز وحدة صفاقس عام 2027 ووحدة جربة بين 2026 و2027 ووحدة سليانة المشتركة مع الكاف بين 2027 و2028 ووحدة المهدية عام 2028 ووحدة قفصة عام 2028. كما يتطلب تطوير سلاسل القيمة المتخصصة التركيز على ثلاثة قطاعات ذات أولوية هي البلاستيك لرفع نسبة التدوير من 4 بالمائة إلى 25 بالمائة بحلول 2030 من خلال تطبيق صارم لقانون منع الأكياس البلاستيكية وإنشاء وحدات غسل وتحبيب البلاستيك والنفايات العضوية التي تشكل أكثر من 60 بالمائة من النفايات المنزلية من خلال تعميم ثقافة الفرز من المصدر وإنشاء وحدات تسميد لامركزية في كل معتمدية لاستهداف إنتاج 100 ألف طن من السماد العضوي سنويا ونفايات البناء والهدم من خلال إنجاز 5 وحدات معالجة وإصدار نص قانوني يلزم باستخدام نسبة 15 بالمائة من المواد المعاد تدويرها في مشاريع البناء والطرقات العمومية.

في مرحلة التحول الهيكلي خلال عامي 2029 و2030 يتطلب المشروع إصلاح المنظومة القانونية والجبائية من خلال إصدار قانون الإطار للاقتصاد الدائري الذي يتضمن إلزام الفرز من المصدر والمسؤولية الموسعة للمنتجين وعقوبات رادعة للمخالفات البيئية وإصلاح النظام الجبائي بتوفير حوافز ضريبية للشركات الملتزمة بالتدوير وفرض ضريبة بيئية على المنتجات غير القابلة للتدوير وإعفاءات من الأداءات على معدات الرسكلة المستوردة. كما يتطلب دمج القطاع غير المنظم من خلال إحصاء شامل للعاملين في القطاع وتقديراتهم بأكثر من 50 ألف جامع وتكوينهم وتنظيمهم في تعاونيات أو شركات أهلية وتوفير معدات الحماية والفرز لهم وإدماجهم في النظام الوطني للضمان الاجتماعي. كما ينبغي تعزيز البحث والابتكار بدعم المركز الدولي لتكنولوجيا البيئة بتونس لنقل أحدث التقنيات وإحداث كرسي جامعي للاقتصاد الدائري في الجامعات التونسية وتمويل برامج بحث في تحويل النفايات إلى طاقة ومواد أولية.

على المستوى المحلي تقع على البلديات مسؤوليات أساسية تشمل تحديث أسطول آليات الجمع المكون من 3420 آلية حاليا مع إشراك القطاع الخاص في المناطق النائية وتوفير حاويات متعددة الألوان ومراقبة تطبيق الفرز من المصدر وإطلاق برامج تحسيسية محلية وإعداد ميثاق مواطني بيئي والتعاقد مع الشركات الأهلية والجمعيات لتنفيذ مشاريع محلية. أما المجتمع المدني والقطاع الخاص فدورهم يتمثل في مراقبة المصبات والتوعية والمشاركة في حملات النظافة من قبل الجمعيات البيئية وإنشاء مشاريع رسكلة صغيرة ومتوسطة وخلق مواطن شغل خضراء من قبل الشركات الأهلية وتحمل مسؤولية نفاياتهم والاستثمار في وحدات التدوير من قبل القطاع الخاص الصناعي.

في مجال التوعية والتحول الثقافي تم إقرار تعميم برنامج البصمة البيئية في جميع المدارس وإدراج مفاهيم الاقتصاد الدائري في المناهج التعليمية وتكوين أندية بيئية في المؤسسات التربوية. كما يتواصل العمل على تطوير تطبيقات رقمية تفاعلية لتوضيح مواقع الفرز والنقاط الخضراء وإطلاق حملات وطنية تحت شعار تونس نظيفة بلا نفايات وإعداد ميثاق وطني للمواطنة البيئية يحدد حقوق وواجبات المواطن.

لمتابعة التقدم تم تحديد مؤشرات كمية رئيسية تهدف إلى خفض نسبة الردم في المصبات من 85 بالمائة حاليا إلى 54 بالمائة بحلول 2030 وإلى أقل من 20 بالمائة بحلول 2050 ورفع نسبة تدوير البلاستيك من 4 بالمائة إلى 25 بالمائة ثم 60 بالمائة ورفع نسبة الكهرباء المنتجة من النفايات من صفر إلى 15 بالمائة ثم 30 بالمائة ورفع نسبة الفرز من المصدر من أقل من 5 بالمائة إلى 50 بالمائة ثم 90 بالمائة والقضاء على 3200 مصب عشوائي بشكل كامل. وتتولى وزارة البيئة رفع تقرير سنوي إلى مجلس الوزراء مع نشر بيانات المرصد الوطني بشكل دوري ومفتوح وإجراء تقييم مستقل من قبل خبراء دوليين كل 3 سنوات.

أزمة النفايات في تونس ليست مجرد مشكلة تقنية أو بنية تحتية بل هي أزمة متعددة الأبعاد تشمل بعدا صحيا يودي بحياة 6000 شخص سنويا ويكلف الخزينة 500 مليون دينار للعلاج وبعدا اجتماعيا حيث 4.5 مليون تونسي محرومون من الربط بشبكات الصرف الصحي وبعدا بيئيا بحريا حيث 17 ألف طن بلاستيك تتسرب للبحر في 3 سنوات فقط وبعدا اقتصاديا حيث 40 بالمائة من احتياجات الكهرباء يمكن تأمينها من النفايات وبعدا سياسيا حيث تبقى الترسانة القانونية كثيرة دون تطبيق واستراتيجيات ممولة دون تنفيذ. تمتلك تونس اليوم جميع المقومات للانطلاق في مشروع وطني طموح لرسكلة النفايات من إطار استراتيجي متكامل وقرارات حكومية جريئة وتمويلات متاحة ومشاريع نموذجية قيد الإنجاز. الرهان اليوم ليس في وضع الاستراتيجيات بل في الانتقال السريع من النصوص إلى التنفيذ مع تعبئة سياسية على أعلى مستوى وإشراك القطاع الخاص عبر حوافز حقيقية وتحول مجتمعي في سلوكيات المواطن ومتابعة صارمة للمشاريع والاعتمادات. إن تحدي صفر نفايات بحلول 2050 ليس طوباويا بل هو هدف استراتيجي يمكن تحقيقه إذا ما توافرت الإرادة السياسية والموارد اللازمة والمشاركة المجتمعية الفاعلة فتونس التي تنتج 3.3 مليون طن من النفايات سنويا تمتلك أيضا ثروة مهدرة يمكن أن تساهم في تلبية 40 بالمائة من احتياجاتها من الكهرباء وخلق عشرات الآلاف من مواطن الشغل الخضراء والطريق واضح والأدوات متوفرة والوقت حاسم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال