بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

نحن لا نعيش لحظة انهيار بل نُقيم داخل وهمٍ مُحكم البناء حيث تتحول الحقيقة إلى سلعة وتُختزل السيادة في أنابيب ويُعاد تعريف الإنسان ككلفة جانبية في معادلة الربح بينما يتقدم العالم نحو نهايته بثقةٍ عمياء تُشبه اليقين

2026-03-22 67 قراءة مختلفات أ.عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
نحن لا نعيش لحظة انهيار بل نُقيم داخل وهمٍ مُحكم البناء حيث تتحول الحقيقة إلى سلعة وتُختزل السيادة في أنابيب ويُعاد تعريف الإنسان ككلفة جانبية في معادلة الربح بينما يتقدم العالم نحو نهايته بثقةٍ عمياء تُشبه اليقين
في مارس 2026 لم تعد هناك حرب باردة فالحرب الباردة كانت حرباً أنيقة نسبياً بين سيدين يتقاسمان العالم
كل يعرف حدوده وأين يقف، أما ما نعيشه اليوم فهو شيء أقذر وأكثر تخلفاً.
هو حرب ساخنة في الخليج وحرب باردة متعددة الأقطاب في بقية العالم وحرب استنزاف لأوروبا التي ظنت أنها تخلصت من عبودية الغاز الروسي لتجد نفسها تحت رحمة الغاز القطري الذي توقف فجأة، ليس بسبب قرار سياسي بل بسبب صاروخ إيراني أطلق من قاعدة في الصحراء.
هذا هو مستوى الحضارة الذي وصلنا إليه، نعتمد في رفاهيتنا على أنابيب وصمامات وخزانات يسهل تفجيرها بصاروخ لا تتجاوز تكلفته بضع عشرات الآلاف من الدولارات.
أوروبا كانت واثقة من نفسها، راهنت على قطر بعد أن قطعت علاقتها بروسيا ونسيت أن قطر مجرد جزيرة صغيرة في خليج ضيق وأن إيران يمكنها في ليلة واحدة أن تحول تلك الجزيرة إلى جحيم وهذا ما حدث بالضبط.
في الخامس من مارس ضربت الصواريخ الإيرانية مجمع راس لفان أكبر منشأة للغاز المسال في العالم فانطفأت معها عشرون بالمئة من إمدادات الغاز العالمية ورفعت قطر القوة القاهرة على عقودها وقالت للعالم آسفون لقد انتهى الغاز. من هناك بدأت الكارثة الأوروبية الحقيقية، ليس عندما ضربت روسيا أوكرانيا بل عندما ضربت إيران قطر.
الأوروبيون يستحقون ما حل بهم فقد ظنوا أنهم يستطيعون الاستمرار في استنزاف الشرق الأوسط بلا ثمن وظنوا أن الغاز سيبقى يتدفق كالماء من الصنبور.
لم يقرأوا التاريخ أو قرأوه واختاروا تجاهله فأوروبا اليوم تعاني من ركود تضخمي يصف حالة من العذاب الاقتصادي حيث قفزت أسعار الغاز ستين بالمئة والتضخم يتجه نحو ستة بالمئة والمصانع تغلق أبوابها لأن فاتورة الطاقة أصبحت جنونية.
ألمانيا قلب أوروبا الصناعي تخشى على مستقبلها والمفوض الأوروبي دومبروفسكيس قال إنهم أمام صدمة ركود تضخمي كبيرة وترجمة ذلك بالعربية أن أوروبا ستدفع الثمن غالياً لأنها ظنت أن السلام في الشرق الأوسط يمكن أن يستمر بلا مقابل والآن هي تدفع وستدفع أكثر.
العجيب في هذه الحرب أن من يدفع الثمن الأكبر ليس طرفاً فيها فإيران وأمريكا وإسرائيل تتقاتل لكن أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية هي التي تنزف.
أما إيران نفسها التي يعتقد كثيرون أنها منهكة فقد خرجت من هذه الحرب أقوى مما دخلت وهذا هو السيناريو الأول الذي انقلب رأساً على عقب.
التوقعات الغربية كانت تقول إنه إذا اغتيل المرشد الأعلى علي خامنئي فإن النظام سينهار من الداخل وستسقط طهران كما سقطت بغداد.
حدث هذا في الثامن والعشرين من فبراير حيث اغتيل خامنئي لكن لم تسقط طهران بل على العكس تماماً خرج مئات الآلاف في جنازته ليس حباً فيه بل خوفاً من الفوضى ثم في الثامن من مارس اختار مجلس الخبراء نجله مجتبى خامنئي قائداً أعلى جديداً.
مجتبى الذي لم يتول أي منصب رسمي قبل ذلك أصبح فجأة ولي الفقيه وهذا هو عبقري النظام الإيراني
إنه ليس نظام رجل واحد بل نظام مؤسسات.
الحرس الثوري الذي خطط لعقود لسيناريو اغتيال القائد كان مستعداً فكل قائد ميداني له ثلاثة خلفاء جاهزين والصلاحيات نُقلت إلى القادة المحليين حتى يتمكنوا من الرد دون انتظار أوامر من طهران.
وهكذا بدلاً من أن تنهار إيران انهارت عقيدة الصبر الاستراتيجي التي كان خامنئي الأب يتبناها طوال خمسة وثلاثين عاماً فإيران اليوم بلا مكابح وقادتها الجدد أكثر تشدداً وأقل حكمة وهم مستعدون لخوض حرب إقليمية شاملة وقد بدأوها بالفعل.
الرد الإيراني على اغتيال خامنئي لم يكن محسوباً بل كان جامحاً ولم يقتصر على ضرب القواعد الأمريكية في قطر والكويت والإمارات بل امتد إلى استهداف فنادق في دبي ومطار الكويت الدولي. ثم أغلقت إيران مضيق هرمز ذلك الممر المائي الضيق الذي تمر منه عشرون بالمئة من نفط العالم وتسعون بالمئة من نفط الخليج.
في الأيام العادية كان يعبر المضيق 129 ناقلة يومياً، أما اليوم فلا تعبر إلا أربع حيث انخفضت الحركة بنسبة سبعة وتسعين بالمئة.
الكويت خفضت إنتاجها من أربعة ملايين برميل يومياً إلى مليون ومئتي ألف والعراق فقد قدرته على التصدير
وقطر توقفت عن إنتاج الغاز وبالطبع ارتفعت أسعار النفط إلى ما فوق مئة وعشرة دولارات للبرميل.
لكن هذا لا يعني أن الدول المنتجة تستفيد فالسعودية والإمارات والكويت تخسر إيراداتها لأنها لا تستطيع التصدير فأسعار النفط المرتفعة لا تفيد من لا يستطيع البيع وهذا هو جنون الحروب حيث الجميع يخسر لكن إيران قررت أن تخسر بطريقتها وأن تجر الجميع معها إلى الهاوية.
المضحك المبكي في هذا كله أن الولايات المتحدة تجد نفسها عاجزة أمام زوارق إيرانية صغيرة وألغام بحرية بدائية فالبنتاغون يعترف بأن إيران زرعت آلاف الألغام في المضيق وأن السفن الأمريكية المتخصصة في إزالة الألغام غادرت المنطقة قبل الحرب وهي الآن في ماليزيا على بعد خمسة آلاف وستمائة كيلومتر.
ترامب قال إنه لن يضع جنوداً على الأرض وإنه يريد إنهاء الحرب تدريجياً تاركاً للدول الأخرى مهمة تأمين المضيق وهذه ليست قوة بل عجز مقنع بجمل براقة.
أوروبا تنتظر أن تشكل الولايات المتحدة تحالفاً بحرياً لمرافقة الناقلات لكن فرنسا وألمانيا وبريطانيا رفضت المشاركة وحتى أستراليا واليابان رفضتا.
ماكرون قال بصراحة لن نشارك أبداً والألمان سألوا عما تتوقعه من بضع فرقاطات أوروبية لا يستطيع الأسطول الأمريكي القوي فعله.
إذن أمريكا عاجزة وأوروبا عاجزة وإيران مستمرة في إغلاق المضيق وكل يوم يمر يزداد عمق الأزمة.
الجانب الأكثر ظلمة في هذه الحرب هو الجانب البيئي فالخطر الحقيقي يكمن في احتمال انفجار مفاعل بوشهر النووي المبني على صدع جيولوجي نشط.
أي ضربة عسكرية عليه أو حتى زلزال ناتج عن التوتر الجيولوجي قد يؤدي إلى انصهار قلبه وتسرب إشعاعي بحجم تشيرنوبيل.
نماذج المحاكاة الغربية تقول إن السحابة المشعة ستصل إلى الكويت والسعودية خلال ست إلى اثنتي عشرة ساعة وستلوث مياه الخليج لسنوات والخليج هو المصدر الرئيسي لمياه الشرب لدول المنطقة عبر محطات التحلية.
الكويت تعتمد على التحلية بنسبة مئة بالمئة ولو تلوثت المياه فسيكون سيناريو نقص المياه مأساوياً حيث سيواجه أربعون مليون نسمة خطر الموت عطشاً أو التسمم الإشعاعي وهذا ليس خيالاً علمياً بل هو احتمال قائم كل يوم
وكل صاروخ يطلق يزيد من احتمال حدوث خطأ ما أو رد فعل متسلسل لا يمكن السيطرة عليه.
هذه الكارثة المحتملة ستصل إلى الهند وباكستان عبر الرياح وربما إلى شرق أفريقيا وسيضرب قطاع التأمين البحري فتصبح مياه الخليج منطقة محظورة وهذا يعني توقفاً كاملاً للتجارة البحرية وليس فقط النفط.
إيران الجديدة بقيادة مجتبى خامنئي والحرس الثوري لا تخشى الموت ولا الدمار ولا العزلة لقد استوعبت درساً وحيداً من التاريخ وهو أن امتلاك السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة للبقاء ولذلك فإن التقديرات الغربية تقول إن إيران ستتجه خلال الأسابيع المقبلة إلى صنع قنبلة نووية ولن يمنعها شيء وربما يكون قد فات الأوان بالفعل.
أما المستفيدون فهم قلة وروسيا أكبرهم ففي الأيام العشرة الأولى كسبت روسيا سبعمئة وسبعة وسبعين مليون دولار إضافية من مبيعات النفط وأمريكا رفعت مؤقتاً العقوبات عن النفط الروسي لتخفيف النقص في الأسواق فزادت صادرات روسيا للهند بنسبة خمسين بالمئة.
الصين مستفيدة أيضاً فهي تشتري النفط الإيراني بأسعار مخفضة وتعزز نفوذها الجيوسياسي والهند تربح من إعادة تصدير النفط الروسي الرخيص إلى أوروبا وشركات الطاقة الغربية تحقق أرباحاً قياسية لكن هذه المكاسب ستتلاشى عندما تتحول الكارثة البيئية إلى حقيقة.
المستفيد الأكبر من هذه الحرب هو الموت نفسه
الموت الذي يتربص بالبحارة والمدنيين والعمال والفلاحين الموت الذي سيرفع معدلات السرطان في المنطقة لعقود قادمة.
في هذه الأثناء العالم يراقب والشرق الأوسط يحترق والغرب يلهث وراء مصالحه والكل ينتظر ما لا يعرفه.
ربما يكون الأسبوع المقبل حاسماً ،ربما تبدأ القوافل البحرية فتصطدم بلغم، ربما يضرب زلزال بوشهر، ربما تنفجر إحدى الناقلات وتسد المضيق لأسابيع، لا أحد يعرف لكن المؤكد أن السيناريو الأسوأ لم يأت بعد وما نشهده الآن هو مجرد تمهيد. نحن في عالم لم يعد فيه أحد مسؤولاً عن شيء
أمريكا تنسحب وتعود، إيران تهدد وترد، أوروبا تتفرج وتدفع والمواطن العادي هو الضحية.
لا قيادة حقيقية، لا استراتيجية واضحة، لا رادع أخلاقي، كل شيء مباح وسينتهي بطريقة أو بأخرى لكن الثمن سيدفعه الأبرياء كما هو الحال دائماً.
هذا هو واقعنا بلا تجميل وبلا دبلوماسية وبلا خوف.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال