بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تغريبة رأس المال: حين يفرّ المال من خيمته الذهبية ويبحث عن وطنٍ لا يخونه القانون

2026-03-23 228 قراءة مختلفات أ.عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تغريبة رأس المال: حين يفرّ المال من خيمته الذهبية ويبحث عن وطنٍ لا يخونه القانون
إنّ رأس المال المستقر في منطقة الخليج ليس في مجمله رأسمال خليجياً بل ولا يمكن وصفه كله بالعروبة.
وحتى إن وجد فيه رأسمال عربي فهو في جوهره
مالٌ هارب،ثروات استلّت من أوطانها لتبحث لها عن أعشاشٍ دافئة في المهاجر لأن البيئة هناك توفر لها الأمان.
هذا المال يشبه الطيور المهاجرة تماماً فهو دائم الارتحال يبحث دوماً عن الملاذ الأكثر استقراراً.
وأعتقد جازماً أن دولاً مثل دبي أو البحرين ستواجه في السنوات المقبلة معضلة حقيقية إذ ستهاجر منها الأموال كما هاجرت من قبل من محطات أخرى.
انظروا إلى لبنان، لقد كانت عاصمة المال العربي وكانوا يلقبونها بسويسرا الشرق ولم يكن ذلك بفضل أشجارها
أو جبالها فحسب بل بفضل نظامها البنكي وسريتها المصرفية.
وحين اندلعت الحرب هاجرت تلك الأموال فوراً،توجهت في البداية إلى قبرص وما إن قُسمت الجزيرة واشتعلت فيها الصراعات حتى فرّت الأموال نحو البحرين حيث استُحدثت مؤسسات مصرفية عربية استفادت منها المنامة بشكل ممتاز ثم انتقل الثقل لاحقاً إلى الإمارات.
واليوم، بعد التجربة الإماراتية والبحرينية قد يشد الرحال نحو بلدان أخرى.
رأس المال يمم وجهه الآن نحو وجهات بديلة كإسبانيا
أو سنغافورة أو حتى تونس شريطة أن تبادر إلى تحديث تشريعاتها وتغيير قوانينها وتهيئة أرضية اقتصادية صلبة مستغلةً قربها من أوروبا وأفريقيا والموانئ العالمية الكبرى.
دبي تنتظرها سنواتٌ عجاف ،تنتظرها سنوات صعبة يتخللها نزيف حاد وهجرة كبرى للأموال.
ستكشف لنا نتائج الحروب الحالية ما إذا كان الدولار سيظل الملاذ الآمن الأوحد أم أن العالم بصدد البحث عن بديل لم يعد الدولار يوفره.
الانتقال من المتحف القانوني إلى منصة السيادة يتطلب إدراكاً عميقاً بأن السيادة الحقيقية اليوم لا تُحمى بالانغلاق خلف مجلة صرف بالية تُعامل المواطن كمتهم والمستثمر كغريب بل تُبنى بامتلاك الأدوات التي تجعل من تونس مغناطيساً للتدفقات المالية العالمية.
نحن نعيش في لحظة تاريخية فارقة حيث تتداعى المركزيات المالية القديمة ويبحث رأس المال العالمي عن موانئ جديدة تتسم بالمرونة والأمان التشريعي المطلق
وهنا تبرز تونس كمرشح طبيعي لتكون سويسرا المتوسط
أو قرطاج الرقمية بشرط أن نمتلك الجرأة لشن ذلك
الزلزال التشريعي الذي يهدم البيروقراطية المتكلسة ويضع حداً لتغوّل الإدارة على نبض المبادرة الخاصة.

تحرير الدينار من زنزانته الانفرادية ليس مخاطرة بقدر ما هو استعادة للكرامة الاقتصادية فالعالم الذي يدار بالخوارزميات لا ينتظر من يقف في طوابير التراخيص
و الموافقات المسبقة والشباب التونسي الذي يطوع الذكاء الاصطناعي اليوم يستحق نظاماً بنكياً عابراً للقارات
لا نظاماً يخشى تحويلات مالية بسيطة.
هذه الثورة البنكية المنشودة يجب أن تتجاوز مفهوم الترميم لتؤسس لمنظومة أوفشور سيادية تجعل من تونس ملاذاً آمناً للثروات القلقة التي بدأت تشم رائحة التغيير في الملاذات التقليدية بالخليج أو الغرب.
الأنياب القانونية التي ذكرتها هي وحدها الكفيلة بتحويل تونس من مجرد نقطة جغرافية على الخريطة إلى مركز ثقل استراتيجي في الخارطة المالية الجديدة
حيث لا تكون الدولة شريكاً مضارباً في الأرباح بل حارساً أميناً للنمو ومنصة تنطلق منها الطموحات نحو أفق عالمي
لا يعترف بالحدود الورقية الصدئة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال