بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

ما العمل في زمن والفتن؟

2026-03-24 36 قراءة مختلفات عبد العزيز كحيل
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
إنه زمن الفتن الي تذر الحليم حيران المذكورة في الحديث النبوي: " بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا" (رواه مسلم) ، فالباطل يعربد وله بريق ولمعان وصوت وضجيج، بينما الحق مقهور خافت الصوت، وأول ما ينبغي التسلح به هو الفهم والوعي، أي ترك السلبية وهيجان العواطف، والاستمساك بالرأي البصير الذي عليه العلماء الربانيون الراسخون لأن من أكبر هذه الفتن الاستخفاف بالعقول واستحمار الجماهير وصناعة عقلية القطيع، وإنما العصمة في القرآن والسنة بفهم العلماء الأتقياء ذوي البصيرة والتجربة والشجاعة، قال تعالى "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ"...ومما يجب فهمه أننا لسنا أمام حرب بين طوائف إسلامية، وأن قضية المسجد الأقصى قد تراجعت تراجعا رهيبا بلغ درجة إغلاقه تماما أمام المصلين فلم تقم فيه جمعة ولا صلوات خمس ولا تراويح، وهو ما لم يحدث في تاريخه، ومع ذلك لم يستنفر هذا الأمر المسلمين ولا حرّك "أولي الأمر" منهم، ومن أقبح ما أصبحنا عليه أن علماء السلاطين يفضلون اليهود ويجعلون من حراس القواعد الأمريكية مجاهدين في سبيل الله...أليست بالفعل فتنا كقطع الليل المظلم؟ وأمام هولها وحتى لا نفقد البوصلة نحتاج إلى من يذكّرنا بأن الباطل يبقى باطلا مهما علا وطغى، وأن الحق سينتصر وفق وعد الله تعالى، نحتاج إلى من يثبتنا على الحق، ويرفع معنوياتنا ويجدد فينا العزيمة حتى لا ننهار، ويذكرنا بحال النمرود الذي قال "أنا أحيي وأميت"، وفرعون الذي قال "أنا ربكم الأعلى"، والقياصرة والأباطرة الذين ملكوا الدنيا وتمردوا على الله، وتلك الأقوام التي لم تبال بالأنبياء بل قالت لهم في صلف "من أشد منا قوة؟"، أولئك الذين قال عنهم الله تعالى "طغوا في البلاد فأكثروا فيها لفساد"...كل هؤلاء يكفي فيهم قوله تعالى "إن ربك لبالمرصاد".
هكذا، في مفاصل تاريخية يزهو فيها الباطل يتدخل القدر الإلهي ويصفّى حساباته مع المتألهين بالطريقة التي يراها، فالله هو الذي أغرق فرعون وليس موسى، ويد الله هي التي أنهت طغيان عاد وثمود وأصحاب الأيكة وليس هود أو صالح أو لوط عليهم السلام، ولْنفقه التعبير القرآني البديع:
- فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.
- هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا.
لكن هذه النقول لا تدعو إلى الانسحاب والتفرج على القدر يعمل لأن الأنبياء الذين تولى الله نصرتهم إنما بذلوا كل وسعهم حتى لم يبق منه مزيد، وتلك سنة الله في الأنبياء وغيرهم، لكننا كجماهير منهكة القوى لا نملك إلا التعلق بقوله تعالى " فنادى ربه أني مغلوب فانتصر"، نطرق الباب ونواصل ونديم الطرق لعله يفتح لنا من غير حول منا ولا قوة، فهذا الكون كون الله وليس كون أمريكا والكيان الصهيوني، والتدبير الإلهي يجعلنا ننتقل من القلق السلبي إلى الإيجابي، أي من مقاعد التفرج إلى ميدان الفعل والتغيير والحضور القوي، فلا مجال للإحباط واليأس، وقد مرت على الأمة حروب ضارية ومحاولات للاستئصال والاجتثاث، مرت عليها حروب الردة والتتار والصليبيين والاستعمار الغربي، حتى ظن من ظن أن الجزائر- مثلا - أصبحت فرنسية وقطعت صلحتها بالمحيط العربي والنسب الإسلامي، فخاب ظنهم، وحدث للبوسنة وأفغانستان ما حدث، وذهب الطغيان وبقي الإسلام، وقد كان طوفان الأقصى إيذانا بنقلة نوعية لإخراج المارد الإسلامي من قمقمه لكن السلبية والخيانة والتواطؤ مع العدو حال دون ذلك إلى حين، ويوشك أن يأتي على الأمة يوم مبارك يتبوأ فيه سدة القيادة جيل جديد لن يكونوا خونة فجارا ولا ملائكة أبرارا لكنهم خيار أحرار، يغلب خيرهم شرهم، يسددون ويقاربون ويسعون في الأرض بالإصلاح، تلتف حولهم الشعوب، ويؤيدهم الله بروحه، ويجري على أيديهم الخير بكل صوره، أولم يعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافة على منهج النبوة تتوّج دورة تاريخية طويلة فيها خير وشر وصعود وهبوط؟
ومهما يكن من أمر فإننا نستمتع بصور الخراب في الكيان الصهيوني، وما ذلك إلا مواساة لأهل الله وأصفيائه وأوليائه، قال تعالى: "ويشف صدور قوم مؤمنين"، وقال "قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم"، فنتواصى بالثقة بالله صاحب القوة، فهي تورث الثقة بالنفس.

عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال