بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين تتحول النخبة إلى ورشة ترقيع

2026-03-27 39 قراءة مقالات رأي حسام سعايدية
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ليست المأساة أن النخبة صامتة، بل أنها تتكلم كثيرًا دون أن تقول شيئًا يؤسس. إنها لم تفقد اللغة، بل فقدت الروح التي تمنح اللغة معناها. تتحدث، تحلل، تفسر، لكنها لا تُنتج؛ تستعير، تُركّب، تُزيّن، لكنها لا تُؤصّل. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين يتحول العقل من مصدر للإبداع إلى مجرد وسيط بين حضارة تُنتج وأخرى تستهلك.

إن أخطر ما أصاب هذه النخبة ليس فقر الأفكار، بل عجزها عن بناء حقل مفاهيمي خاص بالأمة. حقل يولد من معاناتها، من تاريخها، من رؤيتها للإنسان والوجود، لا من قوالب جاهزة صُنعت في سياقات أخرى، لغايات أخرى، ولإنسان آخر.

لقد أصبحت النخبة تتكلم بلغة لا تنتمي إليها. تتحدث عن “الدولة”، لكنها لا تعني بها إلا ذلك الكيان القُطري الضيق، بينما وجدان الأمة، في عمقه، لم يعرف نفسه إلا من خلال مفهوم أوسع: الأمة، تلك الرابطة التي لا تُختزل في حدود ولا تُحاصر في جغرافيا. وهنا يولد التناقض: بين ما نقوله وما نشعر به، بين المفهوم المستعار والوعي الكامن.

هذا التناقض لا يُحل، بل يُخفى. يُغطى بطبقات من الخطاب، من التلفيق، من استعمال مصطلحات لم تُفكك ولم تُفهم، وكأنها حقائق نهائية. وهنا يفقد العقل بوصلته: لأنه يفكر بأدوات غيره، ويسير نحو غايات لم يخترها.

فالحداثة، كما تُعرض علينا، ليست سؤالنا الحقيقي؛ والأصالة، كما نحسها، ليست مجرد حنين. والتقدم، كما يُفرض علينا، ليس غايتنا النهائية، بل وسيلة داخل أفق أعمق: أمانة الاستخلاف في الأرض. لكن النخبة، بدل أن تعيد ترتيب هذه الحقائق، اندفعت في سباق اللحاق، فنسيت أن تسأل: إلى أين؟ ولماذا؟ ولأجل من؟

وهنا يتحول الإعجاب إلى عبودية ناعمة. لم يعد نجاح الآخر موضوع فهم ونقد، بل أصبح معيارًا مطلقًا للحكم. ما وافقه قُبل، وما خالفه رُفض. وهكذا، يُعطَّل العقل، وتُغتال القدرة على الاختيار، ويصبح التفكير مجرد صدى.

إنها حالة استلاب، لا في المظهر فقط، بل في العمق. استلاب يجعل النخبة تخاف من أن تكون نفسها، فتُغري “الدهماء” بخطاب مُعلّب، لا يرفعها بل ينحدر إليها. وهنا يصبح الفكر دعاية، لا مشروعًا؛ ويصبح الخطاب وسيلة إرضاء، لا أداة تغيير.

وهنا أيضًا، يمكن أن نفهم لماذا تبدو أفكارنا كأنها “مدبلجة”: الصوت ليس للصورة، والحركة لا تنسجم مع الإيقاع. كلمات كبيرة، لكن روحها غائبة. مفاهيم لامعة، لكنها بلا جذور. إنها دبلجة فكرية رديئة، لا تقنع العقل ولا تحرك الواقع.

أما “البريكولاج”، فليس إبداعًا كما يُتوهم، بل هو فقر مقنّع. هو استدعاء لنماذج جاهزة، نزعها من سياقها، ثم إلباسها لباسًا إسلاميًا شكليًا. نضيف آية هنا، وحديثًا هناك، فنظن أننا أنتجنا نموذجًا، بينما نحن في الحقيقة لم نفعل سوى تزيين ما ليس منا.

وهكذا، يتحول الإسلام — الذي كان يومًا مصدرًا لإنتاج المعرفة — إلى مجرد غطاء زخرفي لنماذج مستوردة.

لكن المأساة لا تقف عند حدود النخبة. لقد تسرب هذا الخلل إلى المجتمع كله. في التعليم، حيث يتعلم الإنسان كلمات لا يفهم سياقها؛ فيحفظ، لكنه لا يعقل. يكرر، لكنه لا ينتج.

وهنا ينفصل المنهج عن المقصد: نتعلم كيف نفكر، لكننا لا نعرف لماذا نفكر. نمتلك الأدوات، لكننا نجهل الغاية. فيغيب الاستخلاف، ويتحول العلم إلى تقنية بلا روح، إلى فعل بلا معنى.

وفي الإعلام، تتجلى الكارثة بوضوح أشد. لم يعد الإعلام مرآة تعكس المجتمع، بل آلة تعيد تشكيله. نقلد ما ينتجه الآخر، لا لأننا فهمناه، بل لأننا انبهرنا به. نقلد حتى ما يناقضنا.

“تلفزيون الواقع” ليس واقعًا، بل صناعة واقع مشوه. يعرض أسوأ ما في الإنسان، ثم يقدمه كأنه طبيعته. يحوّل الرديء إلى معيار، والاستثناء إلى قاعدة. وهنا لا يتم فقط تشويه الصورة، بل إعادة تشكيل الوعي.

فيعيش الإنسان حالة انفصام: واقع يعيشه، وصورة أخرى يستهلكها. لا يعرف أيهما هو.

وفي السياسة، تتكرر المأساة بشكل أكثر قسوة. أسماء حديثة، مؤسسات لامعة، عناوين براقة: برلمان، انتخابات، هيئات… لكن أين الروح؟

هذه المؤسسات لا تنسجم مع روح الأمة، لأنها لم تولد منها. لم تعد مجالًا لأهل الكفاءة والرأي، بل أصبحت فضاءً تُعاد فيه الكلمات، وتُدوّر فيه المداخلات. حضور بلا أثر، خطاب بلا فعل.

وهكذا، يتحول الفعل السياسي إلى مسرح للعجز. نقاش بلا قرار، شعارات بلا مشاريع، حضور بلا تأثير. مؤسسات قائمة، لكن الفعل غائب.

ومن هنا، تتكشف الحقيقة المؤلمة: ليست الأزمة في غياب المفاهيم، بل في غياب النسق. ليست في قلة الأفكار، بل في غياب الرؤية التي تنظمها.

لكن لماذا فشلت النخبة في إنتاج هذا النسق؟

لأنها قطعت الصلة بين النظرية والواقع. لم تعد الأفكار تولد من رحم المعاناة، بل تُستورد جاهزة. ومع الزمن، تحول “النظري” إلى عبء، لا يغير الواقع بل يثقله.

ولأن الإعجاب بالآخر تحوّل إلى معيار، لا إلى موضوع نقد. ففقد العقل استقلاله.

ولأن المؤسسات — حيث يفترض أن تتحول الأفكار إلى واقع — غائبة، أو بلا انسجام. فلا إنتاج، ولا تطوير، ولا تطبيق.

ومع ذلك، فإن القول بفشل النخبة فشلًا مطلقًا هو بدوره تبسيط ساذج. داخل هذا الركام، هناك محاولات. محاولات صغيرة، متعثرة، لكنها صادقة. تحاول أن تستعيد القدرة على البناء.

هذه المحاولات بدأت تدرك أن المشكلة ليست في غياب نموذج جاهز، بل في غياب القدرة على صناعة نموذج خاص. نموذج يولد من الذات، من الواقع، من التاريخ، لا من الاستعارة.

وهنا، يصبح واضحًا أن البناء لا يمكن أن يتم بعقلية الترقيع. لأن الترقيع لا ينتج نسقًا، بل يخفي التشقق.

المطلوب إذن ليس تحسين البريكولاج، بل القطيعة معه.

قطيعة تعيد الاعتبار للسؤال، لأن السؤال هو بداية الحرية.وقطيعة تعيد الاعتبار للنقد، لأن النقد هو شرط البناء.وقطيعة تعيد الاعتبار للإنتاج، لأن الإنتاج هو الطريق الوحيد للخروج من التبعية.

حينها فقط، يمكن للنخبة أن تتحول من ورشة ترقيع إلى مختبر حضاري؛ من ناقل للأفكار إلى صانع لها؛ من صدى لغيره إلى صوت ينبع من ذاته.

وحينها فقط، يمكن أن تبدأ الحكاية من جديد.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال