بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

اغتيال لاريجاني: البداية الحقيقية لنهاية الشرق الأوسط ومن سيبقى ليحاسب التاريخ؟

2026-03-17 23 قراءة مختلفات أ.عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
اغتيال لاريجاني: البداية الحقيقية لنهاية الشرق الأوسط ومن سيبقى ليحاسب التاريخ؟
يا سادة نحن لا نقف اليوم أمام مجرد حادثة اغتيال عابرة في أزقة طهران المكتظة برائحة التوابل والبارود
بل نحن أمام زلزال جيوسياسي بقوة تسع درجات على مقياس ريدر للدمار الاستراتيجي.
إن غياب علي لاريجاني ذلك العقل البارد في فرن السياسة الإيرانية المشتعل ليس مجرد غياب لرجل بل هو سقوط لآخر أعمدة الحكمة التي كانت توازن بين طموحات الإمبراطورية الفارسية وبين واقعية الدولة القومية. لاريجاني لم يكن مجرد رئيس للبرلمان أو مستشاراً للمرشد بل كان الشيفرة السرية التي تفك طلاسم الاتفاقيات الكبرى من بكين إلى واشنطن.
واليوم برحيله في عملية استخباراتية سوداء تدمج بين الذكاء الاصطناعي و الخيانة الهيكلية نجد أنفسنا في مواجهة ثلاثة مسارات مرعبة كل مسار منها كفيل بتغيير وجه الكرة الأرضية لا الشرق الأوسط فحسب.
المسار الأول، وهو الأكثر احتمالاً بنسبة تصل إلى أربعين بالمئة هو ما يمكن تسميته بالانغلاق الكوري الشمالي
حيث ستجد إيران نفسها مجبرة على الهروب إلى الأمام عبر تحويل الدولة إلى قلعة عسكرية مغلقة تماماً على نفسها.
في هذا السيناريو سيحكم الحرس الثوري قبضته الحديدية على مفاصل القرار معتبراً أن اغتيال لاريجاني هو الدليل القاطع على فشل الدبلوماسية الناعمة وعلى أن الاختراق وصل إلى نخاع العظم في جسد الدولة.
سنشهد هنا ليلة سكاكين طويلة لتطهير الأجهزة الأمنية من الجواسيس حيث ستنصب المقاصل في الميادين لكل من يُشتبه في صلته بالغرب وستتحول إيران إلى ثقب أسود سياسي لا تخرج منه معلومة ولا تدخل إليه تسوية.
هذا الانغلاق يعني بالضرورة تحويل الاقتصاد الإيراني إلى اقتصاد حرب بدائي يعتمد على المقايضة مع الحلفاء الأوراسيين ورفض أي حوار نووي مما سيجعل من طهران بيونغ يانغ الشرق الأوسط مدججة بالصواريخ والمسيرات ومنفصلة تماماً عن النظام المالي العالمي لتعيش في عزلة مطبقة تقتات على أيديولوجيا الصمود بانتظار المواجهة الكبرى.
أما المسار الثاني، الذي يلوح في الأفق بنسبة خمسة وثلاثين بالمئة فهو الحرب الإقليمية الكبرى وهو الفخ الذي ربما نصبه المطبخ الصهيوني لاستدراج طهران إلى انتحار استراتيجي. في هذا السيناريو لن تكتفي طهران ببيانات الاستنكار
بل ستتحرك غرفة العمليات المشتركة لمحور المقاومة لتنفيذ رد زلزالي يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية.
نحن نتحدث هنا عن صولة الفرسان الأخيرة حيث ستنطلق آلاف الصواريخ الدقيقة من لبنان واليمن والعراق وإيران في لحظة واحدة مستهدفة حيفا و تل أبيب ومنشآت الغاز في المتوسط ليس بهدف المناوشة بل بهدف شل الدولة العبرية تماماً.
هذا المسار سيعني بالضرورة إغلاق مضيق هرمز ومضيق باب المندب مما سيؤدي إلى قفزة جنونية في أسعار النفط لتتجاوز المئتي دولار للبرميل وهو ما سيشعل فتيل حرب عالمية ثالثة تبدأ من رمال الشرق الأوسط لتصل نيرانها إلى عواصم القرار في أوروبا وأمريكا. ستجد واشنطن نفسها مجبرة على التدخل لحماية حليفتها مما سيصطدم بالفيتو الصيني والروسي الميداني لتتحول المنطقة إلى ساحة خردة كبرى للتكنولوجيا العسكرية العالمية.
ويبقى المسار الثالث بنسبة احتمال تبلغ خمسة وعشرين بالمئة وهو المسار الأكثر تعقيداً وألماً والذي أسميه البريسترويكا الدموية حيث سيؤدي اغتيال لاريجاني إلى انفجار صراع الأجنحة داخل بيت الحكم الإيراني.
غياب لاريجاني الذي كان ضابط الإيقاع بين المرشد والحرس والتكنوقراط سيترك فراغاً لا يملؤه إلا الدم.
سيبدأ الصراع على خلافة المرشد الأعلى في وقت مبكر حيث ستتصارع العمائم مع البذلات العسكرية مما سيؤدي إلى تحلل الدولة من الداخل.
هذا السيناريو يشبه إلى حد بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي لكن بنسخة شرقية غارقة في الدماء حيث ستبدأ القوميات (آذريين، أكراد، بلوش) بالتحرك مستغلة ضعف المركز وستتحول إيران من دولة مركزية صلبة إلى جغرافيا ممزقة تتنازعها الولاءات.
هذا التحلل البنيوي هو ما يراهن عليه العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي يفضل رؤية إيران تنهار من الداخل كبناء متصدع بدلاً من تدميرها بضربة خارجية قد تكون تكلفتها باهظة.
علي لاريجاني لم يكن مجرد موظف كبير بل كان أرشيفاً حياً لأسرار التعاون الإيراني الصيني الروسي
وكان الرجل الذي يملك خرائط الطرق السرية للالتفاف على العقوبات عبر شبكات معقدة من الشركات الوهمية والمصارف الرقمية في هونج كونج و دبي.
اغتياله هو محاولة لقطع لسان إيران الدبلوماسي و فقء عينها الاستراتيجية.
نحن اليوم أمام مقامرة كونية كبرى فإما أن تنجح إيران في امتصاص الضربة والتحول إلى فولاذ عسكري لا ينكسر
أو أن تنجرف نحو حرب الكل ضد الكل التي ستحرق الأخضر واليابس.
إن جغرافيا الدم التي رسمتها هذه الرصاصة أو تلك العبوة التي استهدفت لاريجاني تؤكد أننا قد دخلنا مرحلة نهاية التاريخ الدبلوماسي وبداية عصر الجغرافيا العارية حيث لا صوت يعلو فوق صوت الانفجارات وحيث تصبح مصائر الدول والشعوب معلقة على شاشات الرادار وقرارات الذكاء الاصطناعي في غرف العمليات السوداء.
إيران اليوم تقف أمام مرآة الحقيقة فإما أن تختار العزلة الكورية لتحمي بقاءها الأيديولوجي أو أن تذهب إلى الحرب المقدسة لتثبت حضورها الإقليمي أو أن تغرق في فوضى البريسترويكا التي ستمحو حدودها الحالية.
وفي كل الحالات، فإن الشرق الأوسط الذي دخل عام 2026 ليس هو الشرق الأوسط الذي سيخرج منه
فاللاعبون الكبار قد قرروا قلب الطاولة واغتيال لاريجاني كان هو الصافرة المعلنة لبدء المباراة النهائية في ملعب النار.
مصير إيران الآن هو مصير العالم فإذا سقطت طهران في فخ الفوضى فاعلموا أن زلزالاً سيضرب كل العواصم من واشنطن إلى بكين فالكل مرتبط بخيط الدم الذي بدأ يسيل من جرح لاريجاني الغائر.
السر الصادم الذي يجب أن ندركه هو أن لاريجاني كان يجهز لانعطافة كبرى نحو تفاهمات سرية كانت ستجرد المتطرفين في واشنطن وتل أبيب من ذرائع الحرب لذا كان قتله ضرورة لتجار الحروب لإبقاء المنطقة في حالة غليان دائمة.
نحن لا نعيش في عالم تحكمه القوانين بل في غابة تكنولوجية حيث الذكاء هو السلاح و المعلومة هي الرصاصة و الجغرافيا هي القبر.
لاريجاني رحل ومعه رحلت فرصة السلام المسلح ليفتح الباب على مصراعيه لجحيم الشرق الذي سيأكل من رصيد الجميع فانتظروا الساعات القادمة فهي التي ستكتب شهادة ميلاد العالم الجديد أو شهادة وفاته تحت أنقاض طهران وتل أبيب.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال