بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أزمة المخيلة لدى الناشئة في عصر الرقمنة

2026-03-16 46 قراءة مقالات بحوث فارس الكلاعي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أزمة المخيلة لدى الناشئة في عصر الرقمنة
يشهد العصر الراهن قطيعة إبستمولوجية حادة في طرق تلقي المعرفة وبناء الوعي حيث تراجعت مكانة الكتاب كوسيط تقليدي للتنشئة الفكرية لصالح الهيمنة المطلقة للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي و هذا التحول التكنولوجي أفرز تداعيات جوهرية على واحدة من أهم الملكات الإنسانية وهي"المخيلة" فالخيال الذي طالما اعتبره الفلاسفة محرك الإبداع والتفكير النقدي
‎يبدو اليوم مهددا بالضمور لدى الأجيال الناشئة
‎حيث يرتبط الخبال ارتباطا وثيقا بمفهوم " الفراغ " كما يأكده الفيسلوف  ( wolfgang iser)
‎بأطروحته أن النص الأدبي هو مكان او هوة لما يعرف بالفراغات او الفجوات التي تستوجب على القارئ سدها باستعمال خياله فالكتابة لا تقدم عالما مكتملا بل تقدم إشارات ورموز مجردة يقوم العقل البشري بجهد شاق لتحويلها إلى صور و أصوات ومشاعر فهذا الجهد التأويلي هو التدريب الأسمى لعضلة الخيال
‎في المقابل تعمل وسائل التواصل الاجتماعي وفق منطق بصرى بحت و نقيض حيث إنها لا تترك مساحة للغياب فكل شيء حاضر ومجسد ومكثف
‎فيمكن القول إن الصور ومقاطع الفيديو القصيرة مثل الريلز على انستغرام أو التيك توك تقدم للناشئة نسخا جاهزة من الواقع تفوق الواقع نفسه كثافة وإثارة
‎تجعل الطفل او المستهلك لهذه المقاطع مدمنا عليها يقصي اوقات فراغه في مشاهدة محتوى يمكن ان يصصير في لحظة من اللحظات مشتتا للموارد الادراكية و لملكات الخيال و الابداع لدى الطفل خاصة حيث أن هذا الاستهلاك المفرط بنفي عنه الحاجة الى الاستحضار الذهني فيتحول العقل من حالة انتاج نشيطة الى حالة استهلاك سلبية للمشاهد
‎ما يخلق جيلا يعاني من فقر في الابداع لحساب التخمة البصرية الخارجية
‎أما من منظور علم الاجتماع فقد  أحدثت المنصات الرقمية انقلابا في طبيعة التفاعلات البشرية وكيفية تشكيل الذات فالقراءة فعل فردي بامتياز يتطلب انسحاباً مؤقتاً من العالم الخارجي أحبانا  نحو خلوة تبنى فيها الذات و تتبلور
‎اما وستئل التواصل الاجتماعي فهي منصات علنية قائمة على الاستعراض تتبنى مفهوم ما يعرف بتنميط الخيال من خلال خواريزميات تدرس بدقة و صرامة  فعملية تعريض الناشئة لنفس النوع من المحتوى و لفترة طويلة من الزمن تساهم بشكل فعال في بناء مخيلة جمعية تتحكم بها الارقام و تعرف رؤوس الأموال كيف توجهها و تستفيد منها ( يمكننا الخوض في الذراع الاقتصادي في مقال اخر )
‎و كما قلنا سابقا عندما يصبح خيال الناشئة محصورا في إطار ما تفرزه الخواريزمية من مشاهدات سوق يقضي على التنوع الإبداعي ويدفع بالتأكيد نحو تجانس قسري للأفكار والأحلام
‎لتمتد تداعيات هذا التحول لتضرب في صميم العملية التعليمية والنمو المعرفي للناشئة حيث يتكيف دماغ التلميذ مع دورات قصيرة جدا من إفراز هرمون "الدوبامين" نتيجة المكافآت الفورية التي تقدمها وسائل التواصل كإعجابات أو فيديوهات قصيرة مضحكة فهذا يجعل التلمبذ  عاجزا عن الصبر على قراءة نص طويل وممتد و كمعلمين نواجه اليوم ضعفا كبيرا في التمثل الذهني لما هو مكتوب و هو ما يمثل مشكلة كبيرة لنا و لهم خاصة في فهم النصوص الأدبية أو المسائل العلمية المعقدة لأنهم فقدوا القدرة على تخيل المعطيات المجردة و للذهاب نحو الاعتماد الكلي على الشروحات البصرية الجاهزة كما نلاحظ بوضوح كيف تراجعت مهارة القراءة العميقة فالأدمغة أصبحت تتبرمج يوميا على مكافآت الانتباه السريع و هنا يكمن التحدي الحقيقي في كيفية استعادة الخيال و الابداع لدى الناشئة ؟ و كيف نحصن الجيل الجديد ليكون ليستهلك أحلامه و أفكاره بدلا من أحلام و أفكار الاأخرين و أن يكون على وعي بما تحتويه الميديا من مخاطر و حب لتأسيس خيال و ابداعي جمعي متناسق و متجانس و أهمها متشابه ؟ حيث لا يتميز فيه فرد عن اخر بذاته و روحه بل يكون جزءا من الكل فقط بمعنى سلبي و لا مكانة لنفسه و خياله أو ابداعه

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال