بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

نحن مطبخ للضيوف... و ننام جائعين دراسة استراتيجية في انفصامنا الهيكلي

2026-03-26 67 قراءة مختلفات أ.عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
نحن مطبخ للضيوف... و ننام جائعين
دراسة استراتيجية في انفصامنا الهيكلي
ليس عيباً أن نعترف بأننا نعيش في بلد يصنع للآخرين ولا يصنع لنفسه.
العيب أن نستمر في التغطية على هذا الانفصام بخطابات التنمية التي لا تلد سوى أرقاماً عارية أو بمنشورات وزارية تحتفل بارتفاع الصادرات بينما المواطن يبحث عن رغيف لا يخونه ولا يخون كرامته.
ما أراه أمامي ليس مجرد اختلالات عابرة في معادلة اقتصادية بل هو انفصام بنيوي ممنهج كُتب في صميم النموذج التنموي الذي تبنيناه منذ عقود.
نحن أمام اقتصاد يعمل كممر ترانزيت للثروات
تُنتج فوق أرضنا وتُعالج بسواعدنا وتُشحن لتزيين موائد الآخرين وملابسهم بينما يقتات المنتج المحلي على الفتات ويشرب من بقايا الماء ويلبس ما ترميه أسواق العالم من قماش.
هذه ليست صدفة،هذا نظام ولن أبني استراتيجية عمل على انفعالات عابرة بل على أرقام تنطق وعلى حقائق لا تحتمل التأويل.
لنبدأ من حيث يبدأ الجوع، من الحقل.
نحن دولة فلاحية بامتياز لكن فلاحنا اليوم يقف عاجزاً أمام حقله ليس لأن السماء بخلت بل لأن الدولة التي يفترض أن تسنده حوّلت الفلاحة إلى لعبة أرقام في ميزان المدفوعات. في موسم 2025-2024حين انطلقت حملة الزراعات الكبرى اكتشف الفلاحون أن ما تم تخصيصه لهم من بذور وأسمدة لا يكفي سوى 350 ألف هكتار من أصل مليون هكتار كان من المفترض أن تُزرع.
350 ألفًا فقط والباقي كله معرض لأن يبقى بوراً لا يزرع أي أننا قبل أن نبدأ موسمنا قررنا أننا سنستورد أكثر من ثلثي حاجتنا من القمح مسبقاً.
وليس النقص في الكمية فقط،ط بل في النوعية أيضاً.
بذورنا التي نزرعها اليوم كريم، رزق، خيار هي بذور بالية يعود نقاش تعويضها إلى أربعين سنة خلت عندما حذّر ثلاثون باحثاً مغاربياً وتونسياً في سنة 1986 من أن هذه الأصناف فقدت خصوبتها.
ونحن مازلنا نزرعها بينما إيطاليا التي نستورد منها عجائنها وزيتها طوّرت أصنافاً مثل ساراغولا و إيريدي تعطي محصولاً يصل إلى 70قنطاراً في الهكتار أي خمسة أضعاف ما ننتجه من بذورنا العتيقة التي لا تتجاوز 15قنطاراً.
وقد اختبرنا هذه الأصناف في سبع ولايات منذ سنة 2005 ونجحت نجاحاً باهراً لكن نجاحها لم يمنع أن يظل الفلاح التونسي في سنة 2026 يبحث عن بذور جيدة فلا يجدها بينما نستورد القمح بقيمة 3 آلاف مليار سنتيم سنوياً لتغطية نصف احتياجاتنا فقط.
نحن نزرع الفقر ونستورد الخبز لهذا أجزم ان هذا ليس فقراً هذا قرار.
وهنا تأتي المفارقة الكبرى،ميزانية دعم المواد الأساسية لسنة 2026 بلغت 4079 مليون دينار بزيادة 278 مليوناً عن السنة التي قبلها.
وهذه الميزانية التي تشكل 41.7% من مجموع نفقات الدعم و2.2% من الناتج المحلي الإجمالي تذهب بكاملها تقريباً لاستيراد القمح والزيت النباتي والسكر من الأسواق العالمية لأننا عاجزون عن إنتاجها بأنفسنا.
نحن ندعم الاستيراد ونترك الإنتاج المحلي يتسول.
نحن ندفع المليارات لنملأ بطوننا مما يزرعه غيرنا وأرضنا التي بلغت نسبة اكتفائها الذاتي في الفواكه 188% وفي الألبان 170% تئن تحت وطأة الإهمال.
أما القمح الصلب فمعدل اكتفائنا الذاتي فيه لا يتجاوز 18% فقط أي أننا نستورد 82% مما نأكله من خبز ومعجنات.
هذا ليس اقتصاداً هذا استجداء مقنن.
إذا انتقلنا من الحقل إلى المنجم نجد الفاجعة ذاتها لكن بثوب مختلف.
صادرات تونس من الفسفاط ومشتقاتها سجلت ارتفاعاً بنسبة 15% سنة 2025 بعد انكماش في السنة التي قبلها وبلغت إيراداتها مستويات جعلت الحكومة تعلن أنها ستعتمد على هذا القطاع كأداة لتعزيز عائدات النقد الأجنبي وتخفيف الاختلالات الخارجية ،معنى ذلك أننا نسرع في ضخ ما تحت أقدامنا من ثروة غير متجددة في السوق العالمية فقط لنحصل على عملة صعبة تسد بها ديوننا بينما فلاحونا كما رأينا يعانون من نقص فادح في مادة (DAP) والأمونيتر التي تصنع من هذا الفسفاط نفسه.
نحن نصدر خصوبة أرضنا ونستورد التبعية الغذائية.

وإذا نظرنا إلى الأرقام الإجمالية نرى الصورة الكاملة للانفصام ،صادرات تونس سنة 2025 بلغت 63.695 مليار دينار والواردات 85.495 ملياراً أي عجز تجاري قدره 21.8 مليار دينار ونسبة تغطي لا تتجاوز 74.5%.
أي أننا نصدر لنستورد ولكننا نستورد أكثر مما نصدر بكثير والعجز يملأه القروض.
نحن نبيع خاماتنا بخسة ونشتري حاجتنا بغلاء والفارق دين متراكم على رقاب أبنائنا.
وإن أردت أن ترى كيف يُباع المستقبل بالجملة فانظر إلى ما تفعله الدولة بكوادرها.
بين سنتي 2021 و2025 غادر تونس أكثر من 6000 طبيب بمعدل 1000 طبيب كل سنة وفي سنة 2024 وحدها غادر 1400 طبيب. ليس هذا فقط بل 80% من الأطباء الشبان ينوون المغادرة وحتى رؤساء الأقسام في المستشفيات العمومية لم يسلموا من هذه الموجة. المستشفيات العمومية التي يفترض أن تكون صروحا للعلاج أصبحت تعاني من نقص فادح في المعدات ومن ديون متراكمة لدى الكنام بلغت إلى أكتوبر 2025 ما قيمته 1977 مليون دينار.
وفي الهندسة الطامة أكبر ،من مجموع 90 ألف مهندس مسجل بهيئة المهندسين التونسيين غادر نحو 39 ألفاً أرض الوطن أي ما يزيد على الثلث.
وعدد خريجي الهندسة سنوياً يتجاوز 8 آلاف ومعدل المغادرين يومياً يبلغ 20مهندساً. هذه أرقام لا تحتمل التأويل فنحن ننفق مئات الملايين على تعليم مجاني عمومي
نكوّن به أطباء ومهندسين على أعلى مستوى ثم نفتح لهم الأبواب ليهاجروا إلى فرنسا وألمانيا وكندا دون أن نحصل على دينار واحد مقابل هذا الاستثمار.
نحن نقوم بالاستثمار الأولي وتجني القوى العظمى العائد على الاستثمار. نحن نصدر الذكاء الذي كوّناه بدماء الميزانية ثم نستورد الاستشارات الفنية بآلاف الدولارات.
أما قطاع النسيج والجلود فهو أشبه بمسرحية عبثية. صادرات هذا القطاع سنة 2025 تجاوزت 9 مليارات دينار تونسي أي نحو 2.9مليار دولار وهذا الرقم لا يشمل حتى مبيعات شركات النسيج التي تزوّد قطاعي السيارات والطيران والتي تقدر بنحو 2.2 مليار دينار إضافية.
نحن نخيط لأرقى ماركات العالم و نصنع Made in Tunisia الذي يفخر به البيت الإيطالي والدار الفرنسية.
نساء تونس ورجالها يخيطون فساتين الأعراس التي تبلغ قيمتها آلاف اليوروهات ثم تُعرض في شارع مونتين وشارع ماديسون.
وماذا يرتدي التونسي؟
يرتدي الفريب الذي يتساقط من شاحنات الخردة أو يلبس البلاستيك المستورد من شرق آسيا.
نحن تحولنا إلى ورشة خياطة كبرى لا نملك فيها علامة تجارية واحدة ولا نملك حتى الحق في ارتداء ما ننتجه.
نحن نبيع سواعدنا وأجسادنا ووقتنا مقابل أجر لا يسمح لنا باقتناء ثمرة تعبنا.
هذه ليست تنمية هذا استعمار ناعم بامتياز.
ما الذي يجمع هذه القطاعات الأربعة في وحدة عضوية؟
إنه نموذج اقتصادي قائم على تصدير المواد الخام أو شبه المصنعة واستيراد المواد المصنعة أو النهائية.
نموذج يجعل من تونس ممر ترانزيت لا أكثر تمر منه الثروات ولا تترك فيه أثراً.
إننا أمام اقتصاد وسيط يستفيد من بقاء الثروة الوطنية في شكلها الأولي ومن بقاء السوق الداخلية مفتوحة للاستيراد دون حماية حتى تتحول تونس إلى سوق استهلاكية تابعة لا إلى منتج سيادي.
نكتفي بالحلقات الضعيفة (الإنتاج الخام، التجميع، الخياطة) ونتخلى عن الحلقات القوية (التعليب، البراندينغ، التسويق الملكية الفكرية).
نحن نبيع زيت الزيتون صبّة لإيطاليا فتعيد هي تعبئته في زجاجات فاخرة وتبيعه بخمسة أضعاف الثمن.
نحن نبيع التمور كلّية للخارج ثم نستورد حلويات التمور من تركيا.
نحن نصدّر الفوسفات خاماً، ثم نستورد الأسمدة المصنعة من نفس الفسفاط بأسعار مضاعفة.
هذا ليس اقتصاداً هذا استغلال مقنع.
وسياسة الصرف والعملة تدفعنا إلى تشجيع التصدير بأي ثمن لأننا بحاجة للعملة الصعبة لسداد الديون.
وهنا تكمن المأساة، أصبح تصدير الدقلة أهم من
تغذية التونسي وأصبحت قيمة التصدير هي المقياس الوحيد للنجاح حتى لو كان الثمن هو تفريغ السوق الداخلية من الجودة ورفع الأسعار.
القوانين البالية صُممت لخدمة كبار المصدرين والمستوردين وليس لخدمة صناعة وطنية قائمة على السوق الداخلية. التراخيص والامتيازات المالية تذهب لمن يعزز هذا النموذج التابع بينما يبقى صاحب المشروع الصغير الذي يريد إطعام جيرانه بجودة عالية يحارب في صمت ليلاً ونهاراً.
إذاً ما العمل؟
ليس المطلوب أن نزيد من الإنتاج فقط بل أن نستعيد ملكية هذا الإنتاج وأن نفرض سيادتنا على كامل سلسلة القيمة من الحقل إلى المائدة.
هذا يتطلب قلب المعادلة رأساً على عقب.
أولاً، في قطاع الحبوب يجب أن نتعلم من تجاربنا الخاصة. الأصناف الإيطالية ساراغولا و إيريدي أثبتت نجاحها في أراضينا منذ سنة 2005 حيث أعطت محصولاً يصل إلى 70 قنطاراً في الهكتار مقابل 15 قنطاراً من أصنافنا البالية. فلماذا لا نعتمدها على نطاق واسع؟
لماذا نستورد القمح بـ3 آلاف مليار سنتيم سنوياً ونحن نملك الحل بأيدينا؟
يجب فرض سياسة وطنية للبذور المحسنة وإجبار المطاحن على استعمالها وربط دعم القمح باستعمال البذور الوطنية المحسنة لا المستوردة.
هذا سيرفع نسبة الاكتفاء الذاتي من 18% إلى 50% على الأقل في غضون خمس سنوات.
ثانياً، في قطاع الفسفاط يجب وقف تصدير المادة الخام تدريجياً وفرض تحويلها محلياً إلى أسمدة ومنتجات نهائية. نحن نصدر الفسفاط ونستورد الأسمدة وهذا جنون اقتصادي. يجب إنشاء مصانع تحويل كبرى في ولايات الجنوب الغربي وربطها بشبكة نقل وتوزيع وطنية بحيث يصل DAP والأمونيتر إلى الفلاح التونسي بسعر مدعوم قبل أن يُصدر الفائض وهذا سيوفر المئات من الملايين من فاتورة استيراد الأسمدة ويخلق آلاف فرص العمل في المناطق الداخلية.

ثالثاً، في قطاع النسيج يجب الانتقال من المناولة إلى التصنيع.
هذا يعني وضع برنامج وطني لإنشاء علامات تجارية تونسية في مجال الأزياء والجلود بدعم من الدولة والبنوك وبالتعاون مع المصممين التونسيين.
يجب ربط الامتيازات الجمركية للمصانع المناولة بالتزامات بشراء نسب متزايدة من الإنتاج المحلي للسوق التونسية وفرض كوتة جودة على الملابس المستوردة لحماية المنتج المحلي.
نحن نخيط لأرقى ماركات العالم فلماذا لا نخيط لأنفسنا؟

رابعاً، في قطاع الهجرة يجب تحويل جزء من ميزانية التكوين إلى منح توظيف استثماري للشركات التي تنشأ في الداخل وتوظف الكفاءات الوطنية.
ويجب فرض ضريبة هجرة الأدمغة على الدول التي تستقطب كفاءاتنا كآلية لاسترداد جزء من الاستثمار العمومي في التعليم والصحة.
هذه الضريبة معمول بها في دول مثل الهند والفلبين وهي ليست انتقاماً بل عدالة.
يجب إعادة توجيه الدعم من الاستهلاك المستورد إلى الإنتاج المحلي.
الدعم الحالي البالغ 4079 مليون دينار يذهب معظمه لاستيراد القمح والزيت والسكر. يجب تحويل هذا الدعم تدريجياً ليكون دعمًا مباشراً للفلاح التونسي الذي يزرع قمحاً صلباً وللمطحنة التي تستعمل بذوراً محسنة وللمصنع الذي يحوّل الزيتون التونسي إلى زيت بجودة تصدير.
الدعم يجب أن يكون استثماراً في القدرة الوطنية لا إدماناً على الاستيراد.
نحن في تونس نعيش اليوم تحت وطأة نموذج تنموي جعلنا عمالاً موسميين في اقتصاد العالم لا منتجين سياديين في وطننا.
ننتج ولا نستهلك، نصدر ولا نستفيد، نزرع ولا نأكل، نتعلم ولا نعمل. هذا الانفصام ليس قدراً بل هو نتيجة خيارات وتراكمات يمكن تغييرها إذا توفرت الإرادة.
الحل ليس في مزيد من القروض ولا في مزيد من التشجيع على التصدير العاري بل في إعادة تعريف دور الدولة من ميسر للتبادل التجاري إلى مهندس للقيمة المضافة.
الدولة التي لا تحمي منتجها المحلي ولا تضمن جودة ما يأكل مواطنها ولا تستثمر في صناعة تحويلية حقيقية هي دولة توزع أموالها على الآخرين.
نحن أمام لحظة حاسمة،إما أن نستمر في دور المطبخ الكبير الذي يُعد أشهى المأكولات للضيوف ويأكل هو الفتات وإما أن نقرر أن نأكل مما نطبخ وأن نلبس مما نخيط وأن نستعمل مما نصنع.
خارطة الطريق مرسومة و الأدوات موجودة ولكن هل لدينا الجرأة على كسر احتكارات الوساطة التي تستفيد من بقاء الاقتصاد ممراً؟
وهل لدينا الإرادة لتطبيق معايير الجودة كأداة لحماية المنتج المحلي أولاً؟
هذه أسئلة لا يمكن للاقتصاد وحده أن يجيب عنها.
إنها أسئلة في صميم السيادة وفي صميم الكرامة الوطنية. وإلى أن نجد الإجابات سنبقى نطبخ للضيوف وننام جائعين.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال