بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

النوايا الحسنة لوحدها لا تفعل شيئاً

2026-03-19 32 قراءة مختلفات د. ضرغام عبد الله الدباغ
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
لنتحدث اليوم بلغة الاقتصاد والعلم بعيداً عن السياسة .... فبعد نيف وثلاثة وعشرون عاماً وما زلنا والعراق ما زال في مرحلة التجارب، وأغلب الظن أن مشروع حكومة التكنوقراط إن شاهد النور، لكن المشكوك به في ظل المعوقات الحالية التي لا تحصى أن يجد سكة الإقلاع، وسينتهي به الحال كما انتهت الحكومات السابقة التي توالت على الحكم بعد الاحتلال.

على ماذا نؤسس تقديرنا هذا ..؟
العراق سياسياً بين إدارة أستعمارية، ونظام أنتداب وما بدور واقعياً هو تدمير متواصل للمنجزات العراقية التي تمت منذ فجر الاستقلال عاتم 1921، ونهب منظم لثرواته الطبيعية، أما عملية التنمية التي كانت تدور وبنتائج ممتازة، فقد توقفت منذ الاحتلال (وهذا بديهي) والحكومات المتعاقبة التي لم تكن سوى نتيجة مفضوحة وهي تزوير علني للانتخابات، وسط مقاطعة شعبية واسعة، لم يكن لها سوى مهمة رئيسية وهي تلبية رغبات قوى الاحتلال.

ويعرف كل متخصص في الاقتصاد أن هناك فرعاً من فروع الاقتصاد يسمى اقتصاد التخلف أو اقتصاد التنمية (Development Economics) ومن دراسة أولية لهذا الفرع، ندرك أن شروط التنمية معقدة وصعبة، وهي سلسلة متكاملة من الحلقات، لابد من توفير شروطها، أو على الأقل الابتدائية منها للبدء بعملية الإقلاع. وعدم توفرها يعني أن النية متوفرة ولكن لا شيئ غير ذلك، وأي اقتصادي يعلم اليوم أن شروط التنمية متعثرة جداً في العراق، بل هناك نقص فاضح في العناصر الرئيسية فيها، وفي مقدمة تلك هي تخصيصات مالية للاستثمار والتنمية، في حين أن الخزينة العراقية تشكو من إفلاس دائمي أو شبح إفلاس، والبنى الارتكازية (Infrastruktur) تعاني من الخراب بشكل شبه كامل، والمصانع العراقية (ولا سيما المهمة منها) سرقت وهربت إلى إيران، كما أن إنتاج الطاقة الكهربائية (وهو شرط جوهري من شروط قيام صناعة)، ما زال في أدنى مستوياته وهو علة العلل في العراق.

والنظامان الصحي والتعليمي يعانيان من أنهيار يضعهما في القاع، لذلك فالنهوض بهذين القطاعين هو من أولى مهام أي حكومة عراقية تستحق أن نطلق عليها " حكومة إنقاذ "، كما أن العراق من البلدان النادرة التي لا تتوفر على خدمات هاتفية وبريدية مقبولة، وشبكة المواصلات بجميع أصعدتها (البرية والبحرية، والنهرية، والجوية) بحاجة ماسة إلى الإعمار، هذا ناهيك عن الشرط الرئيسي المتمثل بزج القوى العاملة إلى ميادين الإنتاج، وهذه القوى هي اليوم معبئة في ميادين القتال(جيش وشرطة، وميليشيات) أقحمت في الصراعات الداخلية المسلحة، وبأعداد لا تبقي شيئاً للعملية الإصلاح والإعمار، ناهيك عن التصدي للعملية التنموية حتى بإدنى درجاتها الأبتدائية.

ثم هناك شرطاً أساسيا آخر يجمع علماء الاقتصاد أن الفساد السياسي والمالي (Corruption) يعتبر المخرب الأول لأي عملية اقتصادية، وفي دول لا تعاني أساساً ما يعانيه العراق، يعطل الفساد عملية التنمية تقريباً (لا سيما في بلدان أميركا اللاتينية وأفريقيا)، وهذه الدول لا يبلغ فيها الفساد قدر ما هو حاصل في العراق الذي يقبع في المرتبة الأخيرة عالميا، العراق في المرتبة الأخيرة لجهة الافتقار إلى الأمن، وأسوء مدينة لجهة الخدمات الصحية والتعليمية، وخدمات البناء الارتكازي، المرتبة الأولى فقط في حجم الفساد وانعدام النزاهة والشفافية، الفساد المالي والسياسي، فكيف والحالة هذه أن يتمكن بلد ما أن ينجو من مرتبة قاع التخلف، ويزيح مشكلات قد عشعشت وترسخت فيه لدرجة يصعب التصرف حيالها، وقادة حكوميون يصرحون جهاراً نهاراً أن الفساد وسرقة الدولة والمال العام قد بلغ مستواً يستحيل معه التصدي له .... وقبل أيام فقط باعت الدولة عقارات حكومية بأسعار هي أشبه بهدايا وبقشيش ..... فما لعمل ....؟

بتقديرنا أن خراباً وتدهوراً بهذه الدرجة من الشمولية هو خارج إمكانيات الإصلاح التقليدية، بإجراءات حكومية اعتيادية، فالأمر ببساطة بحاجة أبتداء بإزالة الارتهان للقوى الخارجية، وإلى برنامج رؤوية ونهوض شامل، وإلى قوة وطنية قانونية / دستورية قادرة على اقتلاع عناصر الفساد في البلاد، الأمر بحاجة إلى منظومة إجراءات، إلى حزمة قوانين، بحاجة إلى عملية سياسية جبهوية واسعة النطاق تضم أوسع فئات وشرائح الشعب العراقي، بحاجة أجهزة عراقية قادرة على تنفيذ قرارات سلطة مركزية قوية ومحترمة، لابد لها أن تتمتع بدرجة كبيرة من المصداقية والنزاهة، لابد من إتحاد القوى السياسية العراقية الوطنية في عملية سياسية واسعة النطاق، تستعيد سيادة العراق، وتستبعد أدوات وقوى الهيمنة الخارجية، حكومة قادرة على معالجة الخلل والوهن من جذوره، ومن خلال تشخيص دقيق ومن ثم إجراء عملية ضمن إجراءات عامة تشمل المجتمع، تستند إلى قوى العراقيين المعبئة خلف برنامج وطني شامل.

أما إصلاح له طابع دعائي إعلاني، يبتعد عن التوغل عميقاً في ظواهر وكوامن الأزمة فسوف لن يكتب له أي حظ من النجاح، بل سترتد وبالاً فليس ما ينتظر في هذه الحالة سوى المزيد من الغطس في معوقات النهوض، وإمعان في مآسي الشعب العراقي الناجمة عن الاحتلال ولواحقه، وفقدان الأمل في تصحيح الأمور من خلال عملية سياسية تقليدية.

لتضع أي حكومة انقاذ وطنية قبلة لأهدافها (بعد أستعادة الاستقلال)، هو معالجة الاهداف الخمسة الرئيسية : التعليم، الإسكان(وخدمات البنى الاساسية)، الصحة، الغذاء، الأمن .....
قبل أن تشيد بيتاً جميلاً، عليك أن تنظف الأرض من الأنقاض والنفايات، ويستحسن أن ترش الأرض بمعقمات ومزيلات للجراثيم والبكتريا .....والاعتماد على خبراء واختصاصيين ونزاهة تقارب نزاهة الأولياء ....

النوايا الحسنة لوحدها لا تفعل شيئاً .....

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال