بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من الأسرة إلى المجرة — هندسة الوجود الإنساني( الجزء الاول )

2026-03-27 33 قراءة مقالات فكر حسام سعايدية
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
إننا حين نبحث عن بداية المشروع الحضاري السني، لا ينبغي لنا أن نرفع أبصارنا إلى القصور، ولا إلى المؤسسات، ولا إلى الضجيج السياسي، بل علينا أن نُخفض النظر قليلًا… لنكتشف أن البداية الحقيقية هناك، حيث يظن الناس أن الأمر عادي وبسيط: في لحظة اختيار رجل وامرأة لبعضهما.
هناك، في تلك اللحظة التي يراها الناس قرارًا شخصيًا، يبدأ في الحقيقة تاريخ أمة.
فالأسرة ليست نتيجة، بل هي بذرة. والبذرة، إن صلحت، حملت في داخلها شجرة كاملة، وإن فسدت، لم يُجدِ معها لاحقًا كل ماء العالم.
ومن هنا تأتي الوصية الأولى التي تُعيد تعريف الاختيار نفسه:
“إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه”.
تأملوا جيدًا…
لم يقل: إذا جاءكم من يملك المال.
لم يقل: إذا جاءكم من يملك الجاه.
لم يقل: إذا جاءكم من يُعجب الناس مظهره.
بل قال: “ترضون دينه وخلقه”.
كأن المعنى هنا يقول لنا:
لا تبحثوا عن الإنسان في جيبه…
ولا في صورته…
ولا في ما يراه الناس فيه…
بل ابحثوا عنه في ما لا يُرى.
في داخله.
في التزامه.
في صدقه.
في قدرته على أن يكون إنسانًا حين لا يراه أحد.
وهنا تبدأ الثورة الحقيقية:
ثورة على المظاهر،
ثورة على الاستعراض،
ثورة على تحويل الزواج إلى صفقة اجتماعية تُقاس بالمهور والأثاث، لا بالقيم والمعنى.
ثم تأتي الوصية الأخرى، وكأنها تُكمل المعنى الأول وتؤصله:
“فاظفر بذات الدين تربت يداك”.
“اظفر”…
ليست كلمة عادية. إنها دعوة إلى الوعي والاختيار العميق.
أن تُدرك أن ما تختاره اليوم، هو ما سيصنع أبناءك غدًا.
وأن ما تستهين به الآن، قد يكون سبب نهضتك… أو سقوطك.
“ذات الدين” هنا ليست مجرد امرأة تؤدي الطقوس، بل هي تلك التي تحمل في داخلها نسقًا من القيم.
امرأة ترى في الحياة معنى، لا مجرد رغبة.
ترى في الأسرة رسالة، لا مجرد سكن.
ترى في الأمومة مسؤولية، لا وظيفة اجتماعية.
وحين نربط بين هذين المعنيين، نكتشف شيئًا عظيمًا:
أن الإسلام لا يريد زواجًا شكليًا، بل يريد بداية حضارة.
لكن أين نحن من هذا الفهم؟
لقد حولنا الزواج إلى مناسبة للاستهلاك:
نقيس القيمة بالمهر،
نقيس النجاح بالمظاهر،
ونقيس الإنسان بما يملك، لا بما يكون.
حتى أصبحت الفتاة تُقيَّم كأنها سلعة…
والشاب يُقاس كأنه مشروع اقتصادي.
وهنا تضيع الحقيقة.
لأن الحضارة لا تُبنى على هذا المنطق،
بل تُبنى على منطق آخر:
منطق الإنسان القيمـي.
الإنسان الذي يحمل داخله القيم غير المرئية…
ذلك الإنسان الذي لا يُرى على السطح، لكنه يُرى في عمق سلوكه.
القيم التي لا تُصوَّر،
ولا تُعرض في وسائل الإعلام،
ولا تُقاس بالأرقام…
لكنها هي التي تُنتج كل شيء.
فالصدق الذي يتعلمه الطفل من والديه،
والأمانة التي يراها في بيته،
والرحمة التي يشعر بها في حضن أمه،
والعدل الذي يراه في معاملة أبيه…
كلها ليست دروسًا تُلقَّن،
بل بذور تُزرع.
وهذه البذور هي أولى باكورات تشرب أمانة الاستخلاف.
فالاستخلاف ليس خطابًا يُقال،
بل هو حالة تُعاش.
أن تشعر أن وجودك ليس عبثًا،
وأنك مسؤول عن كل ما تفعله،
وأنك لست حرًا بمعنى الفوضى،
بل حرًا بمعنى المسؤولية.
وهنا ندرك لماذا شدد الإسلام على البداية:
لأن البداية هي التي تحدد النهاية.
فإذا كانت البداية مبنية على القيم…
فإن النهاية ستكون حضارة.
وإذا كانت البداية مبنية على المظاهر…
فإن النهاية ستكون فراغًا.
ومن هنا، فإن المغالاة في المهور ليست مجرد مشكلة اقتصادية،
بل هي علامة على خلل حضاري.
لأنها تعني أننا فقدنا القدرة على فهم المعنى…
واستبدلناه بالشكل.
وما أسهل أن نبني زواجًا باهظًا…
لكن ما أصعب أن نبني إنسانًا صادقًا.
إن المشروع الحضاري السني الذي نبحث عنه لا يبدأ من القوانين،
ولا من الخطابات،
بل يبدأ من هذا السؤال البسيط العميق:
كيف نختار؟ ولماذا نختار؟
فإن أجبنا عن هذا السؤال،
فقد وضعنا أول حجر في بناء أمة.
وإن لم نجب…
فكل ما بعده سيكون مجرد ضجيج .
لكن، لا تظن أن الحكاية تُختتم عند حدود البيت، ولا أن الإنسان يكتمل في دفء الأسرة…
فالأسرة — مهما سمت — تبقى بداية، لا نهاية.

إنها تزرع البذرة…
لكنها لا تضمن وحدها مصير الشجرة.

هناك عالم آخر ينتظر هذه البذرة…
عالم أوسع، وأكثر قسوة…
عالم لا يسألك من أين أتيت…
بل يسألك: ماذا أصبحت؟

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

فما الذي سيحدث لهذا الإنسان، الذي صاغته الأسرة على معنى،
حين يواجه فضاءً يُعيد صياغة كل شيء؟

كيف سيحافظ على نقائه…
أم سيتنازل عن بعضه شيئًا فشيئًا؟

كيف سيتعامل مع المعرفة…
هل كوسيلة للوعي…
أم كأداة للامتلاك فقط؟

وهنا تحديدًا، يبدأ ما يمكن أن نسميه:
ساحة التعليم.

ذلك المكان الذي لا يكتفي بأن يُضيف إلى الإنسان معلومات…
بل يسعى — بوعي أو بدون وعي — إلى إعادة تشكيله من جديد.

فإن كانت الأسرة قد قالت له: “كن إنسانًا”…
فالتعليم سيهمس له: “كن ناجحًا”.

وإن كانت الأسرة قد زرعت فيه المعنى…
فالتعليم سيختبر: هل هذا المعنى قادر على الصمود؟

وهنا، لا يعود السؤال: ماذا تعلم؟
بل: ماذا بقي منك بعد أن تعلمت؟

إن التعليم ليس مرحلة منفصلة…
بل هو الامتداد الحقيقي لما بدأ في الأسرة…
أو… القطيعة معه.

وما بين الامتداد والقطيعة،
تُكتب قصة الإنسان.

وهكذا…
نترك البذرة الآن في منتصف الطريق،
بين الجذور التي أنبتتها،
والأفق الذي ينتظرها…

لنفتح الباب على سؤالٍ آخر…
سؤال اسمه: التعليم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال