بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

صناعة الموت أم صناعة الحياة؟ تونس وأزمة السيادة الدوائية

2026-03-26 80 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
صناعة الموت أم صناعة الحياة؟
 تونس وأزمة السيادة الدوائية
لا يمكن فهم أزمة الدواء في تونس بوصفها مجرد اختلال تقني أو عجز مالي طارئ ذلك أن الأرقام المتاحة اليوم تشير إلى عمق هيكلي يمتد إلى جوهر نموذج الحوكمة الذي اختارته الدولة منذ عقود.
ففي الوقت الذي تعلن فيه وزارة الصناعة أن نسبة التغطية المحلية من الأدوية بلغت 70% تكشف معطيات الصيدلية المركزية أن هذه الصناعة المزعومة لا تتجاوز في حقيقتها مرحلة التعبئة والتغليف حيث تستورد تونس 98% من المواد الفعّالة (API) التي تشكل لب الدواء وجوهر قيمته العلاجية والاقتصادية.
هذا التناقض بين المظهر والجوهر ليس مجرد مفارقة إحصائية بل هو خلاصة نموذج تنموي اختار السهولة على العمق والربح السريع على السيادة المستدامة.

لفهم حجم هذه المفارقة يكفي أن ننظر إلى الأرقام التي رسمت ملامح القطاع الدوائي التونسي اليوم.
تشير إحصاءات الصيدلية المركزية إلى وجود 43 شركة صناعة أدوية عاملة في تونس وفق بعض المصادر
بينما تتحدث مصادر أخرى عن وجود أكثر من 70 شركة ويعمل في هذا القطاع نحو 12 ألف شخص بشكل مباشر
إضافة إلى 76 ألفًا في قطاع التوزيع والصيدليات الخاصة. تونس تنتج حالياً 3108 أدوية جنيسة و46 دواءً من البدائل الحيوية وتغطي أكثر من 70% من حاجيات السوق المحلية.
بلغت قيمة الصادرات التونسية من المنتجات الصيدلانية في عام 2024 نحو 350 مليون دينار، أي ما يعادل 114 مليون دولار تقريباً بزيادة قدرها 6.5% مقارنة بعام 2023. وتذهب هذه الصادرات إلى نحو 30 وجهة خارجية من بينها فرنسا والعراق وليبيا والأردن كما تستحوذ الدول الإفريقية على 40% من قيمة الصادرات.
لكن هذه الأرقام رغم إيجابيتها الظاهرية تخفي واقعاً أكثر تعقيداً وإشكالاً.
فحين نتعمق في هيكل الكلفة نكتشف أن 80% إلى 90% من قيمة الدواء المصنع محلياً تذهب لاستيراد مكوناته الأساسية:
المواد الفعّالة تشكل 40% إلى 60% من الكلفة والمواد غير الفعّالة 10% ومواد التغليف 20 ومعدات التصنيع وقطع الغيار مستوردة بالكامل ومراقبة الجودة تخضع لمعايير أوروبية مرتفعة الكلفة.
هذه المعادلة تعني أن الدينار الضعيف أمام اليورو والدولار يضرب كلفة الدواء المحلي بنفس قوة تضريبه للدواء المستورد مما يجعل مفهوم الدواء المحلي مجرد وهم تسويقي لا أكثر.
وهذا ما يفسر لماذا ارتفعت كلفة شراء الأدوية للصيدلية المركزية من 30 مليون دينار فقط في عام 2021 إلى 300 مليون دينار في عام 2024 أي 10 أضعاف في 3 سنوات فقط وفق ما كشف عنه الرئيس المدير العام للصيدلية المركزية شكري حمودة.
المشكلة لا تقف عند حدود الكلفة بل تمتد إلى هشاشة هيكل التمويل والتوريد.
ديون الصيدلية المركزية تجاوزت اليوم 1.3
مليار دينار، أي ما يعادل 388 مليون يورو، بينما فاق الديون المستحقة عليها من المستشفيات العمومية والصناديق الاجتماعية 1.4 مليار دينار. وفي 13 يناير 2026، أكد رئيس النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة زبير قيقة أن حجم ديون الصندوق الوطني للتأمين على المرض الكنام تجاه الصيدليات الخاصة تجاوز 200 مليون دينار، مشدداً على أن الصندوق يعاني من مشاكل سيولة حادة تعجز معها الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه الصيادلة والمرضى.
هذا التأخر في الدفع الذي يصل إلى 180 أو 300 يوم من تاريخ الفاتورة ليس مجرد مشكلة إدارية بل هو آلية تحوّل الموردين إلى رافعي أسعار ومقلصي توريد وتخلق دورة مفرغة من النقص والندرة.
الكاتبة العامة للمجلس الوطني لهيئة الصيادلة ثريا النيفر كشفت أن عدد الأدوية التي لا بديل لها وتعرف اضطراباً ونقصاً في التزود بها يتراوح بين 15 و20 دواءً، فيما قدرت القائمة العامة للأدوية المفقودة أو التي يتزايد الطلب عليهابنحو 68 دواءً.
هذه الأدوية كما أوضحت النيفر هي في غالبيتها أدوية مستوردة ليس لها بديل محلي من بينها أدوية الغدة الدرقية وبعض أدوية ثنائي القطب وأدوية فرط الحركة وحتى المورفين المخصص لمرضى السرطان.
وفي صيف 2025سُجّلت حالات وفاة نتيجة عدم توفر العلاج الكيميائي الضروري وهو ما اضطر وزارة الصحة إلى الاعتراف بوجود النقص ووصفه بأنه مؤقت داعية الأطباء والصيادلة إلى ترشيد الوصفات الطبية.
هذه الأزمة دفعته الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إلى إصدار بيان في 12 جانفي2026عبّرت فيه عن تضامنها الكامل مع المرضى محمّلة السلطات العمومية مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.
واعتبرت الرابطة أن ما يشهده القطاع الصحي لم يعد أزمة ظرفية عابرة بل هو تعبير عن فشل ممنهج في السياسات العمومية وانتهاك صريح للحق الدستوري في الصحة المنصوص عليه في الفصل 38 من الدستور التونسي وكذلك الحق في الحياة المنصوص عليه في المواثيق الدولية. الدكتور رفيق بوجدارية أستاذ الطب والرئيس السابق لقسم استشفائي جامعي أكد أن أزمة الدواء في تونس ليست وليدة اليوم بل تتجه نحو مزيد من الاستفحال وأن الأزمة هيكلية بالأساس وترتبط مباشرة بالأزمة المالية التي تعاني منها الصيدلية المركزية باعتبارها المزود الوحيد للدواء في البلاد.
لكن السؤال الأكثر إشكالاً هو لماذا وصلنا إلى هذا المأزق رغم أن تونس تملك كفاءات علمية وبشرية تفوق ما تمتلكه دول كثيرة في المنطقة؟
الجواب يكمن في ثلاثة مستويات متداخلة من العجز
عجز في نموذج الحوكمة وعجز في الإرادة السياسية وعجز في مواجهة تحالفات المصالح الراسخة.
على مستوى الحوكمة تعاني تونس من تعدد الوصاية على ملف الدواء دون وجود آلية تنسيق مركزية.
وزارة الصحة تتحكم في التسعير والترخيص ووزارة الصناعة تريد تشجيع الاستثمار ووزارة المالية تضع القيود الجبائية والميزانية والصيدلية المركزية مشلولة بقوانين الصفقات العمومية وديونها المتراكمة والديوانة تطبق رسوماً وجمارك تثقل كلفة الإنتاج.
كل مؤسسة تعمل في صوامع منعزلة والنتيجة أن أي مشروع استراتيجي يحتاج موافقة 5 جهات لكل منها أولويات متضاربة وهو ما يعني عملياً شل أي قدرة على اتخاذ قرار جريء.
أما على مستوى الإرادة السياسية فالمشكلة أكثر عمقاً. السياسيون في تونس يفكرون بأفق لا يتجاوز 3 إلى 5 سنوات (مدة الولاية الانتخابية) بينما مشروع بناء صناعة وطنية للمواد الفعّالة يحتاج إلى 10 إلى 15 سنة ليؤتي ثماره الكاملة.
هذا التباين في الأفق الزمني يجعل المشاريع الهيكلية الطويلة الأمد ضحية سهلة للسياسات القصيرة النظر ويجعلها أول الملفات التي تُضحى بها في كل مفاوضات سياسية أو موازنية.
غياب عقد وطني طويل الأجل يلتزم به الجميع (دولة، أحزاب، قطاع خاص، نقابات) هو عائق سياسي بامتياز.

