بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التصدع السوسيولوجي و التعليم بسرعتين في المشهد التربوي التونسي

2026-03-16 123 قراءة مقالات بحوث فارس الكلاعي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
التصدع السوسيولوجي و التعليم بسرعتين في المشهد التربوي التونسي
تواجه المنظومة التربوية التونسية أزمة خطيرة أخرى تتمثل في ما يعرف بالاستقطاب الطبقي حيث ينقسم المشهد التربوي بين مدرسة عمومية تعاني من وهن هيكلي وقطاع خاص يزداد توغلا وهيمنة مما خلق استقطابا طبقيا حادا  يعيد رسم خارطة المستقبل للتونسيين بناء على قدرتهم الشرائية لا على كفاءاتهم الذهنية و هنا بالذات يتجلى مفهوم التعليم بسرعتين من خلال مسار أول نخبوي يتمثل في المدارس الخاصة التي توفر بيئة تعليمية متطورة وساعات تدريس مكثفة في اللغات الأجنبية وأنشطة ثقافية ورياضية متنوعة ما  يضمن لرواده في كثير من الأحيان  الهجرة للدراسة في الخارج التي أصبحت في عين الطلبة التونسيين أو كافة الشعب عموما الملاذ الآمن و الا وجهة نحو الجنة كما يتصورها الجميع أما المسار الثاني يتمثل في المدرسة العمومية التي تعاني من كثرة الإضرابات واكتظاظ الأقسام ونظام الدروس الخصوصية الذي استنزف جيوب الأولياء وأصبح شرطا غير معلن للنجاح مما حول التعليم المجاني إلى مكلف جداً وهو بالتأكيد ما خلق فجوة معرفية هائلة فخريج المدرسة الخاصة يمتلك مهارات تواصلية ولغوية تفتح له أبواب سوق الشغل العالمية بينما يجد خريج المدرسة العمومية نفسه في مواجهة بطالة هيكلية لأن المهارات التي اكتسبها لا تتوائم مع متطلبات الاقتصاد الحديث و خاصة في ظل السبات لقطاعات التكوين المهني أو على قلتها مما لا يمنح التلاميذ المنقطعين عن الدراسة أملا في ضمان مستقبل يليق بهم أو يمكننا القول ركنهم خارج النسيج الاجتماعي و العملية الاقتصادية مما يتسبب بخسارة فادحة للطرفين تعانيها الدولة و يعيشها التلميذ أو المواطن و هذا التحول السوسيولوجي الذي ينموا على مر السنوات اصبح في الآونة الأخيرة يهدد بخطر الإنقسام المجتمعي تغذيها عملية إعادة الانتاج الاجتماعي التي قال بها كارل ماركس و خصصها بورديو في العملية التعليمية ليصبح التعليم غير قادر على كسر الحواجز الاجتماعية بل أداة لتكريسها فالأغنياء يورثون أبناءهم رأس المال عبر المدارس الخاصة بينما يظل أبناء الطبقات الكادحة سجناء نظام تعليمي متهالك يعيد إنتاج واقعهم السوسيو-اقتصادي و ما نلاحظه جليا الآن أن هذا التفاوت أصبح يغذي شعورا بالدونية والحقد الاجتماعي لدى فئات واسعة من الشباب ويخلق هوية وطنية مجزأة  فنحن أمام جيلين أحدهم يتكلم لغات العالم ومنفتح على الحداثة وجيل يشعر بالتهميش والإقصاء داخل وطنه لتصبح المدرسة التونسية في النهاية و بوضعها الحالي قنبلة موقوتة تهدد التماسك الوطني
‎وحيال هذا المشهد الحاد لم يعد يكفي الركون إلى التشخيص السوسيولوجي الذي يكتفي برثاء المصعد الاجتماعي المعطل بل تبرز الضرورة الإبستمولوجية والسياسية للانتقال نحو مقاربة تفكك آليات إعادة الإنتاج وتعيد بناء العقد التربوي التونسي حيث إن إنقاذ المدرسة العمومية ليس مجرد مطلب بل هو شرط بقاء للدولة الوطنية نفسها.
‎ولتحقيق هذا الانتقال يستوجب العمل على المحاور الاستراتيجية التالية:

‎1- رد الاعتبار لمركزية التعليم الابتدائي:

‎إن تفكيك الفوارق الطبقية لا يجب أن يبدأ من قمة الهرم العلمي بل من قاعدته التأسيسية فالمدرسة الابتدائية العمومية يجب أن تستعيد دورها كفضاء أول لتوحيد الهوية الوطنية وتكافؤ الفرص اذ يتطلب هذا ضخ استثمارات حقيقية لتحويل المدارس الابتدائية خاصة في المناطق الداخلية والأحياء الشعبية إلى بيئات جاذبة فمن الأكيد أن التلميذ الذي يجد بنية تحتية ملائمة ورعاية تربوية متكاملة في سنواته الأولى يكتسب مناعة معرفية ونفسية تحميه من الانقطاع المبكر والتسرب نحو الهامش الاجتماعي

‎2- الاستثمار في المهارات الناعمة وتكنولوجيا التعليم:

‎يكمن التفوق الفعلي للمسار النخبوي (الخاص) في تجاوزه لتلقين المعارف الجاهزة نحو بناء الشخصية ولاحداث ثورة في التعليم الابتدائي يجب إحداث قطيعة مع المناهج الكلاسيكية في التعليم العمومي و التي سطرت العقول لسنوةت وإدماج "المهارات الناعمة" (Soft Skills) _ كالتواصل الفعال و التفكير النقدي والعمل الجماعي في صلب العملية التعليمية وليس كأنشطة هامشية كما يحدث الآن كما يجب أن يتزامن ذلك مع حتمية توظيف تكنولوجيا التعليم الحديثة لرقمنة الفصول وتوفير محتوى تفاعلي يقلص الفجوة الرقمية والمعرفية بين أبناء الطبقات المختلفة فالملاحظ أن بعض المدارس و حسب ما عاينته شخصيا لا تحتوي على حواسيب او تجهيزات من الأساس و من خلال السعي لسد هذه الفجوات يمنح تلميذ المدرسة العمومية نفس الأدوات التنافسية التي سوف تمكنه في الغد من الولوج الى سوق الشغل

‎3- الربط بين المدرسة و الواقع الاقتصادي :
‎في الواقع ما يمكننا قوله في هذا الشأن هو أنه لا يمكن للمدرسة أن تعمل كجزيرة معزولة بحيث يجب ربط مخرجات التعليم العمومي بمساريه الأكاديمي والمهني بحاجيات الاقتصاد الحديث والمبادرات الشبابية فخلق نوادي للابتكار ومشاريع تواصلية (كالبودكاست المدرسي والجامعي)، والانفتاح على الصناعات الحديثة و الذكاء الاصطناعي و جميع مكونات العصر الحديث و متطلباته داخل أسوار المدرسة و برقابة كامل الاطار التربوي و تحت اشرافهم و خبرتهم و قدرتهم على منح الأساسيات الأخلاقية للتعامل مع هذه الادوان يعيد للمتعلم ثقته في جدوى تعليمه ويخلق هوية وطنية متماسكة قادرة على استيعاب الحداثة دون الانسلاخ عن واقعها

‎أما ختاما إن المشهد التربوي التونسي يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي فإما الاستسلام لحتمية "التعليم بسرعتين" وما يفرزه من شرخ مجتمعي وإما امتلاك الإرادة السياسية والتربوية لإطلاق مشروع وطني يعيد هندسة المدرسة العمومية لتكون مدرسة لا تكتفي بتوزيع الشهادات بل تصنع مواطنين متساوين في الأمل ومجهزين بأدوات العصر وقادرين على كتابة سردية جديدة لجمهورية تضع العقل وكفاءة أبنائها فوق كل اعتبار مادي

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال