وحيال هذا المشهد الحاد لم يعد يكفي الركون إلى التشخيص السوسيولوجي الذي يكتفي برثاء المصعد الاجتماعي المعطل بل تبرز الضرورة الإبستمولوجية والسياسية للانتقال نحو مقاربة تفكك آليات إعادة الإنتاج وتعيد بناء العقد التربوي التونسي حيث إن إنقاذ المدرسة العمومية ليس مجرد مطلب بل هو شرط بقاء للدولة الوطنية نفسها.
ولتحقيق هذا الانتقال يستوجب العمل على المحاور الاستراتيجية التالية:
1- رد الاعتبار لمركزية التعليم الابتدائي:
إن تفكيك الفوارق الطبقية لا يجب أن يبدأ من قمة الهرم العلمي بل من قاعدته التأسيسية فالمدرسة الابتدائية العمومية يجب أن تستعيد دورها كفضاء أول لتوحيد الهوية الوطنية وتكافؤ الفرص اذ يتطلب هذا ضخ استثمارات حقيقية لتحويل المدارس الابتدائية خاصة في المناطق الداخلية والأحياء الشعبية إلى بيئات جاذبة فمن الأكيد أن التلميذ الذي يجد بنية تحتية ملائمة ورعاية تربوية متكاملة في سنواته الأولى يكتسب مناعة معرفية ونفسية تحميه من الانقطاع المبكر والتسرب نحو الهامش الاجتماعي
2- الاستثمار في المهارات الناعمة وتكنولوجيا التعليم:
يكمن التفوق الفعلي للمسار النخبوي (الخاص) في تجاوزه لتلقين المعارف الجاهزة نحو بناء الشخصية ولاحداث ثورة في التعليم الابتدائي يجب إحداث قطيعة مع المناهج الكلاسيكية في التعليم العمومي و التي سطرت العقول لسنوةت وإدماج "المهارات الناعمة" (Soft Skills) _ كالتواصل الفعال و التفكير النقدي والعمل الجماعي في صلب العملية التعليمية وليس كأنشطة هامشية كما يحدث الآن كما يجب أن يتزامن ذلك مع حتمية توظيف تكنولوجيا التعليم الحديثة لرقمنة الفصول وتوفير محتوى تفاعلي يقلص الفجوة الرقمية والمعرفية بين أبناء الطبقات المختلفة فالملاحظ أن بعض المدارس و حسب ما عاينته شخصيا لا تحتوي على حواسيب او تجهيزات من الأساس و من خلال السعي لسد هذه الفجوات يمنح تلميذ المدرسة العمومية نفس الأدوات التنافسية التي سوف تمكنه في الغد من الولوج الى سوق الشغل
3- الربط بين المدرسة و الواقع الاقتصادي :
في الواقع ما يمكننا قوله في هذا الشأن هو أنه لا يمكن للمدرسة أن تعمل كجزيرة معزولة بحيث يجب ربط مخرجات التعليم العمومي بمساريه الأكاديمي والمهني بحاجيات الاقتصاد الحديث والمبادرات الشبابية فخلق نوادي للابتكار ومشاريع تواصلية (كالبودكاست المدرسي والجامعي)، والانفتاح على الصناعات الحديثة و الذكاء الاصطناعي و جميع مكونات العصر الحديث و متطلباته داخل أسوار المدرسة و برقابة كامل الاطار التربوي و تحت اشرافهم و خبرتهم و قدرتهم على منح الأساسيات الأخلاقية للتعامل مع هذه الادوان يعيد للمتعلم ثقته في جدوى تعليمه ويخلق هوية وطنية متماسكة قادرة على استيعاب الحداثة دون الانسلاخ عن واقعها
أما ختاما إن المشهد التربوي التونسي يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي فإما الاستسلام لحتمية "التعليم بسرعتين" وما يفرزه من شرخ مجتمعي وإما امتلاك الإرادة السياسية والتربوية لإطلاق مشروع وطني يعيد هندسة المدرسة العمومية لتكون مدرسة لا تكتفي بتوزيع الشهادات بل تصنع مواطنين متساوين في الأمل ومجهزين بأدوات العصر وقادرين على كتابة سردية جديدة لجمهورية تضع العقل وكفاءة أبنائها فوق كل اعتبار مادي
تعليق على مقال