أما المستوى الثالث والأخطر فهو تحالف المصالح الراسخة التي تستفيد من استمرار الوضع الراهن.
هناك 3 لوبيات رئيسية تعمل بدرجات متفاوتة من العلنية على إبقاء تونس في دائرة التبعية الدوائية.
أولاً، لوبي المستوردين وهم وكلاء كبار يمثلون مختبرات عالمية مثل فايزر وسانوفي ونوفارتيس يربحون من كل فاتورة مواد فعّالة ومن كل تأخير في الدفع يخلق صفقات استعجالية بهامش ربح أعلى.
هؤلاء هم أول من يقاوم أي توجه نحو التصنيع المحلي للمواد الفعّالة لأن ذلك يعني نهاية عصر الوساطة المربحة التي تجاوزت عقوداً من الزمن.
ثانياً، لوبي المصنعين المحليين الحاليين الذين وجدوا أن هامش الربح في مرحلة التعبئة والتغليف مريح وآمن ولا يريدون تحمل مخاطر الاستثمار في صناعة المواد الفعّالة التي تحتاج 5 إلى 8 سنوات لتعود بالربح وتتطلب مهارات مختلفة وامتثالاً لمعايير بيئية صارمة.
ثالثاً، لوبي الإدارة المركزية فبعض أطراف الإدارة المركزية للأدوية والصيدلة يخشون فقدان صلاحيات الترخيص والتسجيل التي تمنحهم نفوذاً حقيقياً ونظام الاستيراد يبقيهم في موقع المرخص و المراقب بينما مصانع المواد الفعّالة المحلية ستقلص هذه الصلاحيات أو تنقلها إلى هيئات تنظيمية أكثر استقلالية.
هذه اللوبيات لا تعمل في العلن لكنها تملك أدوات ضغط قوية عبر التأثير على قرارات التسعير لجعل السعر المحلي غير مجدٍ اقتصادياً والتأثير على منح التراخيص عبر تعقيد إجراءات إنشاء مصنع جديد والتأثير على الإعلام والرأي العام بترويج فكرة أن صناعة المواد الفعّالة صناعة ملوثة وغير مجدية في تونس.
وهذا ما يفسر على سبيل المثال لماذا لا تزال تونس تفرض جماركاً ورسوماً على استيراد معدات مصانع الأدوية رغم أن الصناعة الدوائية تعتبر استراتيجية في معظم دول العالم ولماذا لا تزال إجراءات الترخيص تستغرق سنوات في تونس بينما لا تتجاوز أشهراً في دول الجوار.

في الوقت الذي نراوح فيه مكاننا تتقدم الدول العربية بخطى حثيثة نحو السيادة الدوائية.
المغرب يغطي 65% من احتياجاته الوطنية ويصدر إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا بإجمالي مبيعات بلغ 1.7 مليار دولار أي 5.2% من ناتجه الصناعي المحلي.
مصر يبلغ حجم سوقها الدوائي 6.1 مليار دولار سنوياً وتصدر بمليار دولار مع شركات عملاقة مثل أمون فارما وإيفا فارما تتجه نحو تصنيع الأدوية الحيوية.
الأردن سجلت صادراته الدوائية نمواً بنسبة 19.8% في 2025 لتصل إلى 897.1 مليون دولار، ويصدر إلى 73 سوقاً عالمياً.
السعودية تتجه بقوة نحو توطين الصناعة الدوائية ضمن رؤية 2030 وتنتج حالياً 30% من احتياجاتها محلياً، وتسعى لرفع النسبة إلى 40%.
الجزائر غطت 55% من احتياجاتها الوطنية بحجم سوق بلغ 4.5 مليار دولار في 2023.
أما تونس التي تملك أفضل صيادلة في المنطقة وأكثر من 10 آلاف مختص في الكيمياء والبيولوجيا ومنشآت مراقبة جودة بمعايير أوروبية وموقعاً لوجستياً استراتيجياً فما تزال تصدّر دواءً بأقل من 350 مليون دينار سنوياً فقط.
هذا التناقض بين الإمكانيات والنتائج هو الذي يجعل من أزمة الدواء نموذجاً مصغراً لأزمة الدولة التونسية برمتها: قدرات فردية هائلة لكن عجز مؤسسي وجماعي عن تحويلها إلى قوة وطنية.
سوق الأدوية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من المتوقع أن تصل قيمته إلى 63 مليار دولار في 2026 بمعدل نمو سنوي مركب يصل إلى 6.8% بين 2023 و2028. السوق الإفريقية وحدها ستبلغ 70 مليار دولار بحلول 2030. في مايو 2025 وقّعت وزارة الصحة التونسية اتفاقية مع وكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية بقيمة 1.35 مليون دولار لدعم تصنيع الأدوية وتستهدف الاتفاقية تصدير 24 دواءً حياتياً إلى دول الاتحاد الإفريقي.
وزير الصحة مصطفى الفرجاني قال إن صناعة الأدوية الجنيسة في تونس تصل إلى 80% في حين أن هذه النسبة لا تتجاوز 5% في البلدان الإفريقية، وهو ما يجعل تونس رائدة في هذا المجال.
لكن هذه الاتفاقية رغم كونها خطوة في الاتجاه الصحيح تبقى غير كافية لأن التمويل المخصص لها رمزي مقارنة بحجم الطموح والتحدي الحقيقي هو تحويل هذه الاتفاقية إلى آلية تنفيذية تتضمن نقل التكنولوجيا والترخيص المتبادل والاعتراف المتبادل بمعايير الجودة.

إذا واصلنا الطريق نفسه فالسيناريوهات المتوقعة كارثية. ستصل تونس إلى نقص 40% من أدوية الحياة مثل القلب والضغط والسكري ومضادات العدوى ومضاعفة فاتورة الاستيراد إلى 2.5مليار دينار وتوسع السوق السوداء وانهيار مخزون الدواء إلى أقل من 15 يوماً وتحول بعض الأدوية الأساسية إلى عملة وتبعية كاملة للهند والصين في زمن تتغير فيه التحالفات العالمية.
سيكتب التاريخ أن دولة ترددت في بناء مصنع فخسرت صحة شعبها.
الخروج من هذا المأزق يتطلب أكثر من مجرد تعديلات سطحية أو قرارات ظرفية.
إنه يتطلب مشروعاً وطنياً متكاملاً يعيد هيكلة قطاع الدواء من جذوره ويكسر تحالفات المصالح الراسخة ويؤسس لنموذج جديد يقوم على السيادة والاستدامة والعدالة.
هذا المشروع يمكن إنجازه في أفق 5 إلى 10 سنوات شريطة توفر الإرادة السياسية والالتزام المؤسسي الجماعي.
أولاً على مستوى الحوكمة المؤسساتية لا بد من إنشاء مجلس وطني للصناعة الدوائية يجمع تحت مظلته وزارات الصحة والصناعة والمالية والتعليم العالي والبحث العلمي إلى جانب الصيدلية المركزية والديوانة والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية.
يكون هذا المجلس بصلاحيات استثنائية منها اتخاذ القرارات الملزمة في كل ما يتعلق بتطوير القطاع ووضع استراتيجية وطنية للسيادة الدوائية تمتد على 10 سنوات ومتابعة تنفيذها عبر مؤشرات أداء واضحة.
كما يجب إحداث هيئة وطنية مستقلة للأدوية تكون مسؤولة عن الترخيص والتسعير ومراقبة الجودة بدلاً من توزيع هذه الصلاحيات على عدة إدارات متضاربة.
هذه الهيئة ستكون مكلفة بتبسيط إجراءات منح التراخيص للمصانع الجديدة بحيث لا تتجاوز 6 أشهر بدلاً من السنوات التي تستغرقها حالياً.

ثانياً على مستوى إعادة هيكلة الصيدلية المركزية وهو المفتاح الحقيقي لحل الأزمة يجب فصل ديونها القديمة البالغة 1.3 مليار دينار إلى هيكل تسوية مستقل يدار من قبل وزارة المالية بحيث تبدأ الصيدلية صفحة جديدة نظيفة.
كما يجب منحها استثناء من قانون الصفقات العمومية للتعامل مع الموردين المحليين والأجانب مما يسمح لها بالتفاوض على أسعار وشروط دفع أفضل.
ومن الضروري تحويل دورها من مشتري متعثر إلى شريك صناعي عبر إبرام عقود طويلة الأجل (من 5 إلى 10 سنوات) مع المصنعين المحليين تشمل ضمانات شراء مع دفعات مسبقة أو مضمونة.
كما ينبغي رقمنة عمليات التوريد والتوزيع لضمان الشفافية وتقليل الفاقد والهدر.
ثالثاً على مستوى تطوير الصناعة الوطنية، يجب إطلاق برنامج وطني طموح لبناء مصانع المواد الفعّالة يبدأ بإنشاء 3 مصانع نموذجية بتكلفة تقديرية تتراوح بين 45 و60 مليون دينار للمصنع الواحد.
تركز هذه المصانع في مرحلتها الأولى على إنتاج 10 مواد فعّالة استراتيجية هي:
الميتفورمين (للسكري) الأسبرين (لمسيلات الدم) الأموكسيسيلين (للمضادات الحيوية)
الأوميبرازول (للمعدة) الباراسيتامول (للمسكنات) الأتورفاستاتين (للكوليسترول) الأينالابريل (للضغط) الميتوبرولول (للقلب) السيتالوبرام (للمضادات الاكتئابية)
والفنتانيل (للتخدير).
هذه المواد تغطي وحدها أكثر من 40% من احتياجات البلاد الدوائية.
كما يجب تقديم حزمة حوافز استثنائية للمستثمرين في هذا المجال تشمل إعفاء كلياً من الضرائب والجمارك على مدى 10 سنوات وتوفير الأراضي الصناعية بأسعار رمزية في مناطق صناعية مجهزة وتقديم ضمانات شراء من الصيدلية المركزية لمدة لا تقل عن 5 سنوات.

رابعاً ،على مستوى الإطار التشريعي والتنظيمي يجب مراجعة قانون 92-41 ومنشورات التسعير التي تعوق الاستثمار في الصناعات الدوائية العميقة. ينبغي تعديل آلية التسعير بحيث يرتبط سعر الدواء المحلي بتكلفة الإنتاج الفعلية مع هامش ربح معقول بدلاً من ربطه بسعر الدواء المستورد الأرخص كما هو الحال حالياً.
كما يجب تخفيض الرسوم الجمركية على استيراد معدات مصانع الأدوية والمواد الأولية الوسيطة إلى الصفر لأن هذه المعدات ليست سلعاً استهلاكية بل أدوات إنتاج.
ومن الضروري أيضاً تسريع إجراءات التسجيل والترخيص للمصانع والأدوية الجديدة عبر تحديد آجال قصوى لا تتجاوز 6 أشهر لكل إجراء.

خامساً، على مستوى التمويل والاستثمار لا بد من إنشاء صندوق وطني للصناعات الاستراتيجية برأسمال أولي لا يقل عن 500 مليون دينار يمول من ميزانية الدولة ومن مساهمات القطاع الخاص والمؤسسات المالية الدولية.
يتولى هذا الصندوق تمويل مشاريع المواد الفعّالة والصناعات الدوائية الثقيلة بشروط ميسرة وآجال سداد طويلة تصل إلى15 سنة مع فترة سماح تصل إلى 5 سنوات.
كما يجب تشجيع الشراكة بين القطاع العام والخاص في هذا المجال عبر صيغ متنوعة مثل عقود البناء والتشغيل والنقل أو الشراكات الاستراتيجية مع شركات دولية متخصصة مقابل نقل التكنولوجيا.

سادساً،على مستوى الموارد البشرية والبحث والتطوير
وهو البعد الاستراتيجي طويل الأمد
يجب إطلاق برنامج وطني لإعادة استقطاب الكفاءات التونسية المهاجرة في مجالات الكيمياء التخليقية والتكنولوجيا الحيوية عبر منحهم امتيازات مالية ومهنية مغريات للعودة إلى تونس.
كما ينبغي إحداث برامج دراسات عليا مشتركة بين كليات الصيدلة والعلوم والهندسة وبين المصانع تركز على التخصصات المطلوبة مثل الكيمياء التخليقية والصيدلة الصناعية والتكنولوجيا الحيوية.
ومن الضروري إنشاء مركز وطنى للتكنولوجيا الحيوية والصناعات الدوائية يكون قطباً للبحث والتطوير والابتكار ويرتبط بشبكات بحثية دولية.
كما يجب تخصيص نسبة لا تقل عن 2% من أرباح شركات الأدوية لدعم البحث والتطوير أسوة بما هو معمول به في الدول المتقدمة.

سابعاً،على مستوى البعد البيئي وهو شرط أساسي لأي مشروع لتصنيع المواد الفعّالة
يجب إنشاء مناطق صناعية متخصصة لمصانع الأدوية مجهزة بوحدات مركزية لمعالجة المخلفات السائلة والصلبة وإلزام المصانع بمعايير بيئية صارمة (Environmental GMP) كشرط للحصول على ترخيص التشغيل.
كما ينبغي وضع إطار وطني لإدارة المخلفات الصناعية الدوائية يتضمن إجراءات الجمع والمعالجة والتخلص الآمن وربط تراخيص المصانع بإجراء دراسات تقييم الأثر البيئي المعتمدة من وزارة البيئة.

ثامناً،على مستوى الاندماج الإقليمي والتصدير وهو البعد الذي يحول السيادة الدوائية إلى قوة اقتصادية
يجب تفعيل اتفاقية 24 دواءً الموقعة مع الاتحاد الإفريقي وتحويلها إلى مشاريع ملموسة عبر إنشاء خطوط إنتاج مشتركة أو مراكز توزيع إقليمية.
كما ينبغي الاستفادة من منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) لتوسيع الصادرات إلى الأسواق الإفريقية البالغة 1.3مليار مستهلك.
ومن الضروري العمل على الحصول على شهادات الجودة الدولية مثل اعتماد منظمة الصحة العالمية المسبق (WHO Pre-qualification) واعتماد الهيئة الأوروبية للأدوية (EMA)، لأن هذه الشهادات هي مفتاح الدخول إلى الأسواق العالمية.

تاسعاً، على مستوى الإرادة السياسية والتوافق الوطني وهو الشرط الأهم لنجاح أي من هذه الحلول
يجب عقد مؤتمر وطني للصحة والدواء يشارك فيه جميع الأطراف المعنية: الحكومة، البرلمان، الأحزاب، النقابات،منظمات المجتمع المدني، والخبراء للخروج بتوافق وطني حول استراتيجية السيادة الدوائية.
وينبغي إدراج هذا الملف كأولوية وطنية قصوى في برامج الأحزاب والحكومات المتعاقبة بحيث لا يكون رهناً بالتقلبات السياسية أو الدورات الانتخابية.
كما يجب تفعيل الرقابة البرلمانية والمجتمعية على تنفيذ هذه الاستراتيجية عبر تقارير دورية ومواعيد محددة.

عاشراً،على مستوى العدالة الصحية وحماية المريض وهو الهدف النهائي لكل هذه الإصلاحات
يجب إقرار قانون يجرم احتكار الأدوية والمضاربة في أسعارها، ويضمن حق المواطن في الحصول على دوائه في الوقت المناسب.
كما ينبغي تعزيز دور الصيدليات العمومية والخاصة في التوزيع العادل للأدوية ورقمنة نظام التوزيع لضمان الشفافية ومكافحة السوق السوداء.
ومن الضروري إنشاء آلية وطنية للرصد المبكر لنقص الأدوية تمكن من التدخل السريع قبل تفاقم الأزمة.
أزمة الدواء في تونس ليست أزمة قطاع صحي فقط بل هي أزمة نموذج تنموي وأزمة حوكمة وأزمة إرادة سياسية.
إنها مرآة تعكس بدقة متناهية طبيعة الدولة التونسية اليوم: دولة تملك كفاءات بشرية ممتازة لكنها عاجزة عن تحويلها إلى قوة صناعية، دولة تملك مؤسسات لكنها تعاني من تشتت الأدوار وتضارب الصلاحيات، دولة تتبنى خطاب السيادة لكنها تظل أسيرة تحالفات المصالح الراسخة.

لكن الحلول موجودة وهي ليست مستحيلة ولا تحتاج إلى معجزات.
تحتاج فقط إلى إرادة سياسية تقرر أن السيادة الدوائية ليست ترفاً يمكن تأجيله بل هي ضرورة وطنية لا تقبل التأجيل.
تحتاج إلى قيادة تجرؤ على كسر تحالفات الريع وتمنح الأولوية للمصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
تحتاج إلى عقد وطني يلتزم به الجميع لأن الدواء ليس سلعة كباقي السلع بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان وأولوية وطنية تتطلب تظافر كل الجهود.
الدولة التي لا تصنع دواءها لن تصنع قدرها والدولة التي تخاف من المادة الفعالة ستخاف من المستقبل.
تونس اليوم أمام مفترق طرق، إما أن تواصل طريق التبعية والهشاشة وإما أن تقرر أن تونس تستحق أكثر من أن تكون دولة تتنفس بالتقسيط.
تونس تستحق أن تصنع دواءها وأن تصنع قدرها وأن تكون كما أرادها أبناءها دولة حرة مستقلة سيدة في قرارها قوية في صناعتها ذات كرامة في صحة شعبها.
الأستاذ عماد عيساوي

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال