بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

دابق لم تعد حديثاً.. إنها خريطة قواعد عسكرية: كيف تعيد إيران والغرب إنتاج الملحمة تحت سماء الشام؟

2026-03-20 83 قراءة مختلفات أ.عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
دابق لم تعد حديثاً.. إنها خريطة قواعد عسكرية: كيف تعيد إيران والغرب إنتاج الملحمة تحت سماء الشام؟
في طيات النصوص التي توارثتها الأمة عن نبيها الكريم
ثمة حديث يتردد بقوة كلما اقتربت رياح الصراع من أفق الشام: حديث الملحمة الكبرى في دابق والأعماق.
فقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر عن نزول الروم في أرض الأعماق أو دابق فيلتقي بهم جيش من خيار أهل المدينة فإذا تواجهوا قال الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلث شهداء، ويفتح ثلث لا يُفتنون أبداً.
هذا المشهد النبوي مهما قرأه المؤمن قراءة التسليم فإنني لا أملك إلا أن أقف أمام تطابقات جغرافية وسياسية تثير الريبة قبل الإيمان.
فنحن اليوم في حقبة يتقاطع فيها التاريخ بالجغرافيا مع النبوءات وقد صارت ساحة شمال سوريا تحديداً تحمل ذات الإحداثيات التي حملتها تلك النصوص.
المتأمل في خريطة الصراع الحالية يجد أن منطقة دابق والأعماق الواقعة في ريف حلب الشمالي لم تعد مجرد بقعة حدودية بل تحولت إلى عقدة مواصلات استراتيجية تلتقي فيها قوى كبرى وإقليمية بثقلها العسكري المباشر.
هناك تركيا عضو الناتو التي تمتلك قواعد ثابتة ونقاط مراقبة وفصائل الجيش الوطني السوري المدعوم منها.
هناك القوات الأمريكية المتمركزة شرق الفرات والتي تتحكم بخطوط الإمداد.
هناك المليشيات المدعومة إيرانياً التي تحاول التمدد وهناك الوجود الروسي الذي يمسك بزمام السماء عبر قواعد حميميم ومنشآته في المنطقة.
هذا التداخل الاستثنائي يجعل من هذه الجغرافيا ميداناً مفتوحاً لأي ملحمة كبرى تتطلب حشداً استثنائياً وجيوشاً تأتي من قارات مختلفة.
في التحليل السياسي يُشار إلى الروم بأنه الكتلة الغربية المتمثلة بحلف الناتو وأوروبا والولايات المتحدة
وهو ما يتطابق مع التطورات الميدانية حيث نشهد اليوم أساطيل غربية تتحرك في البحر المتوسط والبحر الأحمر وتواجداً عسكرياً أميركياً في قواعد سوريا والعراق وكأنها تعيد إحياء صورة نزول الروم إلى السواحل القريبة من بلاد الشام.
أما الحديث عن جيش من المدينة فهو يعيدنا إلى مسألة المركزية الأيديولوجية والقتالية وهو ما يلتقي مع استراتيجية وحدة الساحات التي تنتهجها طهران حيث تجعل من فصائلها المنتشرة أداة موحدة بمرجعية قيادية واحدة في مشهد يذكر بذلك الجيش الذي يخرج من الحواضر الكبرى لملاقاة الزحف الغربي.
لكن اللافت في الحديث النبوي هو رفض المسلمين التخلي عن إخوانهم الذين سباهم الروم أو انحازوا إليهم
وهو ما نرى نظيره اليوم في محاولات غربية مكثفة لعزل حركات المقاومة والفصائل الإسلامية عن محيطها الشعبي وكأن الغرب يريد أن يقول للمحيط الإسلامي: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا.
غير أن الوقائع تشير إلى أن التجمعات الإسلامية والإقليمية رغم تباين توجهاتها تدرك أن انكشاف أي طرف سيكون مقدمة لانكشاف الكل وهذا ما يجعل مشهد التلاحم في الحديث قابلاً للتحقق.
أما قراءة التكتيك العسكري الذي يصف الحديث انقسام الجيش إلى ثلث منهزم لا يتوب الله عليه وثلث قتيل وثلث فاتح فهي تعكس بجلاء طبيعة حروب الفناء التي تسود العقائد العسكرية الحديثة حيث لم تعد الحرب تهدف فقط للانتصار الجغرافي بل لتفكيك الروح القتالية للخصم واقتلاعه من جذوره.
ما نشهده اليوم من حرب مسيرات واستنزاف بالوكالة هو مرحلة ما قبل الملحمة التي تسبق التدخل المباشر
فحين تدرك القوى الغربية أن حلفاءها الإقليميين وفي مقدمتهم إس.رائيل لم يعودوا قادرين على حسم المعركة وحدهم فإن منطق حماية المصالح الاستراتيجية قد يدفعها إلى النزول المباشر في الأعماق أو دابق.
بالنظر إلى التوازنات العسكرية الحالية في شمال سوريا
نجد أن الوجود التركي هو الأكثر حضوراً برياً في هذه المناطق إذ تمتد أحزمة درع الفرات و غصن الزيتون
و نبع السلام لتشكل مناطق سيطرة تركية فعلية مدعومة بقواعد ثابتة وقدرات مدفعية وجوية.
وإلى الشرق تنتشر قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكياً مما يخلق خط تماس بالغ الحساسية بين النفوذ التركي والأمريكي.
وروسيا رغم عدم انتشارها المكثف في تلك البقعة بالذات تبقى القوة الجوية الأبرز ولها دور المنسق الأمني مع تركيا وإيران عبر مسار أستانة.
أما إيران وحلفاؤها فتركيزهم الأساسي يتركز في وسط سوريا وشرقها لكن تواجدهم شمال غرب البلاد يخضع لتفاهمات روسية تركية تحد من حركته.
في ظل هذا المشهد يظل احتمال حدوث صدام مباشر في دابق والأعماق مرهوناً بانهيار التفاهمات الروسية التركية
أو تحول الصراع مع إسرائيل من حرب استنزاف إلى مواجهة إقليمية شاملة تستدعي تدخلاً غربياً برياً
أو تغير الموقف الأمريكي من سياسة الحد إلى خيار المواجهة المفتوحة.
حتى اللحظة تتعامل القوى الكبرى بعقلية إدارة الصراع
لا خوض الملحمة فالشروط الموضوعية للتحول إلى مواجهة مباشرة لم تكتمل بعد.
لكن ما يحدث من تصعيد إيراني متزايد في المنطقة وإصرار غربي على دعم حلفائه قد يكون هو الشرارة التي تعيد إنتاج مشهد دابق بأسلحة القرن الحادي والعشرين حيث تتقاطع الجغرافيا بالتاريخ مع النبوءات في واحدة من أكثر مناطق العالم اشتعالاً.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال