بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين تفقد الدولة عقلها: كيف تُعيد البطاقة الصحية الإلكترونية السيادة إلى تونس من بوابة المعلومة

2026-03-26 102 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
حين تفقد الدولة عقلها: كيف تُعيد البطاقة الصحية الإلكترونية السيادة إلى تونس من بوابة المعلومة
لم أقل ما سأقوله اليوم بدافع الادعاء أو حب الظهور
ولا بدافع التصيد في الماء العكر الذي تغرق فيه مؤسساتنا. قلتها ألف مرة وكررتها حتى اتهمني البعض بالوقاحة الفكرية ودفعتها إلى الأثير وإلى الورق كما يُدفع حجر ثقيل
في ماء راكد.
تونس لا تعاني عطبًا في بعض مسامير منظومتها الصحية بل تعاني خللًا بنيويًا في عقل الدولة نفسها.
دولة فقدت السيطرة على المعلومة ففقدت القدرة على القرار وحوّلت الصحة من شأن سيادي إلى سوق مشاع
واختزلت الإصلاح في طلاء الجدران وترقيع الأنابيب بينما العطب الحقيقي يسكن في الرأس لا في الأطراف.
إن من يظن أن أزمة الصحة في تونس تُحل بمستشفى جديد أو جهاز سكانر إضافي هو كمن يعالج انهيار جسر بتغيير لون اللافتة التحذيرية.
المشكلة أعمق، أخطر وأكثر فضائحية
الدولة لا تعرف مريضها ولا تعرف كلفة علاجه ولا تعرف مسار دوائه ولا تعرف أين ينتهي المال العام وأين يبدأ النهب المغلّف بالفواتير.
هذا اليقين لم يأت من فراغ بل جاء من سنوات من الغوص في أرشيف الدولة التونسية حيث تتراكم تقارير لجان التحقيق والمجالس الوزارية التي تكرر بعذوبة اليائسين
أن المشكلة في تشتت المعطيات و ازدواجية التسجيل و استحالة التقييم الدقيق للكلفة.
وجاء من مطالعة تقارير محكمة المحاسبات التي تتحدث عن فواتير تُدفع مرتين وملفات طبية تُخلق من عدم ومستشفيات تضخّم الأرقام بثقة من يعرف أن لا أحد يراقب. وجاء من الوقوف على بوابات الصيدليات التي تعمل كجزر منعزلة بلا رقابة ومن تتبع أموال الصناديق الاجتماعية الثلاثة CNAM، CNSS، CNRPS التي تحولت بفعل الورق والتكرار وغياب الربط إلى ثقوب سوداء تبتلع المال العام بلا حساب.
وجاء أخيرًا من رؤية النموذج النمساوي عن قرب حيث البطاقة الصحية الإلكترونية ليست مجرد قطعة بلاستيك ذكية بل هي قلب النظام الصحي النابض.
عقل رقمي يربط الطبيب بالصيدلي والمستشفى بالصندوق والدولة بالمواطن في شبكة واحدة لا تعرف الفوضى ولا تسمح بالتحايل.
لطالما قلت وبإصرار يكاد يكون وقاحة فكرية إن تونس لا تحتاج إلى إصلاح شكلي في قطاع الصحة بل إلى ثورة رقمية عميقة تُعيد للعقل مكانه وتُرجع للدولة سيادتها على المعلومة.
وليس هناك مشروع أجدر بأن يكون نواة هذه الثورة من البطاقة الصحية الإلكترونية تلك القطعة الصغيرة بحجم الكف التي رأيت كيف قلبت النظام الصحي رأسًا على عقب في النمسا لا بضجيج سياسي ولا بخطابات وطنية
بل بهدوء الخوارزميات ودقة الأنظمة التي لا تكذب ولا تجامل.
في أوروبا الوسطى لم تكن E-carte مجرد بطاقة تعريف للمريض بل كانت قلب النظام الصحي الحديث و عقلًا رقميًا نابضًا يربط كل الفاعلين.
كل شيء هناك يمر عبر تلك الرقاقات الذكية المشفرة السيادية حيث تصبح المعلومة أثمن من الجهاز والبيانات أهم من المباني.
هناك فهموا مبكرًا أن الصحة ليست عدد الأسرة ولا سمك الجدران بل القدرة على إدارة المسار العلاجي من أول شكوى إلى آخر فاتورة دون فجوات و دون ظلال رمادية و ودون فرص للنهب المقنع.
لكن دعوني أكون دقيقًا فالموضوع لا يحتمل العموميات. النموذج النمساوي الذي أتحدث عنه ليس مجرد وصف سطحي بل هو نظام قانوني وتقني متكامل بُني على مدار سبعة عشر عامًا.
الأساس هو قانون الصحة عن بعد (Gesundheitstelematikgesetz 2012 – GTelG 2012) الذي دخل حيز التنفيذ في جانفي 2013 وهو القانون الذي وضع الإطار الملزم لكل مكونات المنظومة: البطاقة الإلكترونية، منصة ELGA، الوصفة الإلكترونية، هويات المهنيين، والشبكة المغلقة المشفرة.
هذا القانون لم يأت من فراغ بل كان تتويجًا لرحلة بدأت عام 2005 مع إطلاق البطاقة الإلكترونية كأداة أساسية. في النمسا اليوم كل صيدلية لا تبيع دواء إلا عبر البطاقة الإلكترونية.
كيف؟ لأن نظام الوصفة الإلكترونية (e-Rezept) يجعل كل وصفة طبية مرتبطة برقم البطاقة ولا يمكن صرفها إلا مرة واحدة ويتم تسجيل الصرف لحظيًا في النظام المركزي.
منذ عام 2019أصبح هذا النظام إلزاميًا لجميع الأطباء المتعاقدين مع صناديق الضمان الاجتماعي (حوالي 6,300 طبيب من أصل 7,000) ومنذ عام 2022 حلت الوصفة الإلكترونية محل الورق بالكامل.
والأهم أن القانون لم يستثنِ الأطباء الأحرار (Wahlrzte)؛ فمنذ جانفي 2026 أصبحوا هم أيضًا ملزمين بالربط الإلكتروني بعد أن كانت استشاراتهم خارج النظام لسنوات.

التحقق من الهوية في هذا النظام ليس مجالًا للاجتهاد. قانون الضمان الاجتماعي العام النمساوي (ASVG) في فقراته 31a وما بعدها ينص على ثلاث طرق فقط للتحقق من هوية مقدمي الخدمات والمريض: إما عبر بطاقة e-card، وإما عبر البطاقة المدنية (Bürgerkarte) وفقًا لقانون الحكومة الإلكترونية وإما عبر التوقيعات الإلكترونية المستندة إلى شهادات معتمدة (qualifizierte Zertifikate). لا ورق و لا استثناءات.
كل عملية من تسجيل موعد إلى صرف دواء تمر عبر هذه المصادقة الثلاثية ويُسجل كل شيء في سجل تدقيق (Audit Log) لا يقبل التعديل.
أما منصة ELGA (السجل الصحي الإلكتروني) فهي ليست مجرد قاعدة بيانات بل هي نظام متكامل يتضمن دليل مقدمي الخدمات الصحية (Gesundheitsdiensteanbieterindex) حيث يتم تسجيل كل طبيب وكل عيادة وكل صيدلية مع تحديد صريح لدور كل منهم في النظام (Rolle) وفقًا للقانون.
هذا الدليل ليس مجرد قائمة أسماء بل هو قلب النظام التقني إذ يتم التحقق من هوية كل مقدم خدمة في كل مرة يريد فيها الوصول إلى بيانات المريض من خلال مطابقة البيانات مع تلك المسجلة في الدليل.
وحتى البيانات الحساسة مثل تلك المتعلقة ببرنامج الأمومة والطفولة (eEKP) أصبحت تُنقل آليًا إلى منصة ELGA عبر واجهات إلكترونية موحدة (standardisierte elektronische Schnittstelle) بشرط أن يكون المريض مشاركًا في النظام (ELGA-Teilnehmer) وأن تكون البيانات من النوع الصحي الذي يشمله القانون.

الأمان السيبراني في النمسا ليس مسألة ثانوية.
قانون ELGA-Verordnung 2015 يحدد سبعة مستويات من متطلبات الأمان: متطلبات تنظيمية ومتطلبات تقنية ومتطلبات للتحقق من الهوية ومتطلبات لبيئات الاختبار ومتطلبات معمارية (مادية) ومتطلبات للأفراد العاملين على النظام بالإضافة إلى متطلبات للعمليات التشغيلية.
حتى نظام تتبع الأعطال والمشاكل (Ticket-System) منظم بقانون ويجب على كل مشغل لمكونات ELGA أن يشارك فيه مع توثيق كل إجراء يتعلق بالأمان واكتشاف الاختراقات وتغيير البنية التحتية وإدخال برمجيات جديدة. الشبكة المستخدمة هي شبكة مغلقة مشفرة بالكامل (GINS) والبيانات أثناء النقل محمية بـ TLS 1.3 وأثناء التخزين بتشفير AES-256 وإدارة المفاتيح الرقمية تتم عبر بنية تحتية للمفاتيح العمومية (PKI) وفق معايير X.509.

هذا النضج التقني والقانوني لم يتحقق بين عشية وضحاها. النمسا استغرقت سبعة عشر عامًا (2005–2022) للانتقال من البطاقة الإلكترونية البسيطة إلى النظام المتكامل الحالي. مرت بمراحل:
التشغيل التجريبي (Pilotbetrieb) ثم التشغيل الكامل (Vollbetrieb) ثم التشغيل الانتقالي (bergangsbetrieb) مع تحديد لكل مرحلة الإجراءات الواجب اتباعها.
هذا التدرج هو ما يفسر معدلات النجاح المرتفعة:
اليوم أكثر من 80% من النمساويين مسجلون في نظام ELGA (نظام الاشتراك التلقائي مع حق الانسحاب) ونسبة الانسحاب لا تتجاوز 3% سنويًا.
الوصفات الإلكترونية تمثل أكثر من 95% من إجمالي الوصفات.
نسبة التهريب في الأدوية المدعومة صفر تقريبًا.
نسبة ازدواجية الفواتير بين الصناديق انعدمت تمامًا بعد الربط البيني لقواعد البيانات.

أمام هذا المشهد تساءل كثيرون لماذا لا نتبنى هذا النموذج في تونس؟
ولماذا لم يحدث ذلك حتى الآن؟
الإجابة ليست في عدم معرفة النموذج بل في غياب الأسس التي تسبقه.
النمسا بدأت برقم صحي موحد لكل مواطن مرتبط بالبطاقة الإلكترونية ثم بنت عليه كل شيء.
نحن في تونس لا نملك حتى اليوم رقمًا اجتماعيًا موحدًا يربط بين CNAM وCNSS وCNRPS. البطاقة الوطنية للتعريف لا تُستخدم كمعرّف صحي.
ثانيًا، النمسا كان لديها إطار قانوني متكامل يسبق التنفيذ بينما نحن نعتمد على قانون حماية المعطيات الشخصية رقم 63 لسنة 2004 الذي لم يُصمم للتعامل مع خصوصية المعلومة الصحية أو متطلبات الربط البيني اللحظي.
ثالثًا، النمسا استثمرت في شبكة وطنية مشفرة تمتد إلى كل عيادة وصيدلية بينما بنيتنا التحتية لا تزال تعتمد على الإنترنت العام مع كل مخاطره الأمنية.
رابعًا، النمسا واجهت مقاومة مهنية لكنها احتوتها بحوافز واضحة وإلزامية تدريجية بينما في تونس لا توجد ثقة كافية بين الأطباء والدولة وكثيرون يرون أي مشروع رقمنة أداة مراقبة لا أداة خدمة.
خامسًا، النمسا أنشأت هيئة وطنية للصحة الرقمية (Dachverband) تجمع كل المتدخلين بينما نحن نعاني تشتتًا مؤسساتيًا بين وزارات الصحة والشؤون الاجتماعية وتكنولوجيا الاتصال والمالية والصناديق الثلاثة.

هذه الفجوات ليست مستعصية لكنها تتطلب إرادة سياسية لا تلين لذلك عندما طرحت فكرة البطاقة الصحية الإلكترونية لم أطرحها كاستنساخ أعمى بل كخيار سيادي واعٍ يحتاج إلى مسار طويل.
ومع ذلك كنت أعي أن طرح الأولي كان يعاني من نقاط ضعف لا يمكن التغافل عنها.
كان غائبًا عنه خريطة طريق زمنية ومؤسساتية واضحة.
كان يتجاهل الإشكاليات القانونية والتنظيمية خاصة فيما يتعلق بحماية البيانات وعلاقة القطاع الخاص بالمنصة.
كان مهملًا لجانب الاستدامة المالية والتقنية والتكلفة الأولية الكبيرة.
وكان غافلًا عن الجانب الثقافي والمقاومة المهنية التي ستواجه المشروع وعن كيفية التعامل مع قواعد البيانات القائمة حاليًا.
لهذا، في إطار النقاش الذي تلا الطرح عملت مع فريق من الخبراء على سد هذه الثغرات وخرجنا بمقترحات لمشروع نموذجي يصلح لتونس.
أولها التبني التدريجي عبر ثلاث مراحل محددة.
المرحلة الأولى تجريبية، تطبيق البطاقة على فئة محددة (مثل المصابين بالأمراض المزمنة المسجلين في CNAM في ولاية واحدة (مثلاً سوسة أو أريانة) لمدة 12 شهرًا، مع التقييم المستقل في نهايتها.
المرحلة الثانية توسيع، بعد نجاح التجربة التوسع ليشمل كل المؤمنين اجتماعيًا مع استمرار الورق بشكل موازٍ لمدة انتقالية لا تقل عن 24 شهرًا.
المرحلة الثالثة تعميم، جعل البطاقة إلزامية لكل مواطن وربطها ببطاقة التعريف الوطنية أو بطاقة الترقيم الاجتماعي الموحد.
ثانيًا، إنشاء هيئة وطنية للصحة الرقمية و سلطة إشراف مستقلة برئاسة رئاسة الحكومة تضم وزارات الصحة والمالية وتكنولوجيا الاتصال والصناديق الاجتماعية والهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية تضع الهيئة المعايير وتشرف على التنفيذ وتضمن السيادة الرقمية.
ثالثًا، تطوير تشريعات متقدمة لحماية البيانات الصحية بإصدار قانون خاص بالصحة الرقمية يحدد ملكية المعلومة الصحية (للمريض) وإمكانية الولوج (الطبيب المعالج فقط بإذن المريض) وعقوبات صارمة في حال التسريب أو الاستغلال غير المشروع.
يمكن الاستعانة بتقنيات اللامركزية الرقمية (blockchain) لتوثيق العمليات الحيوية دون تخزين البيانات الصحية نفسها في سلسلة الكتل لضمان عدم قابلية التلاعب بسجل العمليات.
رابعًا، ضمانات لمكافحة الفساد في الصفقات العمومية للمشروع بأن يكون البرنامج الأساسي مفتوح المصدر مع استضافة محلية 100% وإسناد الصفقات عبر مناقصات عمومية شفافة تخضع لمراقبة الهيئة العليا للرقابة الإدارية والمالية والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (إذا أعيد فتحها). خامسًا،مرافقة اجتماعية ومهنية قوية بحزمة حوافز للمهنيين الصحيين الذين يلتزمون بالمنصة وإطلاق حملات وطنية للتوعية بالرقمنة كأداة لحماية حق المواطن في الصحة
لا كأداة مراقبة بوليسية.
هذه المقترحات كانت ضرورية لتحويل الرؤية إلى مشروع واقعي.
لكن النقاش لم يكن ليستكمل دون أن نفتح ملفًا آخر هو من أخطر ملفات الفساد الصامت في تونس «الكرني الأبيض». تلك البطاقة التي يفترض أن تكون شبكة أمان اجتماعي للفئات الأكثر احتياجًا تحولت بفعل غياب الربط البيني والمراجعة الدورية إلى غنيمة توزع بالمحاباة والنفوذ.
من استفاد؟من حُرم منها رغم أحقيّته؟
من حصل عليها دون وجه حق؟
الإجابة واحدة، الشفافية غائبة والمراجعة صارت ضرورة لا تحتمل التأجيل.

بالرجوع إلى أرشيف الدولة وتقارير محكمة المحاسبات والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (قبل إغلاقها) تتكشف حقائق مرعبة. القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2019 المتعلق بإحداث برنامج الأمان الاجتماعي والأمر الحكومي عدد 317 لسنة 2020 يضعان شروطًا نظرية دقيقة: ألا يتجاوز الدخل سقوفًا محددة وألا يكون طالب الانتفاع مالكًا لمسكن إضافي وألا يكون قد أجرى عمليات شراء أو بيع تفوق 30 ضعف الأجر الأدنى المضمون خلال السنوات الثلاث الأخيرة بالإضافة إلى بحث مكتبي (تقاطع بيانات) وبحث ميداني. لكن في التطبيق التقاطعات المطلوبة تفترض وجود قاعدة بيانات وطنية موحدة تربط السجل العقاري والسجل التجاري وقواعد بيانات الصناديق الاجتماعية والبطاقة الوطنية.
هذا الربط غير موجود عمليًا.
البحث الميداني تعتمد فيه وحدات النهوض الاجتماعي على موارد بشرية محدودة ومعاينات ظرفية دون أدوات رقمية تسمح بالتتبع المستمر بعد الإسناد.
فكانت النتيجة استفادة غير مستحقين (من يملك العقارات والسيارات ويحمل الكرني الأبيض) إلى جانب حرمان مستحقين (فئات هشة لا تستطيع إثبات وضعيتها بسبب تعقيد الإجراءات).
تضاف إلى ذلك مشكلة عدم انتظام الصرف وغياب التواصل وغياب المراجعة الدورية للقوائم وفجوة صارخة بين قيمة المنحة (280 دينارًا بعد آخر الزيادات) وحجم الاحتياج بل وحالات يتساوى فيها من يعمل 14 سنة في مؤسسات الدولة مع جراية المعوز وهو خلل بنيوي في منظومة التقاعد والضمان الاجتماعي.
هذا الملف الذي يبدو منفصلاً عن ملف الصحة هو في الحقيقة امتداد لنفس الخلل و هو غياب الرقم الاجتماعي الموحد وغياب الربط البيني وغياب المراجعة الآلية.
لذلك فإن مشروع البطاقة الصحية الإلكترونية لا يمكن أن يكون ناجحًا إذا اقتصر على الخدمات الصحية فقط بل يجب أن يكون نواة لثورة رقمية شاملة تشمل أيضًا برامج الحماية الاجتماعية.
الكرني الأبيض يجب أن يُرقنن ويُربط بالسجل العقاري والسجل التجاري وقواعد بيانات الصناديق الاجتماعية والجمارك وأن يُخضع للمراجعة الآلية الدورية كل ستة أشهر وأن تُرفع عنه القداسة الإدارية التي تحول دون المساءلة.

غير أن الجانب الأكثر جرأة في هذا المشروع والذي أعتبره القلب النابض لأي نظام إلكتروني عادل هو إضافة ميزة الشكوى الإلكترونية السريعة وربطها بهيئة رقابية ذات صلاحيات واسعة.
هذه الفكرة ليست ترفًا تقنيًا بل هي شرط لنجاح أي مشروع رقمنة سيادي.
في النمسا نظام التظلمات (Beschwerdestelle)موجود لكنه ليس بالصلاحيات الواسعة التي أطالب بها.
أنا أطالب بهيئة عمومية مستقلة تتقاسم الاختصاص بين الرقابة على المنظومة الصحية الرقمية والفصل في التظلمات الصحية والاجتماعية.
تخيلوا معي منصة إلكترونية موحدة تُدمج في نفس النظام الذي يدير البطاقة الصحية وقاعدة بيانات الكرني الأبيض. المواطن يدخل إليها باستخدام بطاقته الإلكترونية والرمز السري ويسجل شكواه مصنفة آليًا إلى شكاوى تقنية (خطأ في تسجيل موعد، خلل في البطاقة، تعذر الصرف) تُحال إلى فريق الدعم الفني خلال 24 ساعة، وشكاوى مالية/إدارية (فاتورة خاطئة، رفض دواء، إقصاء من برنامج المساعدة) تُحال إلى هيئة الرقابة المستقلة وشكاوى طبية (خطأ في التشخيص المسجل، إفشاء بيانات) تُحال إلى المجالس الطبية المختصة والهيئة.
كل شكوى تحصل على رقم تتبع والمواطن يتلقى إشعارات بمراحل المعالجة.

الهيئة الرقابية التي أتصورها يجب أن تكون مختلفة تمامًا عن أي هيئة موجودة اليوم.
يجب أن تكون مستقلة ماليًا وإداريًا وأن يُعين أعضاؤها بأغلبية ثلثي مجلس النواب لضمان استقلالها عن السلطة التنفيذية.
يجب أن تتمتع بصلاحيات واسعة كالوصول المباشر إلى كل قواعد البيانات (الصناديق الاجتماعية، وزارة الصحة، السجل العقاري، السجل التجاري) دون وساطة وفتح التحقيق التلقائي بمجرد رصد تكرار شكاوى ضد نفس المؤسسة أو الطبيب أو الصيدلي وإصدار عقوبات إدارية فورية (غرامات مالية تصل إلى 50 ألف دينار، سحب الاعتماد لمدة تصل إلى سنة، الإيقاف المؤقت عن العمل) وإحالة الملفات المشتبه فيها إلى القضاء أو إلى هيئة مكافحة الفساد.
كما يجب أن تكون لها سلطة إصدار تقارير دورية علنية عن حجم الشكاوى ،متوسط وقت المعالجة، أكثر الجهات مخالفة، وأكثر الأخطاء تكرارًا.

هذه الهيئة وحدها تستطيع أن تحول النظام الرقمي من أداة لجمع البيانات إلى أداة للعدالة.
وحدها تستطيع أن تكسر دائرة الصمت التي تحمي المتجاوزين.
وحدها تستطيع أن تعيد للمواطن إحساسه بأن هناك جهة تسمعه وتستجيب له بسرعة.
الآن دعوني أتحدث بالأرقام لأن الحديث عن الإصلاح دون أرقام هو كلام مرسل.
ميزانية الصحة العمومية في تونس لعام 2025 تجاوزت 3.5 مليار دينار، منها ما يقارب 1.8 مليار دينار للأدوية والمستهلكات.
تقارير محكمة المحاسبات تشير إلى أن ما بين 15% و20% من هذه الميزانية تضيع في الفواتير المكررةوالوصفات المزورة والأدوية التي تخرج من المستشفيات العمومية إلى السوق الموازية.
الصناديق الاجتماعية الثلاثة تعاني عجزًا تراكميًا تجاوز 2 مليار دينار في نهاية 2024 وسبب رئيسي لهذا العجز هو غياب الربط البيني وعدم القدرة على مراقبة الأداءات المطلوبة من القطاع الخاص.
أكثر من 40% من فواتير العيادات الخاصة التي تقدم إلى CNAM لا تخضع لأي تدقيق ميداني لأن عدد مراقبي الصندوق لا يتجاوز 120 موظفًا في كل الجمهورية.
في ملف الكرني الأبيض الميزانية السنوية تتجاوز 1.2 مليار دينار (منح مباشرة ومساعدات مدرسية وتغطية صحية) وتقارير هيئة مكافحة الفساد السابقة كانت تتحدث عن نسبة تجاوزات تتراوح بين 10% و15% أي ما بين 120 و180 مليون دينار سنويًا تضيع في المحسوبية والرشوة وسوء التوزيع.
هذه الأرقام ليست مجرد أرقام.
كل دينار يضيع في الفساد أو الإهمال هو دينار كان يمكن أن يشتري دواءً لطفل مصاب بالسرطان أو جهاز تنفس لمريض بالغ في العناية المركزة، أو وجبة مدرسية لطفل فقير.
كل فاتورة مكررة هي سرقة من جيب الفقير الذي يدفع اشتراكاته ولا يجد الخدمة.
كل وصفة مزورة هي جريمة بحق الأمن الصحي الوطني.

أما عن تكلفة المشروع نفسه فلا يمكن المناورة حولها. تقديرات أولية تشير إلى أن بناء المنصة الوطنية الموحدة مع البنية التحتية للاتصالات المشفرة وتوريد البطاقات الذكية (حوالي 11 مليون بطاقة على مدى 5 سنوات) وتدريب الموظفين قد تصل إلى 300 مليون دينار على مدى 5 سنوات. هذا الرقم كبير، لكنه يساوي فقط 10% من الفاقد السنوي الحالي بسبب الفساد وسوء الإدارة في القطاع الصحي وحده.
أي أن المشروع يسترد تكلفته في أقل من عامين ثم يبدأ في تحقيق وفورات سنوية تقدر بمئات الملايين.
والأهم من الوفورات المالية هو ما لا يقدر بثمن
استعادة الثقة بين المواطن والدولة، ووقف نزيف الكرامة الإنسانية الذي تعاني منه الفئات الأكثر هشاشة.

أعرف أن هذا المشروع سيواجه مقاومة شرسة من شبكات الفساد المستفيدة من الفوضى الحالية.
لوبيات الأدوية التي تعيش على تهريب الأدوية المدعومة وأصحاب العيادات الخاصة الذين يعيشون على الفواتير المنتفخة وبعض الإداريين الذين يجدون في البيروقراطية الورقية مصدر رزق غير مشروع وحتى بعض الأطراف النقابية التي ترى في أي رقمنة تهديدًا لسلطتها كل هؤلاء سيقفون ضده.
لكن التاريخ يعلمنا أن الإصلاحات الكبرى لم تتحقق يومًا بموافقة المستفيدين من الفساد.
تتحقق بإرادة سياسية لا تلين وبتحالف وطني بين القوى الحية التي تريد لدولتها أن تستعيد رشدها.

هناك من يقول إن تونس في ظل أزمتها المالية لا تستطيع تحمل تكلفة هذا المشروع.
أقول لهم تونس لا تستطيع تحمل تكلفة عدم القيام به. الفاقد السنوي بسبب الفساد والإهمال في القطاع الصحي والاجتماعي أكبر بعشر مرات من تكلفة المشروع.
تونس لا تستطيع أن تظل الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تعرف مريضها ولا تعرف كلفة علاجه ولا تعرف أين تذهب أموالها.
تونس لا تستطيع أن تظل أسيرة الورق في زمن الرقمنة.

هناك من يقول إن المواطن التونسي ليس مستعدًا لهذا التحول وأن نسبة الأمية الرقمية مرتفعة.
أقول لهم النمسا بدأت رحلتها قبل سبعة عشر عامًا وكانت نسبة الأمية الرقمية أعلى مما هي عليه اليوم.
لكنهم بدأوا بتدريجية وبمرافقة وبإرادة سياسية.
اليوم جدة في الثمانين من عمرها في النمسا تستخدم بطاقتها الإلكترونية بسهولة لصرف دوائها.
نحن أيضًا يمكننا ذلك، إذا بدأنا اليوم.

هناك من يقول إن القطاع الخاص سيقاوم الإلزام بالربط. أقول لهم الإلزام ليس خيارًا بل هو شرط لاستمرار التعاقد مع الصناديق الاجتماعية.
القطاع الخاص الذي يتعاقد مع CNAM ويتلقى أموالًا عمومية لا يمكن أن يبقى خارج الرقابة.
في النمسا استغرق فرض الإلزام على الأطباء الأحرار أكثر من عقد، لكنه حدث في النهاية.
يمكننا نحن أيضًا أن نبدأ بإلزامية تدريجية مع حوافز واضحة وأن نجعل الربط الإلكتروني شرطًا للتجديد السنوي للاتفاقيات.
وإذا عدنا إلى النموذج النمساوي للمرة الأخيرة أريد أن أشير إلى نقطة جوهرية غالبًا ما تُغفل
النظام النمساوي مبني على مبدأ الاشتراك التلقائي مع حق الانسحاب (Opt-out). المواطن يشارك في النظام تلقائيًا بمجرد ولادته أو حصوله على بطاقة التأمين الصحي وله الحق في أن يطلب عدم مشاركة بياناته في منصة ELGA في أي وقت.
هذه الآلية تحقق التوازن بين المصلحة العامة (وجود بيانات كافية للتخطيط والمراقبة) والحق الفردي في الخصوصية. نسبة الانسحاب لا تتجاوز 3% مما يعني أن الغالبية العظمى من المواطنين تثق في النظام وتدرك فوائده.
في تونس يمكننا تبني نفس المبدأ مع حملات توعية واسعة لشرح أن البيانات ستُستخدم للأغراض الصحية والعلاجية والرقابية فقط ولن تكون متاحة لأي جهة أخرى دون إذن صريح.
أما بالنسبة للجانب التقني الذي يهم الكثيرين فسأوضح بعض التفاصيل الدقيقة.
النظام الذي أتصوره يجب أن يعتمد على بنية تحتية للمفاتيح العمومية (PKI) وفق معايير X.509 حيث يتم إصدار شهادات رقمية لكل طبيب وصيدلي ومستشفى وصندوق.
كل عملية وصول إلى البيانات الصحية تتطلب مصادقة متبادلة (mutual authentication)بين طرفي الاتصال ويتم تسجيلها في سجل تدقيق (Audit Log) غير قابل للتعديل، مع طابع زمني موثق (timestamp).
البيانات أثناء النقل تُشفّر بـ TLS 1.3 على الأقل وأثناء التخزين تُشفّر بـ AES-256-GCM مع إدارة مفاتيح مركزية في وحدات أمان مخصصة (HSM – Hardware Security Modules).
قواعد البيانات يجب أن تكون موزعة جغرافيًا (مركزان رئيسيان على الأقل في مناطق مختلفة) لضمان استمرارية الخدمة في حال حدوث كارثة أو هجوم سيبراني.
كما يجب أن يخضع النظام لاختبارات اختراق (penetration testing) دورية من قبل جهات مستقلة.

هذه التفاصيل ليست تعقيدًا غير ضروري بل هي الحد الأدنى لضمان سيادة الدولة على بياناتها الصحية.
لا يمكن أن نكرر تجربة بعض الدول التي استعانت بشركات أجنبية لتطوير أنظمتها الصحية ثم وجدت نفسها مرتهنة لعقود صيانة باهظة أو معرضة لخطر تسريب البيانات.
نظامنا يجب أن يكون مفتوح المصدر في جزئه البرمجي الأساسي وأن تُستضاف البيانات في مراكز بيانات وطنية تخضع للقانون التونسي وأن تكون الملكية الفكرية للدولة التونسية.
تونس لا تحتاج إلى إصلاح شكلي في قطاع الصحة بل إلى ثورة رقمية عميقة تُعيد للعقل مكانه وتُرجع للدولة سيادتها على المعلومة.
هذه الثورة لن تتحقق بخطابات وطنية ولا بضجيج سياسي بل بهدوء الخوارزميات ودقة الأنظمة التي لا تكذب ولا تجامل، وبإرادة سيادية تقرر أن الصحة في تونس ليست سلعة في سوق مشاع ولا صدقة موسمية بل سياسة عليا تبدأ من معرفة المواطن أولاً.
فإن كان للدولة أن تستعيد شرف المعرفة فلتكن البطاقة الإلكترونية بدايتها ولتكن الهيئة الرقابية المستقلة ضميرها النابض، ولتكن إرادة الإصلاح هي القادرة على كسر احتكار الفساد للمنظومة الصحية والاجتماعية.
وإلا فلتستمر طوابير الورق ولتستمر الفواتير المنتفخة ولتستمر الصيدليات جزرًا منعزلة ولتظل الدولة التونسية تتخبط في ظلام المعلومات كمن يمشي بلا عيون في طريق مليء بالحفر.
لقد دافعت عن هذا المشروع منذ سنوات لا بحثًا عن سبق فكري ولا عن صورة إعلامية بل لأنني كنت أرى بوضوح ما لا يريد كثيرون رؤيته
رقمنة النظام الصحي والاجتماعي في تونس هي شرط وجود لا خيار تحسين.
هي التي ستحول الإدارة من عبء ثقيل إلى أداة ذكية والبيانات من فوضى صماء إلى بوصلة تقود القرار.
هي التي ستجعل الصيدليات تعمل بشفافية والعيادات الخاصة تحت المراقبة الذكية والصناديق الاجتماعية قادرة على معرفة أين تذهب أموالها.
هي التي ستجعل المواطن أخيرًا يشعر أن دولته تعرفه لا بأسمائه فقط بل بمساره العلاجي وبحقه في الصحة والكرامة.
حينها فقط يمكن لتونس أن تقول إنها بدأت تعرف نفسها. وحينها فقط يمكن للصحة أن تتحول من صدقة موسمية إلى سياسة عليا ومن ملف متعفن في أرشيف الإدارة إلى عقل نابض في دولة استعادت شرف المعرفة.

الأستاذ عماد عيساوي

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال